ما لا أحبه في مؤلفات موزارت (بتصرف)*

. قرات لك

                                                                        عبد العزيز ابن عبد الجليل

في هذا العنوان الذي يصدم كثيرا من القراء ما  يصدمني ـ إلى حد ما ـ أنا أيضا. وإن أنا أخذت في تبرير هذا الموقف wفذلك كي أوقف عاصفة الاحتجاجات بقدر ما أرغب في التخفيف من تردداتي.

نحن اليوم في كانون الثاني (يناير) 1956، وقد مضى على ولادة موزارت قرنان من الزمان؛ وفي هذه المناسبة وجدت الفرصة المواتية للخوض في هذا الموضوع. ومع ذلك فليس القصد إلى الانتقاص من القيمة الفنية لأعمال موزارت، ولا إلى انتقاد هذا العمل أو ذاك من أعماله، بل إن الأمر يتعلق في هذه الدراسة الموجزة بتجاوزات ارتكبتها طائفة عريضة من الجمهور ومن المتخصصين بخصوص صنف من مؤلفات موزارت، وهي تجاوزات يتحمل عواقبها بالدرجة الأولى من أسميتهم "المتخصصين".

وعندما يتعلق الأمر مستقبلا بذكر ما لا أحب من أعمال بتهوفَن أو شومان على سبيل المثال، فسيكون في وسعي أن أنتقل إلى مرحلة أكثر دقة في نقد هذا العمل  أو ذاك، لهذا المؤلف أو ذاك، بل وحتى للخصوصيات المميزة للأسلوب، وتقنيات الكتابة الموسيقية التي تبرز في مجمل أعمال المؤلف، وحتى في أكثرها شهرة.

وبالعودة إلى مؤلفات موزارت، أجدني حتما غير قادر على أن أكشف عما قد يمس بالقيمة التقنية أو التعبيرية في كل صفحة من صفحاتها، مثلما أجدني عاجزا عن المفاضلة بينها، ولاسيما منها ما كتبه في السنوات العشر أو الاثنتي عشرة الأخيرة من عمره.

ولعل في هذه العبارة الأخيرة ما يمنح القارئ مفتاح الاهتداء إلى مؤاخذاتي، ليس على موزارت بذاته،  ولكن على فئة من "المداحين" ولاسيما منهم  المندفعين الذين يسيئون إليه  من حيث لا يدرون. ومن المؤكد أن لهؤلاء أعذارهم التي يجدونها في الغموض التام الذي  اكتنف أعمال موزارت على مدى فترة طويلة من الزمن استغرقت معظم القرن التاسع عشر والجزء الأكبر من القرن العشرين.

وباستثناءات نادرة، لم تشق الرومانسية طريقها إلى موزارت، ولم تكن ترى فيه غير موسيقي من زمن مضى إلى الأبد ينتمي إلى  فترة الكتابة المشحونة بالزخارف التي سبقت مباشرة إرهاصات الثورة الفرنسية وولادة عالم جديد. وقد ظل موزارت بالنسبة للعقلية الرومانسية ذلك الموسيقي صاحب الشعر المستعار، فيما ظلت عبقريته بعيدة عن أن يتجادل فيها اثنان، هذه العبقرية التي تعترضها سلسلة من الأعراف كانت ما تزال حتى عهده قائمة.

وقد آن لسوء الفهم السخيف أن ينتهي بشكل طبيعي يوم انهارت الرومانسية الموسيقية ذاتها، وانفجرت بعض مفاهيمها، وحينئذ أدركنا عمق عبقرية موزارت وقوة إنسانيتها وسمو قيمة رسالتها. وقد كان هذا التحول من الأهمية بمكان بالنسبة لروائع المسرح الغنائي عند موزارت، فقد أدركنا لِلتَّوّ من خلال شخوصه الدرامية كيف تضفي موسيقاه على الإبداعات الشعرية حُللا من القوة والتنوع، مثلما استشعرنا متعة الاستماع للنبضات المختلجة عبر مؤلفاته السمفونية وموسيقى الصالونات.

في هذا الظرف بالذات، والذي شهد تطور العقلية العامة نحو موزارت، تأتي مجازفات من أسميتهم  قبل "المداحين"،  وهي مجازفات ترتبط بحدث تاريخي لا سبيل إلى الجدل حول واقعيته، وهو "أن موزارت كان طفلا معجزة"، وأنه ـ دون ريب ـ الأكبر عبقرية من بين سائر الأطفال العباقرة على مدى تاريخ الموسيقى.  والواقع المؤلم أننا لم نعد اليوم نعجب من ظهور أطفال خوارق في مجال العزف على الكمان أو على البيانو، فكثير هم الأطفال الذكور والإناث الذين برعوا في أداء أعمال بيتهوفَن أو ليست، أصبحوا ـ بكل أسف ـ يشكلون ظاهرة في الحياة الموسيقية؛ ومن نماذج هؤلاء أطفال يقودون الأوركسترا، وتقف من ورائهم حركة متدفقة من الدعاية والتشجيع، ومنافع غير معلن عنها في الغالب.  أما في مجال التأليف فقد تضاءلت  اليوم  ظاهرة الطفل المعجزة.

ومن الأكيد أن حالة موزارت ـ هي أيضا ـ لم تخل من الدعاية والمنافع المادية، إذ لولا والده ليوبولد موزارت، لما تأتى له أن يسيح في  حواضر البلاد الأوروبية، وهو ما يزال في سن السادسة من عمره.  بل إن المساعي الاستغلالية لهذا الوالد الذي أغرته المنفعة المادية هي ذاتها التي ستفضي إلى أن تفقد البشرية موزارت إلى الأبد بسبب ما ناله من التعب والإنهاك، ولمّا يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، وهي سنوات لم يبلغ قمة المجد إلا في العشر الأواخر منها.  

ولأن موزارت رحل عن الدنيا باكرا فلن يكون في مقدور أحد أن يعيد إلينا ما كان يختزنه من روائع، وحتى أولئك الذين انكبوا ـ بدافع من تقليد والد موزارت ودون شعور منهم ـ على كل ما كتبه من أعمال في طفولته وشبابه معلنين أنها في درجة من السمو والعبقرية تضاهي روائعه الخالدة: كوزي فان توت، والناي السحري، وسمفونياته الثلاث الأخيرة. والحق أنهم يعبرون بشكل عابث عن مواطن ضعفه.

وتكمن نبتة الشر في فهرس كوشيل Koechel  الذي يصنف تحت رقم (1) أحد موتيات موزارت كتبه وهو في سن الرابعة في سياق إعجاب حاشيته، زاعما أنه أودع فيه كل عبقرية الطفل والمراهق. ومن البديهي والواضح بالنسبة لأي شخص يملك سمعا سليما وحكما قويما أن يكون ما كتبه موزارت في سن السادسة وحتى الرابع عشرة دون الروائع التي أبدعها في مرحلة النضج من عمره. وعلة هذا أن موزارت الطفل والمراهق كان خاضعا لروح التقليد، مثلما أنه ـ سواء كان عبقريا أم لاـ تحمل خلال فترة تعلمه نفس ما يتحمله المؤلفون من ألوان التأثير.  وإن من المدهش حقا أن يؤلف موزارت "كانتاتا" وهو في سن الثانية عشرة، غير أن إدراجها ضمن برنامج سالزبورغ لهذا العام (1956) ما كان ليزيد من قيمتها الفنية، فهي لا تعدو أن تكون عمل تلميذ مجتهد، ومن ثم فالأولى بها أن تكون في المكتبات، وليس في العروض الموسيقية الحية.

ومجمل القول فإن "مداحي" موزارت يسيئون أكثر مما يحسنون إليه، ومن المؤسف أن يضيع منا "موزارت الصغير"، والفنان اللطيف، المتوقد الذهن، هذا الذي لم يعش بعد حياته كرجل.

*        Antoine Goléa: revue  Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris,        22, janvier 1956, pp .  10-12.

سيبيليوس وسمفونياته السبع ـ 1 ـ (*) بتصرف

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

عاش جان سيبيليوس (Jean  Sibelius) منعزلا في بيته التائه وسط غابة فنلندا، كما عاش منعزلا وسط موسيقى عصره.  وتشكل سمفونياته السبع كتلة غريبة وغامضة في خضم إنتاج موسيقي معاصر لها؛ وقد اختار لها أن تشق طريقها الخاص في رومانسية صارمة تنتهي في نهاية المطاف عند فن كامل التجرد.  ودونما أي اهتمام بما يحيط به، فهو يغور في أعماق نفسه، غير عابئ بالوقت الذي سيصل فيه صوته إلى قلوب الناس. أما إنتاجه فهو باستمرار في تقدم مطرد، يزداد عمقا، بل وزهدا؛ إنه يشق طريقه نحو الاكتمال، متمثلا بمقولة أفلوطين: "إنه ينحت تمثاله بيده".    

ولد سيبيليوس سنة 1865 من أب طبيب وموسيقي. ومنذ طفولته الأولى ظهرت ميوله الفطرية نحو الموسيقى مع نزوع قوي نحو الأسلوب الجرماني، مما سيحفزه ـ فيما بعد ـ على شد الرحال إلى برلين وفيينا للدراسة قبل أن يسقر بمدينة هلسنكي بدءا من عام 1891 وعمره 26 سنة.

انضم سيبيليوس إلى ثلة من مثقفي فنلندا وهي يومئذ تعيش أبهى فترات نهضتها، وفي أجواء من الحماس الشعبي كتب "كانتاتا" وأربعة "أساطير" من بينها "بجعة تيونيلا" (The Swan of  (Tuonela) و"وادي الموت” (Kuolema)، فلقيت هذه الأعمال الترحيب، وحظي صاحبها بلقب "موسيقي وطن فنلندا".

عندما كتب سيبيليوس سمفونيته الأولى "العاصفة والاندفاع" كان صيته منتشرا بين جمهور معجب بعبقريته. فأي تعريف يمكن أن نعطيه لهذه السمفونية التي كتبها بعيدا عن أبطال ملحمة "كالفَالا" (Kalevala) الشعبية كيما يعبر عن قلقه الباطني؟  لقد جاءت الحركة الأولى بقوتها وعنفها لتكشف عن مؤلف متمكن من الكتابة السمفونية، وذلك من خلال المؤثرات الفنية المتمثلة في "ارتعاشات" الأوتار، وجعجعة الهوائيات، وهدير "الطبول"، هذه المؤثرات التي ترسم لوحة مثيرة للإعجاب لا يسع العواصف الرومانسية أن تحد من تأثيرها. لقد أصبح  سيبيليوس منذ هذه الفترة يمتلك أسلوبا بلغ من الوحدة والتجانس ما يمنحه القوة والمتانة. ومن وراء تنوع الخطاب وتدخل المؤثرات الصوتية التي تشكل واحدا من أبرز عناصر لغته، تسود إرادة ملحة تمسك بسائر خيوط الدراما؛ ومنذ هذه اللحظة تتبدى روعة التوزيع الذي وإن كان في الظاهر كليا فهو في الحقيقة مؤسس على نغمات صافية يصحبها إحساس حاد من التناقضات. 

أما الحركات الثلاث الباقية فهي ذات أهمية أدنى بالمقارنة مع الحركة الأولى، كما أنها موسومة بطابع تشايكوفسكي. 

كتب سيبيليوس سمفونيته الثانية  خلال سنتي 190‍1 و 1902على مقام ري الكبير. وفيما جاءت السمفونية الأولى قي سياق تاريخي طبعه الحماس الشعبي، فقد كتبت الثانية في ظروف مغايرة عرفت إقدام القيصر نيكولا الثاني الدوق الأكبر لفنلندا على إلغاء الحريات التقليدية للشعب الفنلندي، ومن ثم كان الحفل الذي قدم فيه سيبيليوس عمله مناسبة لانفجار وطني وضعه في طليعة دعاة الثورة والتمرد. وبالفعل، لم تمض إلا شهور قليلة حتى أقدم على كتابة رائعته "فنلنديا" التي سيصبح لحنها هو ذاته لحن "النشيد الوطني" لدولة فنلندا.

ألف سيبيليوس سمفونيته الثانية في مدينة "رابّالو" الإيطالية حيث أقام فترة بعد جولة فنية رفقة أوركسترا هلسنكي عبر السويد وهولاندا وبلجيكا وباريس وبرلين، وشاء لها أن تكون مرآة تعكس صراعاته وأفراحه وأمانيه. ويتجلى تأثير تشايكوفَسكي عميقا في حركة "الأليغرو" الافتتاحية، إلا أنه ينعكس على الجانب الآلي، وأحيانا على الإيقاع الراقص للتيمات أكثر مما ينعكس على بنية السمفونية وغنائيتها.  ها هنا يحس المستمع بالعذوبة، كما يحس بنوع من السعادة عز أن نجد لها نظيرا في أعمال تشايكوفَسكي نفسه. إنه "فلكلور خيالي" يرقص في ذاكرة المؤلف الموسيقي كمقدمة تمهد للـ "آندانت" المعتدلة التي هي حركة السمفونية الأساسية، والتي تتشابك فيها الرؤى الجنائزية والشاعرية في تطور رائع فياض حيث تبدو الفرحة الرعوية جريحة يستعصي التئام جرحها بسبب ما آل إليه مصير الوطن.  

ها هنا تنبعث من جديد روح "العاصفة والاندفاع"، وسيكون من دواعي انتصار الوعي الوطني الفنلندي أن نجد أنفسنا ـ دونما ريب ـ مدعوين للاندفاع تحت تأثير حركة "السكيرزو" الختامية حيث يهيمن  ـ للمرة الأخيرة ـ أسلوب تشايكوفَسكي المثقل بآلات النفخ وجلال الألحان.

تسجل السمفونية الثالثة التي كتبها سيبيليوس بين عامي 1904 و1907 في مقام دو الكبير قطيعة في أسلوبه كما في حياته، حيث لم يعد صخب المدن ولا الأسفار يناسب مزاجه.  لذلك قرر أن يغادر مدينة هلسنكي وأن يستقر في ريف "جارفينيا" حيث ابتنى بيتا أطلق عليه اسم زوجته "آينولا". وقد وجد في هذا البيت راحته. وفي هذا الصدد كتب يقول: كان من الضروري أن أترك هلسنكي لأن فني أصبح في حاجة إلى آفاق جديدة بعد أن غدوت غير قادر على التأليف.

في هذه الأجواء ألف سيبيليوس سمفونية ثالثة أسماها "سمفونية الشمال الرعوية"، وهي في الواقع عمل شاعري يضاهي عمل ييتهوفَن، وهي أيضا عمل تأملي شارد.  كل شيء فيها بهجة وشعر وغناء، وإيقاعات شعبية، وألحان رشيقة ثَمِلة. لقد تحرر سيبيليوس من عبء الإرث الرومانسي، فخفتت أصوات الأبواق، وعادت الوتريات إلى طبيعتها الكلاسيكية، مثلما استرجعت الألحان بساطتها وتم الحد من انسياباتها.  بل لقد أصبح في الإمكان تلمس مؤشرات التغيير التي ستضفي جمالها على السمفونية الرابعة، ثم في مدى أبعد على السمفونية السادسة.

لكن، دعونا نتوقف عند "الأندانتينو"، إنها وردة برية، ورائعة ومفعمة بالحنان. إنها رقصة حوريات كتلك التي نجدها في مؤلفات "سميتانا" أو "دفَورجاك".

للحديث بقية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(*)  Jacques Lonchampt: - Revue  Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris, n 19 PP 14 – 16.

أي موقف للشباب من الموسيقى المعاصرة (*) (بتصرف)

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

على مدى فترة استمرت طيلة سنتي 1954 و1955 كنت أقدم للشبيبة الموسيقية الباريسية حلقات متتالية حول الموسيقى الحديثة اخترت لها ثلة من المؤلفين الموسيقيين المعاصرين ممن يجسدون اتجاهات متنوعة ودالة، هم طوني أوبان(Tony Aubin) ، وهنري دوتييو (Henri Dutilleux)، وآندريه جوليفَيه (André Jolivet)، وفرنسيس بولنك (Francis Poulenc)، وسيرج نيغ (Serge Nigg)، وآرثر هونيغير (Arthur Honegger).  وكنت أخص كل واحد من هؤلاء بحلقة مستقلة يًسمع خلالها عمله قبل أن يتناوله هو نفسه بالتحليل. فإذا انتهى كان عليه إجابة أسئلة واستفسارات المستمعين قبل أن تختم الحلقة بالعودة ثانية إلى سماع عمله الموسيقي.

كانت هذه الطريقة مفيدة للغاية لأنها أتاحت للمستمعين فرصة التواصل المباشر مع العمل الموسيقي ومع صاحبه في الوقت نفسه.  فما هي الخلاصات التي استفدتها من هذه التجربة؟

  1. يسجل في البدء أن أكثر الأعمال قبولا هي الأقل جرأة في الكتابة الموسيقية،  فهناك موسيقى حديثة، وموسيقى حديثة، غير أن مصطلح الحداثة الذي كثيرا ما يستعمل بشكل عشوائي لا يعني بالضرورة الإبداع الأصيل، وإنما يكفي أن يطلق على العمل المعاصر؛ فلقد شهد عصرنا نشوء أعمال جد متطورة وأخرى عادية، وإذا كان كل من ميسيان   (Messiaen) ودوروفلي (Duruflé) على وشك أن يصطفا إلى جانب المؤلفين المعاصرين، فإن أولهما يبدو أكثر ميلا إلى التجديد في حين لم يصنع الثاني أكثر من تمديد التعبيرات الجمالية للمؤلف الموسيقي الفرنسي غابريل فوريه (Gabriel  Fauré).

ونعود إلى ما كنا بصدده، فنسجل أن "رقصة الموتى" (La Danse des morts) رائعة آرثر هونيغر (Arthur Honegger ) وبّول كلوديل (Paul Claudel) حظيت بالرتبة الأولى لدى جمهور المستمعين، أما الرتبة الثانية فقد تقاسمتها "ستابات ماتير (أي معااناة مريم العذراء عند الصليب)"Mater)  (Stabat لـ بولنك، و"السمفونية الرومانسية" (Sinfonie “Romantique”) لـ طوني أوبان، و"كونشيرتو" (Concerto) سيرج نيغ، فيما كانت "سوناتة" (Sonata) دوتييو، و"كونشيرتو آلة مارتينو  والأوركسترا" (Concerto for ondes Martenot and orchestra) لـ جوليفَيه مثار نقاش بلغ درجة من الحدة  بين الأنصار والمعارضين. وفي اعتقادي أن مثل هذا "الترتيب" حري بأن يحظى بقبول مستمعين أكثر معرفة وحنكة، طالما أنه يعطي الأولوية للتعبير على الاجتهاد.

  1. كان التحليل الموضوعي مثار نقاش ساخن بين المستمعين، بحيث وفر لبعضهم فرصة للاستفادة، وضاعف من قدرات التركيز والاهتمام لآخرين، بينما كان غير ذي جدوى بالنسبة لعدد غير قليل.  هكذا توالت آراؤهم وفق قاعدة التعارض بين الأضداد. فمن قائل: كم أنا آسف على ما بذلته من جهد في التحليل من أجل لحظة سماع عادية؛ ومن قائل: لست قادرا ولا راغبا في أن أعلل انطباعاتي؛ ومن قائل: الأعمال الجيدة عصية على الفهم، وعلى التقييم مهما بلغ عمقهما، والواقع أن المؤلف مهما حاول الإفصاح عن نواياه فلن يلامس الحقيقة إلا نادرا.

قد نقضي بتفاهة هذا الرأي لولا أننا نجد عند فولتير (Voltaire) ما يؤكد وجاهته، إذ يقول: كل إبداع فني نابع من الغريزة، وهكذا فقد كان بيار كورنيي (Pierre Corneille) وهو يبدع مسرحية هوراس وكورياس (Horace - Horati and Curiati) كمثل الطائر الذي يصنع عشه.

  1. لا وجود ـ طبعا ـ لأي منطق يبرر اختلاف الآراء، فإن ذلك من طبيعة الناس، ومن ثم لم  يكن غريبا أن تكون سوناتة "دوتييُّو" موضع ثلاثة أحكام متباينة، يقول أولها: "في إمكاني أن أواصل الاستماع لهذه السوناتة حتى الصباح؛" أما الثاني فعنده أنها "غرور، ومجانية مطلقة؛" وأما الثالث فيقول: "لا ريب أن في هذا العمل عبقرية في الكتابة الموسيقية، غير أنني لا أجد فيه أثرا للشاعرية."     

 ________________

 

(*) Bernard Gavoty - Revue  Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris, n 19, pp 2-5.

الجغرافية الموسيقية

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

 

من الأحداث الفنية الغريبة والطريفة التي شهدتها سنة 1961 صدور مخطوطة "الجغرافية الموسيقية" للمؤلف الموسيقي جورج فيليب تيليمان Georg Philipp Telemann في طبعة جديدة من طرف مطابع مُووْسوليرْ وُولْفينْبوتِل وبعناية أدولف هولفمان Adolf Holffmann بعد أن ظلت لفترة طويلة في حكم الآثار الموسيقية الضائعة منذ أن نشرتها أول مرة مكتبة أسقفية هيلديشايم سنة 1708.

ويعتبر تيليمان من مشهوري المؤلفين الألمان في القرن الثامن عشر وأغزرهم إنتاجا، عاصر كلا من يوهان سيباستيان باخ وجورج فريديرك هاندل، وكان صديقا لهما؛ ويعتبر إنتاجه الموسيقي من الغزارة بدرجة كبيرة حتى عد له من المؤلفات ما قارب الستمائة من بينها 40 أوبرا، و600 افتتاحية وعدد كبير من السوناتات والرباعيات ومن المتتاليات المكتوبة للأوركسترا. تعلم العزف على الكمان والفلوت والكلافَسان، ومارس الكتابة في سائر القوالب الموسيقية السائدة على عهده، وتميزت أعماله بأصالة مؤثراتها الهارمونية، كما شكلت صلة وصل بين حركة الباروك والأسلوب الكلاسيكي، وتركت بصماتها واضحة في موسيقى النصف الأول من القرن الثامن عشر. وقد توفي في هامبورغ عام 1767.

ألف تيليمان "الجغرافية الموسيقية" بطلب من المربي كريستوف ليسيوس Christoph Lisius مدير كوليج آندريانوم بمدينة ميلْديشايمْ.  وكان كريستوف هذا قد كتب مجموعا من النصوص هي عبارة عن دروس في الجغرافية مشحونة بمصطلحات وأسماء جغرافية شق على التلاميذ حفظها. فلما لحنها تيليمان تحولت إلى ترانيم أصبح غناؤها من دواعي سرور الأطفال المتعلمين.

تحتوي "الجغرافية الموسيقية" على ست وثلاثين أغنية، من بينها أربع وثلاثون تتعلق موضوعاتها بوصف القارات الخمس، تضاف إليها أغنيتان أخريان إحداهما كمقدمة والأخرى كخاتمة.

وتكمن أهمية هذه المغناة في أنها تبرهن على ما للموسيقى من دور في تيسير الحفظ على  المتعلمين. وهي بمثابة تجربة سبق أن لجأ كثير من المربين إلى ركوبها بهدف تحلية النصوص بالألحان، ولاسيما ما كان منها نثرا مرسلا لا تحكمه البحور الشعرية. ولعل من أقرب الأمثلة على هذا شيوع التغني بالألفباء في الكتاتيب القرآنية بمختلف البلدان الإسلامية، تيسيرا لحفظها بالنسبة للأطفال في مرحلة تعليمهم الأولى.

وقد أدرك كبار المؤلفين الموسيقيين أنفسهم نجاعة هذه الطريقة في التعليم فتفننوا في تلحين الألفباء، ومن هؤلاء المؤلف الموسيقي ولفغانغ أماديوس موزارت الذي أبدع في تلحين أبجدية الحروف اللاتينية، وتكرر تردادها من طرف المجموعات الصوتية في أكثر من بلاد ومن محفل.       

الكرة الأرضية من وحي "الجغرافية الموسيقية"

Résultat de recherche d'images pour "telemann georg philipp - GéOGRAPHIE MUSICALE"

                       

ثلاثة نماذج من أغاني "الجغرافية الموسيقية" على شكل معزوفات آلية

https://media.stretta-music.com/images/084/662084_detail-01

 

https://media.stretta-music.com/images/084/662084_detail-02

 

https://media.stretta-music.com/images/084/662084_detail-03

أنشودة الألفباء لموزرت

Alphabet Partition gratuite

-----------------------------

     (*) Revue  Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris, n 90, p 13

مسرح "لا فينيس" بالبندقية

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

أسس مسرح "لا فينيس" (La Fénice) في قلب البندقية، وكان الذي وضع تصميم بنايته هو المهندس "جياننانتو سيلفَا" (Giannanto Selva).  وتم تدشينه يوم 17 مارس 1792 بتقديم أوبرا "ألعاب داكَريجانتي "Jeux d’Agrigente" للمؤلف الإيطالي جيوفاني بيسيّللو "”Giovanni Paisiello بمشاركة مغنية السوبرانو بريجيدا بانتي “Brigida Banti” التي أضفت على الألحان نكهة خاصة بصوتها الذي جمع بين العذوبة والجمال والشاعرية.  ومنذئذ أصبح مسرح "لا فينيس" يشكل إلى جانب لا سكالا "La Scala" بميلانو وسان كارلو “San Carlo“ بنابولي ثالث المعالم التي حملت هام الغناء الأوبرالي في سماء إيطاليا، تعرض على خشبته أعمال خيرة المؤلفين الموسيقيين الإيطاليين من أمثال دومينيغو سيماروزا “Domenico Cimarosa“، ويوهان سيمون مايير “Johann Simon Mayr”، ونيكولو أنطونيو زينغاريللي "Niccoló Antonio Zingarelli"، تصدح بها أصوات كبار المغنين أمثال جيرولامو كريشينتيني “Girolamo Crescentini” ، وجيوسيبينا كَراسيتي "Giuseppina Grassini"، هذه الأخيرة التي سمعها نابليون وهي تغني في الحفل الذي أقيم على شرفه في 1 كانون الأول/ديسمبر 1807 بعد أن أعلن عن نفسه ملكا على إيطاليا، فضمها إلى حاشيته بدافع كان مزيجا من الإعجاب والعشق.

وتتوالى العروض الأوبرالية على خشبة مسرح "لافينيس" بعد ذلك، ففي سنة 1813 قدم جيواكينو روسيني "Gioachino Rossini" في المسرح أوبرا تانكريدي "Tancredi" فلقيت نجاحا منقطع النظير، وبعدها بعشر سنوات عاد ليجدد لقاءه بالجمهور مع أوبرا سيميراميد "Semiramide" التي أدت دورها الرئيسي زوجته المغنية إيزابيللا كولبران ”Isabella Colbran”.  وفي سنة 1826، قدم سافيرو ميركادانتي “Saverio Mercadante" السيدة كاريتيا "La Donna Caritea"، وتلتها أوبرا “I Capuleti e i Montecchi” عام 1830 للمؤلف الموسيقي فينشينزو بيلليني “Vincenzo Bellini”...

في مارس 1835 سيفتح المسرح أبوابه لفترة استثنائية قصيرة أدت ماريا ميليبران “Maria Malibrane”  مغنية القرن ثلاث أوبرات من تأليف روسيني: عطيل “Otello” ولا سينيرينتولا "La Cenerentola"، وحلاق أشبيلية "Il barbiere di Siviglia".
 
في الثاني عشر من كانون أول/ديسمبر 1836، دمرت النار جزءا كبيرا من المسرح تطلب إصلاحه فترة امتدت ستة أشهر استأنف بعدها نشاطه المعهود، فاستقبلت خشبته أوبرا بيليساريو "Belisario" للمؤلف الإيطالي غايتانو دونيتزيتي  "Gaetano Donizetti"، ثم أوبرا إيرناني "Ernani" للمؤلف الموسيقي الإيطالي جوسيبي فيردي "”Gieuseppi Verdi هذه الرائعة التي استقى مادتها من أحد الأعمال الأدبية للكاتب الفرنسي فَيكتور هوغو.

وسوف تأتي سنة 1848 لتصبح إيطاليا خاضعة لسلطة عدة دول أوروبية من بينها أمبراطورية النمسا التي استأثرت لفترة طويلة بالبندقية.  وعلى مدى ثلاث سنوات ظل المسرح مغلقا، ثم استأنف نشاطه عام 1851 تحت ظروف قسرية بقرار صادر عن قائد جيش الاحتلال الجنرال النمساوي "كَوزودوفَسكي"، فقدم عرض أوبرا لا ترافَياتا “La Traviata”  لفَردي دون أن يحالفه النجاح.  وقد شكل هذا القرار عبئا ثقيلا على أرباب المسرح انعكست آثاره السلبية على الأعمال الموسيقية ذاتها بتغيير عناوين هذه الأعمال لما قد تحمله من شعارات ورموز قد تبعث على تظاهر الجماهير وتمردها ضد الأجانب، الأمر الذي أدى إلى إقدام المشرفين على إدارة المسرح إلى افتعال الأسباب لإغلاقه، فآثروا اختلاق علة التصريح بإفلاسه على الاستمرار في تحمل الرقابة النمساوية.  واستمر المسرح على هذه الحالة حتى عام 1866 تاريخ انتهاء الوجود الأجنبي في البندقية، فعادت الحياة إليه، وجرى حفل الافتتاح يوم 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1866 بعرض أوبرا الحفلة التنكرية "Un ballo in maschera" لفردي بحضور فيكتور إيمانويل الثاني الذي كان قد أعلن ملكا على البلاد عام 1861؛ ومنذئذ أصبح فَردي بموسيقاه رمزا لاسترجاع الوطن، واستعاد مسرح "لافينيس" الحياة بعد توقف أربى على عشر سنوات .

 
 

.