خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

انحسار النقد المتخصص في الموسيقى العربية: الأسباب والمعالجات

. مقالات

بقلم:  ســامي نســيم

مدخـل                                  

لو كنا أكثر تجرد وحيادية وعقدنا مقارنة موضوعية بين واقع النقد الموسيقي العربي المتخصص ومستوى تطوره مع الفنون العربية الأخرى وفي مقدمتها الفن الشعري والمسرحي والتشكيلي والسينمائي ، لوجدنا أنفسنا أمام هول صدمة كبيرة على أثر المقارنة من حيث الكثير من النكوص من قبل الناقد الموسيقي المتخصص بالموسيقى عامة والعربية على وجه الخصوص، وذلك لقلة المنجز النقدي وضآلة قيمته الفنية وجدواه على أرض الواقع وضعف مواكبته لركب التطوير في هذا المجال الحيوي والهام، إضافة إلى اقتصار النقد الموسيقي على مؤتمرات الموسيقى وندواتها وليس كونه مشروعا دائما يسير جنبا إلى جنب مع الحالة الموسيقية في أرجاء الوطن العربي والعالم.

ولأهمية النقد والنقاد يجب الوقوف على معوقات العمل ومسببات تدهوره في الوقت الراهن، وكذلك تشخيص السبل لمعالجته وتطويره بشكل علمي معتمدين على الأسس العالمية في هذا المجال.

إن التقدم الحاصل في النقد الموسيقي في العالم وترديه عندنا بمقارنته بالفنون العربية الأخرى كما أسلفنا،يعد ظاهرة خطيرة تعطل مسيرة وتقويم الموسيقى العربية الرصينة،لاسيما وأن النقد الموسيقي التخصصي الملتزم بقضايا الموسيقى ومنهجيتها وثوابتها ومدارسها هو صمام الأمان الأكبر للحد من انتشار هبوط الوعي الموسيقي وعبثيته الحاصلة، وكذلك الوقوف بوجه التردي الموسيقي عن طريق الانجرار وراء الغث والسمين والغريب على جسم الموسيقى العربية، والنقد هو الذي يفتح آفاق تطويرها بما يرتقي بها، عبر تسليط الضوء على منجز أجيال من عباقرة الموسيقى العربية الجادة،الذي حاولت أجيال معاصرة هجينة ضربه عرض الحائط لتنسفه من الجذور عبر سياسة التسطيح والتبسيط والأضواء الخادعة الصورية. ونقصد هنا بالتسطيح والتبسيط سوقية كلام الأغاني وسذاجة اللحن، فلقد أضحى التقدم الحاصل بالأجهزة السمعية والمرئية كارثة وعاصفة تفتك بروح الموسيقى العربية عن طريق الإبهار  بالمؤثر الصوتي و الضوئي والجسدي،عبر القنوات الفضائية التجارية وشبكة الأنترنيت وأجهزة الهاتف المحمولة المتلفزة وغيرها،فما أحوجنا للنقد المتخصص وإلى لنقاد في هذه المرحلة الحرجة من حياة موسيقانا العربية.

 ـ 1ـ

لا بد أذن من وقفة حقيقية لمعرفة المعوقات أمام النقد الموسيقي المتخصص وتذليلها، ليقوم بدوره التربوي والفني وينهض بمهامه الجليلة.  لا سيما وأن تلك التطويرات التقنية لها سلبياتها وإيجابياتها في ذات الوقت. وسنحاول تسليط الضوء عليها في بحثنا النقدي هذا من  مسببات. ومعالجات... وتوصيات .

المسببات

بدءا لعل أبرز المسببات بشكل عام وليس خاصا بالموسيقى تحديدا هو ظاهرة عامة وليست خاصة. وهي الابتعاد والعزوف عن عالم "الكتاب والمطالعة" حيث نتفق جميعا مع الباحثين في هذا المجال على أن عصر المعلوماتية والتقنيات الرقمية وصناعة البرامجيات softwareوالتطوير الحاصل بأجهزة التوصيل يشكل منعطفا كبيرا. لاسيما وأن خزينة وزينة العصور الماضية هو الكتاب الصديق الأقدم للإنسان.  حيث عرفنا أن ظاهرة حمل الكتاب حتى للذي لا يقرأه زينة ومفخرة مقبولة لا بأس بها، تعود عليه بالنظرة المحترمة.وكذلك مكتبات المنازل الكتبية والصوتية فهي ترفع من قدر البيت وقيمته الاعتبارية، والتغيير الحاصل من حولنا أن الحاسوب النقال (laptop) والبث الرقمي(digital broadcasting)والهاتف المحمول التلفزيوني هيبديل للكتاب وزينة الإنسان المعاصر، متباهيا بآخر صيحاتها وتقنياتها.كذلك الاتصال الصوري المباشر مع الآخر عبر هذه الأجهزة الدائمة التطوير تحول دون التواصل مع أفكارهم بالكتب والمقالاتويعد هذا أحد المسببات الرئيسية لتدهور المجال النقدي بنسبة معينة ومؤثرة بشكل كبير،على الموسيقى وكذلك الفنون الأخرى التي أصبحت ذاتية مثل الشعر والرواية والمسرح والسينما.لابد أذن من تطويع هذه التقنيات والبرامجيات للنقد الموسيقي المتخصص المعاصر ليواكب التطوير الجارف من حولنا وتفعيل دور النقد والنقاد ليركبوا الموجة وليس الغرق تحتها وعدم انكفائهم ، لكون لغة العصر وأسباب توصيلها قد اختلفت وتغيرت معالمها وأشكالها تحت وطأة المتغير.فأصبح النفور من طرفي المعادلة واضحا بين الناقد التخصصي والمتلقي، وهو غياب القارئ المتتبع وتوقف وقنوط النقد المتخصص لكونه يرى عمله ضربا من العبث أمام هذه التيارات العارمة، هذا سبب واحد من أسباب أخرى .ومنها الأعمال الموسيقية والغنائية التي لا تخضع لمعايير فنية و علمية بنسبة كبيرة. وبذلك تكون عملية قراءتها نقديا مغامرة خيالـــية... .

ـ 2 ـ

فهـــــذه الأعمال، تبنى وفق أمزجة خاصة لا تعتمد على الأشكـال المتعارف عليها بالموسيقى العربية، بل هي آثار صورية ليزرية ودهشة بهلوانية ليس لها قيمة موسيقية تذكر، وهي بعيدة كل البعد عن أسباب بناء الموسيقى التي تعتمد على الأصول الفنية ذات القيمة الفنية التراثية والتربوية القائمة على أسس علمية. وبذلك فقد النقد الموسيقي التخصصي أهم أسباب وجوده، وهي المتابعة العلمية وتشخيص مواطن الإيجاب والسلب ومكامن الإبداع  والابتكار في العمل الفني، حيث ان الكثير من الأعمال الرديئة ل اتحتاج ناقدا حذقا يشخص أسباب ترديها بل  إن أبسط ذائقة تلفظها وتنفر منها، مما حدا بالناقد الموسيقي إلى أن يعيش حالة من الأاتراب والتشاؤم، ولا يريد أن يقحم نفسه في عالم من المجاملات والدعاية المجانية لأشباه الفنانين. ويظهر في حال تصديه لها بموقف المدافع عن أصول راقية انحسرت من ذاكرة الناس المعاصرين . لو أخذنا على سبيل المثال أن نقد أي عمل موسيقي من التراث الخالد للموسيقيين العرب: محمد عبد الوهاب.. رياض السنباطي..محمد القصبجي..بليغ حمدي..أحمد فؤاد حسن..عبدو داغر..عمر خيرت، وحتى جميل بشير..ناظم الغزالي.. والأخوين رحباني وصباح فخري وقامات موسيقية كبيرة أخرى، لوجدنا أنها كلها تخضع لمنهجية علمية موسيقية مشتركة أساسها تعدد المقامات العربية وتداخلاتها وإيقاعاتها البسيطة والمركبة وابتكاراتها. وكذلك القصائد لشعراء كبار، بحيث أن الأعمال تكون مستوفية لكل شروط العمل الفني الجاد الرصين ،فيجد الناقد مبتغاه بالإشارة إلى قيمة العمل وثرائه من مقدماته إلى نهاياته .ولكن الأعمال الحداثوية غير مبنية على أي تقاليد وأصول فنية حقيقية . فهي خليط من ضجيج وجمل مقتضبة هجينة هندية وتركية ومما لا ندري .. يقف النقد عاجزا أمامها لاتساع مساحة الجهل والتخلف فيها، ولا تستحق أي جهد لقراءتها بنقد متخصص لفقدانها عناصر الفن الموسيقي الأساسية الخاضعة لمدارس وأساليب لحنية راسخة.  ولا يعبر عنها بسوى كونها عملاً رديئاً فاقداً للخواص الفنية.  ونذكر هنا رأيـاً للناقد المتخصص آر.أج ولنسكي حيث يقول: "إن المسؤولية الخاصة بالخدمة التي تقدم للنقد الفني تقع على عاتـق الفنان وليس على الــنقد"، في ظل الصراعات الحضارية والصراعات الحداثوية وغياب المقاييس ونحن أمة تتلقف كل جديد وغريب دون وعي.

ـ 3ـ

وأغلب الثقـــــافات الوافدة، تجد صداها عندنا ونكتشف بعد حين أن المقصود بها لدينا هو غير المقصود به في بيئتها وظروفها التي ولدت بها.. فالنقد الموسيقي العربي المتخصص، والموسيقى الأصيلة تمر بسنوات عجاف . وما هو مطروح على الساحة ليس بمستوى التصدي له نقديا ..واذا كانت هناك شذرات إبداعية من أنشطة موسيقية ذات قيمة إبداعية عالية لم يسلط الناقد الموسيقي مصباحه النقدي عليها  فالأمر عائد للأسباب الأولى التي ذكرناها. ولكون الناقد أصبح  بمنظور عالمي جديد هو منتج عمل فني فيه كل عناصر المتعة الفنية التي تحظى بالمتابعة من متذوقي الموسيقى الجادة، ودوره جهاديا وتربويا ، يكاد يكون موازيا لدور الفنان الملتزم  المنتج .فالناقد الموسيقي المتمرس تربت ذائقته النقدية على منجز فني راقي المستوى يستمد قيمته من أساطين الموسيقى العربية والعالمية ويبني أفكاره وفق تجربته وثقافته التي  نهلت من كنوز فنية ذات قيمة  عالية . ولابد من الإشارة إلى أن الكثير من النقاد أصحاب التجربة الطويلة في مجال النقد الموسيقي المتخصص قد أرسوا مفاهيم نقدية معتبرة لجيل الشباب. ولكن الفجوة كبيرة بين ما هو خلاق ومبدع وما هو يحمل معول الهدم والتدمير لكل ما بناه الرواد من صروح موسيقية يعجز عنها جميع المتحاذقين .فآثروا السهل الفارغ من القيمة الفنية، والذي يعتمد على البهرجة والإعلان الضوئي والصوري،  وأن الموسيقى فن وعلم ولابد من نقد ومعالجة مواضيعها بفن نقدي متطور أيضا. وليس هناك ما هو أجدر بالسخط والنفور مِن توقف مجال حيوي هام مثل النقد وتحميلِه مسؤولية كل ما يحصل على الساحة الموسيقية من تَرَدّ  وتدهور وتبرئة ساحة الأطراف العابثة الأخرى. فالذين يسرقون الآثار القديمة بقصد المتاجرة يحاسبهم القانون أشد حساب. وكذلك العابثون بالممتلكات العامة. ولكن اللذين يشوهون ويضرون بالذوق الموسيقي والفني العام، ويعبثون بتراثنا القومي.. يصفق لهم وينالون التكريم والأموال والشهرة من قنوات فضائية شاركتهم العبث ذاته. فما حيلة الناقد أمام هذه المافيات التي تسيء للذوق الموسيقي و الفني العام.

وهناك مسبب آخر لغياب النقد المتخصص وديموته،  وهو ندرة ذوي الخبرة الموسيقية التي تمارس العملية النقدية من الشباب، فإتها تكاد تكون معدومة في كثير من البلدان العربية؛ ومرد ذلك لقلة الدعم والتشجيع، وعدم التواصل من جيل الرواد في تهيئة قابليات شابة للمستقبل  في مجال النقد الموسيقي، مما خلق فراغا نقديا تخصصيا سيكون له أثر سلبي كبــــير في المستقبل القريب على الموسيقى العربية الجادة.

ـ 4 ـ

وبناء على ما تقدم  يمكننا تلخيص معوقات النقد الموسيقي المتخصص كما يلي :

1. التطوير التقني الحديث بأجهزة التوصيل بكافة أشكالها وابتعاد الإنسان المعاصر عن عالم الكتاب والمقالات.

2. انحسار الأعمال الموسيقية الجادة ذات القيمة النقدية العالية من الناحية الفنية والابتكارية التي تضيف للموسيقى العربية الجديد .

3. دور القنوات الفضائية الكثيرة في التسويق والترويج للأعمال الموسيقية الرديئة بشكل مكثف وضعف أدوات التوصيل النقدي التخصصية .

4. انكفاء النقاد المتخصصين عن ممارسة عملهم وعدم وجود بديل لهم من نقاد شباب مؤهلين بالمعرفة النقدية الشاملة في الموسيقى العربية .

5. قلة الدعم في الصحافة للأعمال النقدية الموسيقية وتهميشها في الغالب من الصحف المتخصصة بالإعلان و السياسة والدعايات التجارية .

المعالجات

بينما تجيء الحداثة البعدية على أرض واضحة لا تطالب بالقطيعة لأن الجديد لم يعد محتاجا إلى الثورة وابتكار ساحة الصراع في كل مكان، فقد ساح الجديد في كل مكان وصار في متناول الجميع، وغدت ديمقراطية الذوق والإبداع المتاحين للجميع، وكسر الفن حدود الأجناس والأنواع بعد أن نزل من عليائه وفارق نخبويته؛ إنه كالهواء يتنفسه إنسان الحضارة الاستهلاكية  وتصير الجمالية مرافقة للأشياء كلها من هندسة البناء وأثاثه والى السيارات والواجهات وشوارع البضائع والألوان والتفنن بطرق المعيشة والتمتع بكل الفنون في كــل مـجال. فالمـوسيقى لاحــدود لألوانها ومراكز عزفها وبثها..

ـ 5 ـ

وغدت الأشياء الجميلة تملأ فراغ الحس والمكان معا. والمتع  لم تعد تقتصر على الميسورين وإقطاعيات الأنظمة القديمة المعرفية والاجتماعية. لقد استطاعت وسائل الإعلام  والاتصال هدم الجدران، والكرة الأرضية أضحت قرية رقمية صغيرة. ولكل حقبة زمنية أزماتها ومشاكلها، والتقدم في مجال ما ربما يأكل من جرف مجال حيوي آخر دون قصد أو بقصد. ومثلما قلنا إن التقدم الحاصل في مجال المعلومات وأجهزة التوصيل المعاصرة  وكوننا أبناء عصر السرعة والأضواء في مجال الصورة والصوت المضغوطين أثر بشكل وآخر على الاسترخاء والتأمل الفكري من ناحية القراءة والإنصات والتحليل، فكذلك نرى أن تطويع اللغة التوصيلية المعاصرة للنقد والقضايا الموسيقية ضرورة ملحة، وذلك عبر تشخيصنا للأسباب والمعالجات، ولكون الموسيقى أحد أهم الثروات القومية لكل شعب في العالم، ومنها الشعب العربي.

يتحتم على النقاد والموسيقيين من مؤلفين وعازفين ومنتجين الالتزام الموضوعي وترسيخ القيم الراقية للموسيقى العربية. وبما أن الانفتاح على حضارات الشعوب هو سيف ذو حدين فإما أن يقتلع فننا الموسيقي من الجذور، وإما أن يكون عنصر تقوية له ويفتح له مقومات نجاح أخرى دون المساس بقيمته التراثية وأصالته.  وفي كلتا الحالتين لابد من دور للناقد الموسيقي والنقد المختص في ترسيم حدود ومعالم المرحلة الموسيقية لتتوقف خسارات متوقعة ومحتملة لموسيقانا العربية. لابد إذن من الإشارة إلى أن هناك الكثير من المواقع الفنية على شبكة الأنترنيت تستحق الدراسة النقدية، لما لها من أثر إعلامي وتوثيقي كبير في الموسيقى العربية ولما تطرح من تجارب نقدية مهمة.  وهناك مواقع ترفيهية تقوم بدور معاكس لها وهي الأكثر. وبذلك يكون على الناقد الموسيقي العربي التسلح بلغة العصر: اللغة الرقمية بالإضافة لطريقته القديمة والتوثيقية .

لعلنا وضعنا في بحثنا الأصبع على الجرح في النقد الموسيقي العربي التخصصي، ولعل مؤتمرات ومهرجانات الموسيقى العربية هي الأكثر نشاطا وتخصصا في إغناء هذا المجال بالجديد من خلال الحث الجاد والمستمر لتفعيل دوره في المؤسسات الموسيقية إدراكا منها لقيمته الحضارية وأهمية الانتقال به إلى جدل مستفيض داعم لكل ما هو مثري يعود بالنفع لتطوير موسيقانا وبحوثها ومعالجاتها.

ـ 6 ـ

لقد سعت المؤتمرات منذ بداية انعقادها إلى التأكيد على هذا المجال الحيوي وأفردت له بحوثا قيمة وجلسات عقدتها لتطوير العملية النقــــــدية للموسيقى العربية، سعيا منها للوصول إلى غاية  أدركت مبكرا أهميتها بتقويم الطرح الفني الجاد للفن الموسيقي الملتزم بقضايا أمته . ونورد هنا قول الموسيقي الراحل منير بشير: "إن لقاءات المجمع العربي للموسيقى ..ليست مناسبات تعارف ومجاملة، ومآدب أنس وحفلات طرب..إنها مواعيد ثابتة، محددة مسبقا ومنظمة، وجداول أعمال وتبادل للرأي والخبرة وبحث ونقاش في قضايا جوهرية وجادة تتصل بالموسيقى والتربية الموسيقية والتراث والحركة الموسيقية وتطورها وسبل النهوض بها دونما تفريط بهويتها وأصالتها".  ومن هذه المحاور يأتي النقد المتخصص في أولوياتها. لــذا وعلى ضوء ما تقدم نقترح التوصيات الآتية:

1. تكثيف دور النقد الموسيقي الأكاديمي وليس الدعائي والإعلاني من خلال برامج على القنوات الفضائية والصحافة والكتب.

2. تفعيل مواقع وصفحات خاصة للنقد الموسيقي على شبكة الانترنيت، وتقوية دورها التوجيهي للشباب والمحترفين .

3. رصد جوائز وشهادات للأعمال النقدية الموسيقية التخصصية المتميزة والحث على تحفيزها بطباعتها وتوزيعها .

4. تكريم رواد النقد الموسيقي المتخصص اللذين ساهموا في تطوير النقد الموسيقي العربي .

5. إلزام المؤسسات الفنية والثقافية التابعة للدولة وكذا المدارس والمعاهد والكليات الموسيقية بالأخذ بمناهج النقد وتوجيهات النقاد الموسيقيين لخلق جيل ملتزم بتراث أمته الأصيل .

    إننا أمام متغير كبير وتقاطع طرق والتباس شديد بين ذائقة سمعية انحرفت عن مساراتها الأصيلة وأنساق وراءها جمع من مريديها غير المدركين لخوائها..والناقد المتخصص ورث عبئا كبيرا ينوء به لشدة سلبيته وصعوبة معالجته وكارثية تركه، يستشري ليخمد آخر أنفاس الفن  الموسيقي العربي الحقيقي. 

ـ 7 ـ

     انحسر الموشح منذ حقب وانـــزوى في ركن الرعاية المركزة بدار الأوبرا والنادر من المراكز الثقافية والدراسية ، واستسلمت القصيدة الغنائية الطويلة بكل هيبتها الشعرية واللحنية أمام الأغاني المقزمة لحنا وكلاما سطحيا؛ وهكذا استفقنا على إيقاعات غريبة وأنغام مبتورة ليس لها رائحة وطعم المناخ العربي بل هي أنغام ترتــدي "الجينز" وهاربة على ظهر دراجة بخارية نسمع صوتها مخلوطا مع نغماتها في عالم "الفيديو كليب". وما بقي للنقد والنقاد سوى الحسرات على القامات الكبيرة للموسيقى العربية وعمق تجاربها وأهمية القيمة الفنية المكنونة بمنجزها في متحف ذاكرة الخلود. هل يستطيع النقد تغيير ما لا يغير؟. والحياة أخذت شكلا آخر لها، محسوبا وغير محسوب؛ وهل تطلب من الفنان المعاصر أن يعيش بعصر غير عصره وزمان غير زمانه؟ طلب صعب ومعادلة صعبة ..كيف لا. وأولادنا خلقوا لزمان غير زماننا ..وليس من خياراتنا أن نعيد زمانا نطلق عليه نحن "ذهبيا" و "أغاني الزمن الجميل"؛ وهذا من وجهة نظرنا وليس من وجهة نظرهم التي لا نقدرها لسطحيتها. وهم يعيشون زمن التسطيح والشرود. هل الفنان مرآة عصره، وتتطابق هذه الأطروحة مع ما يحصل حولنا؟هل عبر الفنانون الرواد عن عصرهم  حقيقة، واتبعوا الأصيل مما ورثوه من أجدادهم، وتمت القطيعة مع الجيل الحالي. ليقول كلمته التي هي غير كلمتنا وإن لم تعجبنا؟ وطبعا تراجع النقد المتخصص ولم يتعد أطاريح الطلبة في الدراسات المتقدمة لنيل الشهادات دون ممارسة عملية له فيما بعد.

إن المعطيات الجديدة تدق ناقوس خطر داهم بغرس آخر المسامير في نعش الموسيقى العربية الرصينة حيث أن التراجع أصبح جليا في تحديث وتفعيل المدارس النقدية التخصصية للأسباب آنفة الذكر، ونستشهد بقول للقائد الموسيقي سليم سحاب: "إن أجيالا من الشباب العربي تنقطع صلتها تدريجيا بالموسيقى العربية، وإن بعض هذه الأجيال يؤدي بها هذا الانقطاع إلى البحث عن المتعة الوجدانية والروحية خارج إطارات شخصيته الحضارية الطبيعية. لقد وصلنا في هذا المجال إلى الخط الدفاعي الأخير. وفي المجال الثقافي والموسيقي بالذات فإنني  أرى، كما في المجالات الأخرى، أن اخطر حلفاء الغزو الثقافي من الخارج هو التبعية الثقافية من الداخل التي تتضافر فيها عقد النقص أمام الأجنبي مع ظروف التخلف الداخلي حتى يصل الأمر إلى حد قد لا تعود معه القوة الخارجية بحاجة إلى أي مجهود إضافي لفرض سيطرتها الثقافية، بل تكتفي في مرحلة ما بالتبعية الثقافية التـــي تكون دائرتها قد أحكم إغلاقها تماماً".

ـ 8 ـ

 وفي ظل غياب النقد الموسيقي المتخصص يصبح هذا الكلام واقعا ملموسا سوف يفرض مفاهيمه وأفكاره بصورة تدريجية وربما سريعة كما يحصل الآن من  غزو موسيقى وافدة مثل: "الراب" و"الفرانكو اراب" و"العود اللاتيني" و"البوب".  إننا في عصر الانتقائية (eclecticism) أي التمتع بالقائمة المطروحة بلا حدود.  ولكي نكون منصفين في طرحنا فإن التقدم الحاصل في البرامجيات من صوتيات وطرق توصيل موسيقية عبر الانترنيت لكل العالم وبكل الظروف له إيجابيات ومنافع مادام الانتشار والتعريف بموسيقانا وثقافتنا هو في صلب العملية الموسيقية كلغة شعور إنسانية تقوي روابط التعايش والسلام، وتنبذ العنف والحروب. ولكن تحدثنا عن الجانب السلبي وذلك لمواجهته وإدراك المفيد منه لتشكيل وعينا الموسيقي، وكما يقول غاندي: "أفتح جميع نوافذ بيتي على كل ثقافات العالم ولكن لا أترك لأي منها أن تقتلعني من جذوري" .. فنحن كموسيقيين عرب ونقاد متخصصين وجمهور أصبحنا أمام اتساع بالخيارات والاطلاعات المفتوحة على الجديد العالمي من موسيقى معاصرة وابتكارات فور صدورها من منشئها الأم .ولكن يجب توفير الإمكانيات الذاتية لاحتواء مراميها سواء كانت سلبية أم إيجابية . ولا يوجد موسيقي عربي جاد ومحصن بتراث أمته تغويه الصراعات الجديدة مبتعدا عن أصالته وعمقه الحضاري المتغلغل بوجدانه وروحه دون إرادة منه. ويتحتم على الحكومات متمثلة بوزارات ثقافتها وقنواتها الإعلامية دعم الموسيقي الملتزم والناقد المتخصص ليرفد الساحة الموسيقية بكل تطوير ودعم للوعي الفني الثقافي العام. ومثال لذلك أن أغاني وموسيقى هجينة ظهرت بالسنوات العشر الأخيرة، قد صدأت وذهبت أدراج الرياح لرداءة معدنها وصياغتها المقلدة بشكل أعمى للموسيقى الوافدة. وهذا ما بشر به جميع النقاد المتخصصين حينما أعلنوا أن هذه الأعمال فقاعات وسراب سرعان ما تتلاشى. وحتى القائمون عليها من ملحنين ومغنين قد أدركوا خواءها مبكرا بالرغم من انتشارها الوقتي المحدود، فهي قد ولدت  خالية من روح المبدع العربي وممسوخة الهوية.  لذا يجب تفعيل دور النقد الموسيقي المتخصص ورعايته ليأخذ دوره في الحياة الموسيقية العربية من جديد عبر منابر وطرق توصيل معاصرة،  وبمستوى يتلاءم  وقيمتَه الفنية التي تؤكد هوية الموسيقى العربية، ويتناسب مع ما هو مطروح عالميا، وبذلك يكون النقد المتخصص قد أصبح منجزا وعملا فنيا راسخا.

 ـ 9 ـ

النقد الموسيقي المتخصص وايجابيات وسلبيات العولمة:

إذا كانت العولمة من وجهة نظر اقتصادية وسياسية هي سيطرة الحيتان الكبيرة في السوق والفكر أيضا، فإنها بالوقت ذاته أكثر اعتدلا مع الموسيقى لكون عولمة الموسيقى قد سبقت هذا المفهوم بقرون ولو أنها أي العولمة وثورتها المعلوماتية تسعى لتكون بمتناول الجميع؛ فهذا سبيل كل الثقافات ومسعى قديم لها ومنها الموسيقى، أي تحقيق حضور معرفي لدى الإنسان الآخر في الركن القصي من العالم عبر الكتاب أو الأسطوانة أو شريط الكاسيت أو عبر CDوDVDلاحقا أو عبر شبكة الأنترنيت وجميع أجهزة الاتصال، وهي إحدى إيجابيات العولمة وآلياتها التي تقدم خدماتها بصورة متساوية للجميع دون استثناء للأصدقاء والأعداء. فالجميع شركاء في أدق المعلومات التي تخدم تطوير المناهج والدراسات بكل أنواعها، وهم مدعوون للمشاركة بالنقد والتحليل واللإضافة أو الاكتفاء بالاطلاع . وكذلك توفر سهولة انتشار الموسيقى ونوتاتها رقميا ..وتحميل الموسيقى من أي بقعة في العالم شرقية وغربية.

ولكن هناك سلبيات يشق التغلب عليها، ومنها ضياع حقوق المؤلف والمؤدي التي يصعب السيطرة عليها؛ وحتى التدخل بتوزيع الأعمال الموسيقية وتغيير ثيمتها وإعادة صياغتها يكون متاحا للآخرين مما يفقدها كينونتها وهويتها الأصلية . في حين يرى البعض أن هذا إنما هو تلاقح للأفكار بين الشعوب والأفراد حيث يقول سايمون ماندي الكاتب الأنكليزي في كتابه "الموسيقى والعولمة" حول النقد الموسيقي وبترجمة د.سمحة الخولى: "الموسيقى الوحيدة التي تسوء سمعتها هي التي يراها النقد غير وافية بغرضها؛ وسوف يصبح الذوق هو معيار الحكم وليس المكانة الاجتماعية ولا الموضة السياسية فان الديمقراطية للتعبير الموسيقي يجب أن تكون تحسينا له مذاق محسوس للموقف".  إن عين وسمع الناقد المتخصص معيار حقيقي  دائما ينحاز بشكل طوعي للإبداع ويقف معه ضد كل أشكال التردي وصناعة الهبوط في الوعي الثقافي والحضاري. ولابد من مواكبة للأكاديمين في هذا المجال الهام ليأخذوا دورهم بالنقد المتخصص لاسيما وأنهم تركوا الساحة لغير المتخصص والدعائي  في الصحف ليأخذ مكانهم بطرق ملتوية أحد أهم أسبابها غياب النقد المتخصص.

وما يطرحه مؤتمر الموسيقى العربية كل عام هو نوع آخر من الالتزام المبدئي والثابت تجاه هذا العنصر القيم لموسيقانا العربية؛ والدعوة إلى أغنائه بكل جديد ونير خدمة للأجيال التي هدفها حماية تراث الأجداد من التقهقر والاندثار أمام موجات التخلف الجديدة أو الغزو الثقافي المقصودة أو غير المقصودة .