خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

بين المادي والروحي في موسيقانا العربية

. مقالات

علي الأحمد

لماذا افتقد الفن الموسيقي العربي المعاصر ذلك الألق والتوهج الجمالي الذي عاشه في عصوره الذهبية ،وهي عصورــ كما نعلم ــ اكتملت فيها عناصر الهوية الخاصة لهذا الفن بعد بحوث مستفيضة وسفر دائم في محيط الحضارات الموسيقية التي شاركت وأسهمت في خلق واجتراح اللغة الكلاسيكية العالية ؟.

ومبعث هذا السؤال الهام يكمن في الخوف والقلق المشروع من صعود وسطوة التكنولوجيا المرعبة على كافة تفاصيل حياتنا المعاصرة وليس على الفنون وحدها ، بما يؤثر حكما في انزواء وابتعاد القيم الروحية والوجدانية في النتاجات الموسيقية المعاصرة، فالفن عموما ينفر من ماديات التكنولوجيا وصرامتها وهو الذي ينزع ويتوق دائما إلى الرهافة والحساسية العالية والاحتفاء بالغامض المخبوء. يقول الدكتور "نبيل علي "في كتابه الممتع الثقافة وعصر المعلومات: "لقد قامت حياتنا المادية على تكنولوجيا غاية في النجاح، في حين تئن حياتنا الروحية تحت وطأة الخواء، فقد ألهتنا هذه التكنولوجيا بقدرتها الفائقة على إحداث التغيير، فنسينا ما بقي – وسيبقى دوما – ثابتا بداخلنا دون تغيير، لقد نسينا مطالبنا الوجدانية وحاجاتنا الدائمة إلى المثل العليا وإلى الألفة والتآخي والإحساس بالذات والهوية".  نعم الإحساس بالذات وبالهوية هو ما يحتاج إليه الموسيقي العربي اليوم في عصر بات يلهث وراء المادة وتسليع كافة الفنون كما نرى مع تيار العولمة "المتأمرك"، الذي بات يسطو ويمارس قرصنته المعتادة على مكانات الإنتاج والإعلام، حيث بات يفرض على الجميع نسقه التجاري الرخيص الذي أصبح يؤثر عميقا في تغيير عادات التلقي والاستماع وأصبح هذا الفن يئن من وطأة وانتشار النتاجات الاستهلاكية العابرة والتي أثرت بدورها في تشكيل ذائقة مريضة معطوبة لأجيال متغربة، وبات البعد التربوي الأخلاقي يخبو ويبتعد عن تفاصيل المشهد الموسيقي المعاصر إلا ما ندر حيث يتراجع العقل وتصعد الغرائز، وأضحت مقولات الجليل في الفن عموما غير ذات شأن بالنسبة للمؤلف الموسيقي المعاصر.  وهذه كارثة حقيقية في عدم اعتناق مفهوم الدور والرسالة الإنسانية العالية التي يجب على هذا الموسيقي تبنيها والدفاع عن قيمها الذوقية والجمالية، وهو ما نقرأه من خلال تجارب الشعوب حيث باتت مقولة "الفن للفن" مدعاة للهو والكسل الفكري والإبداعي.

وحدها اللغة الكلاسيكية حملت الراية على مدار حقب ومدارس موسيقية عاشت مع الإنسان وله، وعكست آماله وتطلعاته؛ ومن أجله أعادت دور الفن في الحياة، في خلق جديد لهذه الحياة عبر صوغ وتطهير التراثيات العظيمة التي اجترحتها الذهنية القديمة في مسارات الروح الجديدة كتابة وممارسة، والخروج نهائيا من المقولات العقيمة التي وضعت مقدرات هذا الفن ما بين ضفتي التراث والحداثة وتمدد الصراعات الفكرية والإيديولوجية بين هذين المعسكرين، وهو ما وضع هذا الفن في متاهات وأزمات ونكبات مستدامة لم تنته إلى يومنا هذا.  لكن ولحسن الحظ بقي من يدافع عن قيم ودور هذا الفن في التعبير عن الوطن والإنسان في كل الأزمنة الخالدة التي أنتجت للبشرية فنا رفيعاً جمّل الحياة وأعطاها بعدها الإنساني المأمول حيث ارتحل أولئك المبدعون الخُلص هائمين في أزمنتها باحثين عن سر هذا الفن العظيم الذي صيغ على أنموذج الانسجام الكوني كما قرأته الفلسفة والحكمة القديمة، حيث إعلاء الأصول والقواعد الراسخة نحو تكوين موسيقي جديد يعيش العصر وتقلباته ويحافظ في الوقت نفسه على تلك الروحانيات العظيمة التي تشبعت بها الأذن والذائقة العربية على مدى قرون كان فيها الموسيقي العربي يعيد دورة الحياة الثقافية، عبر إنتاجية إبداعية ذات رؤية عربية إسلامية لها كيانها وملامحها الخاصة جدا، محافظا –  بالرغم من الانفتاح المثمر على الآخر المختلف – على نقاء وصفاء الصوت والنغم العربي الذي كانت ولا تزال تحكمه مسارات الروح والمزاج العربي في الغناء والتلحين، وهي مسارات لم تفقد من سماتها الكثير إلا في العصر الحديث الذي أثر من دون أدنى شك على ديمومة وبقاء هذه الأصوات النقية التي ميزت وجه الغناء والموسيقى العربيين على مدار عقود ومدارس مختلفة.

كل ذلك يقودنا إلى القول:  إن الموسيقي العربي ومنذ القدم أثبت أنه على دراية كاملة في البحث عن التحديات الجديدة التي تمنحه القدرة على التشكيك بكثير من المعطيات الموسيقية المستقرة في الذاكرة الجمعية، وهو ما أعانه لاحقا وفي كثير من الأوقات على إعادة اكتشاف المخبوء من التراث ووضعه في سياقه الإبداعي عبر تقديمه بروح حداثية معاصرة تستلهم قيمه التعبيرية وتخلق نوعــا من الألفة الجمالية لدى المتلقي المعاصر بحيث يرسم وجوده المغاير في عالم يضج بالأقنعة الزائفة وبالنتاجات التي تمجد الغرائز الحسية في مجتمعات باتت تتحول إلى سوق كبيرة لبضاعات فنية ضحلة رديئة لا تلبي حاجات المتلقي الذوقية ولا تشبع رغباته الروحية ومطالبه الوجدانية .

 

المصدر جريدة الثورة السورية