خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

ما هي الأنماط الموسيقية التي تستهوينا اليوم؟

. مقالات

إن مقاربة الوضع الموسيقي الحالي في العالم العربي من باب العنوان المبيّن أعلاه يستدعي التوقف عند مفردات هذا العنوان قبل محاولة الإجابة عن السؤال المطروح.

المقصود بالأنماط الموسيقية: الأشكال أو القوالب وهي في موسيقانا التراثية نوعان، هما:الأشكال أو القوالب الآلية، والأشكال أو القوالب الغنائية. أما الأولى فيندرج تحتها: البشرف والسماعي واللونغا والتحميلة والدولاب والتقسيم، في حين يندرج تحت الثانية: الموّال والقصيدة والدور والموشّح والطقطوقة والمونولوج.

ويدخل هذا التقسيم التقليدي المبدئي ضمن عنوان عريض هو: الموسيقى الشرقية والغناء العربي.  أما لماذا أطلقت على الموسيقى صفة الشرقية فلأنها تعتمد أساسا على مقامات ليست حكرا على الموسيقى العربية وإنما تشترك فيها مع هويات موسيقية أخرى (الفارسية والتركية).  أما صفة العربي التي ألصقت بالغناء فلأن هذا الغناء يعتمد حاملا لسانيا أساسيا هو اللغة العربية يُعرف بها وتُعرف به.

الأنماط الموسيقية هي هنا إذن الأشكال الآلية والأشكال الغنائية في آن معاً.

لأمم الأرض كلها، مهما كان حظها ضئيلا من أسباب الحضارة، غناؤها وموسيقاها. والمهم قوله في هذه المقدمة أن السواد الأعظم من التراث الموسيقي الذي تتناوله هذه المقالة غنائي.

 

الغناء أولا وأخيراً

الغناء عند العرب أسبق في الظهور من الموسيقى الآلية الصرفة. ولم يلتفت العرب إلى الموسيقى الآلية على أنها فن مستقل بذاته، ووسيلة تعبير مكتفية بذاتها، إلا بعد ظهور الإسلام وانتشاره وانتقال أهله من البداوة إلى الحضر.  وأول أشكال الغناء المتقن جاءت إلى بلاد العرب من فارس وبيزنطة. ودخل هذا الغناء أرض الحجاز عن طريق القيان اللواتي حملهن تجار مكة الأثرياء من رحلات تجارة شتائهم وصيفهم إلى العراق، وكانت متأثرة بفارس، وإلى سوريا، وكانت متأثرة ببيزنطة.

فرّق محمد أبو نصر الفارابي في مقدمة كتابه "الموسيقي الكبير" الذي ألّفه في القرن العاشر بين الغناء وبين الموسيقى الآلية، وميّز بين ثلاثة أنواع من الموسيقى: أولها يسبب اللذة فقط، وثانيها يعبّر عن الأهواء ويحرّضها، وثالثها يخاطب الخيال؛ وهو يرى أن الموسيقى التي تشتمل على الميزات الثلاث الآنفة الذكر هي أكمل أنواع الموسيقى وأرفعها شأنا.  ويرى الفارابي أن الأثرالأعظم يتأتى عن طريق الغناء وعن طريق الصوت البشري الجميل، وأن الموسيقى تمتلك أحيانا بعضا من هذه الخصائص إلا أنها عندنا أدنى منزلة وأضعف أثرا من الغناء الذي يجمع بين الصوت الجميل واللحن المتقن والشعر الجميل والإيقاع.  والفارابي بتأكيده على تسيّد المُغنى والصوت البشري يترك للموسيقى الآلية الدور المساعد والمساند في مصاحبة الصوت.  ويتحدث الفارابي عن موسيقى آلية لا تُطرب ودورها في نظره تثقيف الأذن أو التدريب على الضرب بالعود والنفخ في الناي وعزف الربابة.  كما يرى أن الأصوات التي تُصدرها الآلات الموسيقية أقل قيمة وجودة من الصوت البشري، وأن صوت العود هو أقرب أصوات الآلات إليه، وأن الربابة هي أصلح الآلات الموسيقية لمرافقته.

يمكننا أن نستخلص من هذا أنه كان في زمن الفارابي موسيقيون يعزفون دون غناء، وأن الموسيقى الآلية كان لها وقتئذ على الأقل مريدوها، ولو أن الغلبة قولا وفعلا هي للغناء، ومازالت كذلك حتى اليوم.  ويبدو أن الأمر ما زال قائماً حتى اليوم.

ويرى فريق أن الموسيقى الشرقية الآلية الصرفة تطورت على يد الترك والفرس، وليس للعرب فيها باع ولا نصيب. ولا شك أن الاستماع للموسيقى الآلية يحتاج إلى تفكر وتأمل وهي مسألة تدرب واعتياد. وممارسة سطوة الكلمة في ثقافتنا جعل الموسيقى أسيرتها وتكاد لا تحسن الإفلات منها، فضلا عن أن الثقافة الموسيقية العامة ما زالت حتى اليوم ثقافة غناء لا ثقافة موسيقى آلية صرفة.

إن ما يلفت النظر حقا في الموسيقى العربية أن المقالات والكتب التي ألّفها العلماء العرب، وما أوردوه فيها من مشكلات خصوصا تلك المتصلة بالغناء والموسيقى الآلية، ما زالت  صحيحة إلى اليوم، فما زالت الكلمة المغنّاة، قصيدة كانت أم زجلا، هي التي تتصدر نتاجات وسائل الإعلام، بينما تبقى الموسيقى الآلية مقصورة على حلقات خاصة وأحيانا عامة تنظمها جهات ثقافية أجنبية أو ثقافية أكاديمية وطنية. والصحيح أن لهذه الموسيقى جمهورها المخلص لها، المتابع لفعالياتها ونجومها، إلا أنها تبقى محدودة الأثر في الذوق العام الجارف باتجاه الغناء وحده.

إذاً الغناء عند العرب سبق في ظهوره الموسيقى الآلية الصرفة.  ودخلت أول أشكال الغناء المتقن بلاد العرب من فارس وبيزنطة.

 

أشكال الموسيقى الشرقية الآلية والغناء العربي

أولا: الأشكال الآلية

1 -  البشرف

وهو قالب موسيقي آلي فارسي - تركي – عربي يقع في خمسة أقسام تتخللها فواصل تسمى بالتسليم. ولم يكتب المؤلفون الموسيقيون العرب كثيرا من البشارف قياسا على التركة الهائلة التي خلّفها الأتراك، وقد يكون سبب أحجام المؤلفين العرب عن التأليف في هذا القالب صعوبة قواعده التأليفية.

2 - السماعي

يقع قالب السماعي في أربع خانات وأربعة تسليمات مكررة بين الخانات،  ويشبه في شكله العام البشرف، إلا أنه يختلف عنه في أن خانته الرابعة تُضرب بالمقياس 4/3 (سماعي دارج أو فالس) أو بمقاييس مركّبة تتولّد عنه كمقياس 8/9 (سماعي أقصاق).  ويكون السماعي عادة أقصر من البشرف. ولئن أحجم المؤلفون العرب أو أقلعوا عن تأليف البشرف، فقد أجادوا وأكثروا في تأليف السماعي.  ولعل مزاج البشرف أن يكون في تركيبته وبنيته أقرب إلى المزاج التركي، في حين لاءم قالب السماعي ببنيانه وقواعد تأليفه المزاج العربي.

3 - اللونغا

قالب موسيقي رشيق يقع في أربع خانات وتسليم، وأحيانا في ثلاث خانات وتسليم. تعزف اللونغا في مصاحبة ضرب إيقاعي بسيط سريع، وهي مع قصرها عموما تتميز بكثرة انتقالاتها المقامية الجذابة، وبجملها الرشيقة السريعة وبصعوبة أدائها عزفا، ويستعرض فيها الملحن والعازف معا براعتهما في التأليف والتنفيذ.

4 -  الدولاب

تأليف آلي قصير المدة يمهد لوصلة غنائية عنوانها مقام الدولاب الذي يُعزف ليُظهر شخصية المقام المراد الغناء فيه دون حليات وزخرفات، وإنما سكة مقامية واضحة ترسخ المقام في الأسماع وتهيّئ السامعين لما هم مقدمون على سماعه من مزاج نغم.

5 -  التحميلة

هي جاز الموسيقى الشرقية. يعزف التخت الشرقي جملة موسيقية من مقام تُبنى عليه التحميلة ثم يترك عازفو التخت المجال لأحدهم بأن يرتجل على آلته ارتجالا موقعا تجود به مخيلته اللحنية وبراعته التقنية وحذقه ومهارته بخفايا آلته داخل مقام التحميلة وتفرعاته، ثم يسلم آلات التخت ثانية لعزف الجملة الموسيقية التي بدأت بها التحميلة مايفسح في المجال لآلة أخرى يجود فيها صاحبها بما في روحه وعلمه من إحساس وفكر في الارتجال.  وتستمر التحميلة على هذا النحو قُدما حتى تأتي على آلات التخت كافة ثم تُختم بمثل ما بُدئت به.

 

ثانيا: الأشكال الغنائية

ونقف هنا عند الدور الذي هو قالب غنائي مصري المولد والنشأة والصنعة والتطور، ظهر في القرن التاسع عشر وزها وتطور في النصف الأول من القرن العشرين.يقع الدور في ثلاثة أقسام وختام، هي على النحو الآتي:

-       القسم الأول: المذهب، ويقع في ثلاث فقرات لحنية مختلفة.

-       القسم الثاني: تكرار اللحن الأول من القسم الأول بكلمات مختلفة، يستعرض المطرب بعدها مقدراته الصوتية ومخيلته اللحنية في التفريد والعرض الصوتي.

-       القسم الثالث: يتبادل فيه المطرب المنفرد مع السنيدة الآهات، صدا وردا.  ويُظهر فيه الملحن والمطرب مقدرة كليهما على الارتجال والإبداع في التفريد الغنائي.

-       الختام:  ويكون بإعادة اللحن الأخير من القسم الأول ويُقفل به الدور.

 

موسيقى الشباب

بعد هذا العرض التعريفي بأبرز الأشكال الآلية والغنائية ومع الأخذ بالاعتبار ما يستمع له اليافعون في العالم العربي من موسيقى اليوم، يمكن القول بأن المشكلة كانت ومازالت مشكلة أجيال (بين جيل قديم وجيل جديد)، وليست مسألة مضمون وثورة.  والدليل على ذلك أن ما كان يستمع له اليافع في زمانه لم يعد يرضى به اليوم، وما كان يعزف عن الاستماعله أصبح مع الزمن والخبرة يستهويه.

وأن يقال مثل هذا الكلام لا يعني بأن قائله بالضرورة ضد الجديد من «الموسيقى» أو ينكر عليه وجوده، إلا أنه من المفيد الحديث والكتابة عنه وعن طريقة صنعه وأدائه ومقاصده في إطار زمني - اجتماعي محدد بهدف المناقشة اليوم ثم التقويم غداً أي بعد أن يكون الإطار الزمني - الاجتماعي قد تغير.

ثقافة الجموع المستهلكة

والسؤال: هل بإمكان الموسيقى الرائجة اليوم الصمود أمام التيارات الموسيقية الأخرى؟ هل هي تطور؟ وهل بإمكانها الحفاظ على كتلها الجماهيرية باعتبارها موسيقى تخاطب الجموع، وتستمع لها الجموع في سياق الجموع ومكان وجود الجموع وبآذان الجموع؟ قد تبدو فكرة «الجموع» غريبة، إلا أن المتتبع لهذه الظاهرة «المجلوبة» أصلا، سيدرك أنها قائمة على ثقافة الجموع المستهلكة، وليس الفرد المستقل.  والمشكلة الخطيرة هنا هي أن الظاهرة الاستماعية الجمعية التي تشهدها الحفلات التي تنظم في الملاعب أو في الساحات العملاقة هذه أوجدتها مجتمعات معينة في ظروف معينة.