خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

أهمية تدوين وتصنيف وتحليل الموسيقى الشعبية

. مقالات

د. تيمور أحمد يوسف

إن الدافع العميق الذي يربط أي فرد أو جماعة أو شعب من الشعوب بجذوره وتراثه، هو الحرص والاهتمام الشديدين بجمع هذا التراث، للحفاظ عليه أولاً لأنه يمثل الأصالة والحكمة في كافة أنشطة الحياة الاجتماعية والعملية والفنية، ولجعله ثانياً مادة للدراسة العلمية.

منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، انتشرت في الدول الأوروبية التجارب الرائدة والدراسات العلمية والعملية والمناهج والأبحاث التي حازت على اهتمام الباحثين من المؤلفين الموسيقيين[1] ممن اعتنوا بحفظ تراثهم وبخاصة الغنائي منه بكافة أنواعه ومناسباته وما صاحبه من آلات شعبية.  وساهم هذا الأمر في انتشار الدراسات الجادة ودفع بالباحثين وبعض الدول إلى الإسراع في إنشاء مراكز خاصة بأبحاث الموسيقى الشعبية، بل ومُشاركة جهود بعض الجمعيات الأهلية[2] كذلك في إنشاء بعض الأقسام للموسيقى الشعبية في بعض أكاديميات العلوم والفنون وبعض المعاهد والكليات الموسيقية في العديد من دول العالم.

ولا شك أن الدراسات العلمية ومناهج البحث وكافة التجارب التي انتشرت في القرون الماضية وما زالت مستمرة، قد نتج عنها الكثير من الخبرات والتطور العلمي والثقافي عبر تراكمات متلاحقة. وما زالت الثقافات المتوارثة هي المادة العلمية والغنية للراغبين في مواصلة البحث بكل ما يعاصره من تطورات في استخدامات التقنيات العلمية الحديثة.

وهنا يجب الإشارة إلى ضرورة إلقاء الضوء على أهمية التدوين والتحليل والتصنيف للموسيقى الشعبية المصرية، ما يقرّب الأمر إلى المنهجية العلمية المعتمدة عالمياً؛ والمدخل في هذا السياق ما نُشر ويُنشر في المؤتمرات العلمية وفي المجلات والدوريات المتخصصة، وفي الدراسات التي تهدف  إلى نيل الدرجات العلمية.   

ومن مُتابعة بعض ما يُنُشر من دراسات[3] ومن نماذج موسيقية مُلحقة بتلك الدراسات، لا بد من بعض الملاحظات بشأن أسلوب التدوين الموسيقي، لأنه رُبما يُخلط بين منهجين في التدوين، وغالباً ما تكون المدونة غير شاملة لكافة تفاصيل العمل، وغير مطابقة لما هو مسجل في نماذج الجمع الميداني "إن وجد"، بالإضافة إلى أن غالبية المدونات تتبع منهج التدوين المعمول به ضمن مناهج تعليم القراءة والكتابة في المعاهد الموسيقية، وهو أقرب إلى تدوين ألحان "التراث التقليدي" الآلي والغنائي؛ وهُنا يجب الإشارة إلى مُجمل الفروق الهامة بينهما، حيث إن  كلا من الموسيقى التقليدية والشعبية انتشر وانتقل من خلال الترديد والحفظ عبر الأداء وليس التدوين، وكلاهما اشتمل على كافة الإبداعات التي توارثتها الأجيال وحفظتها في ذاكرتها وأضافت عليها، بل وكلاهما تميّز بصفة الدوام والاستمرار من الماضي إلى الحاضر ومن جيل إلى جيل، والاختلاف بينهما هو في منهج التدوين الموسيقي وفق ما يلي:  

أولاً : الموسيقى لُغة عمادها الصوت لأنه العنصر الأساسي في وجودها، ولولاه ما كان لها وجود.  وتعتبر العلوم الموسيقية التدوين الموسيقي "لغة متفق بشأنها عالمياً"؛ ويمكن معرفة ما تحتويه المدونة من عناصر الألحان عبر القراءة، فهي وثيقة تحمل صفة الحضارة والتقدم ويمكن تداولها بين المؤلفين أو الباحثين في كافة المراكز العلمية والعالمية المتخصصة، ولهذا وجب الاهتمام بالكتابة الموسيقية كتخصص دقيق، ولفهم كافة القواعد والنظريات وخاصة المنهج العلمي لتدوين ألحان الموسيقى الشعبية.

ثانياً: تعتبر تطبيقات"القراءة والكتابة الموسيقية" [4]خلاصة التجارب التي استقر عليها علماء الموسيقى الغربية حول نظرية التدوين المتداول في معظم دول العالم وحتى الآن، ويبقى اختلاف الباحثين من "علماء الموسيقى العربية" قائما ـــ ومنذ زمن طويل ــ في الإصرار على عدم الاتفاق حول انتهاج أسلوب علمي موحد أو تقريبي في مناهج التدوين بشكل عام، بل ويلاحظ اختلاف تطبيق أسلوب التدوين العلمي الخاص بالموسيقى الشعبية، واختلاف مفهوم ما هو تراثي وما هو شعبي،  ما يؤدي إلى عدم التقيد بمنهج خاص "بتدوين وتحليل وتصنيف الموسيقى الشعبية بشكل عام والمصرية بشكل خاص".

 


[1]بيلا بارتوك Bela Bartok(1881-1945م) وسلطان كوداي  Zoltan Kodaly(1882-1967م)، كلاهما له فضل كبير في معالجة مشكلة التصنيف والتدوين والتحليل في بحث الأغنية الشعبية، وفي الدراسةَ الأولى المنظّمة للموسيقى الشعبية الهنغارية.

[2]الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية بالقاهرة ــ مثلا.

[3]في الدراسات المنشورة والخاصة بالموسيقى الشعبية المصرية، اكتفى الباحثون بكتابة النصوص الأدبية، وربما وصف أسلوب الأداء أو الإسهاب في سرد الجوانب النظرية، دون كتابة مدونات موسيقية، وإن وجد بعضها فتكون على غير المنهج الخاص بقواعد التدوين والتحليل والتصنيف للموسيقى الشعبية، ذلك بعض ما جاء من دراسات منشورة  في مجلة الفنون الشعبية المصرية ( العدد 72/73 - 2006/2007).

[4] يعتمد التدوين الموسيقي على مجموعة من العلامات ذات أشكال مختلفة وبأسماء محددة ولكل منها قيمة زمنية، واستقر نظام التدوين منذ منتصف القرن السابع عشر الميلادي وحتى الآن، وأصبح  قادراً على تسجيل كافة التفاصيل اللحنية والإيقاعية الدقيقة.