خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الأغنية السودانية والثنائية المربكة

. مقالات

محيي الدين الفاتح محيي الدين

تعيش الأغنية السودانية واقعاً خاصاً بها، فهي عربية الكلمة، مدادية الموسيقى، سلمها خماسي تتغنى به الشعوب الممتدة من السنغال غرباً إلى اليابان شرقاً، مما يجعل أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية يطربون لهذه الموسيقى، في اليابان والصين وكوريا والهند وإندونيسيا وإثيوبيا ودول أخرى على سبيل المثال لا الحصر.

تستمع الأذن السودانية إلى الموسيقى العربية السباعية، ونستمع بها نوعاً ما جراء التفاعل بالكلمة العربية وتعود الأذن على هذه الأغنية عبر أجهزة الإعلام، ولكن الأذن العربية - التي ألفت موسيقاها السباعية - لا تستطيع أن تتبيّن مجرد الكلمات العربية في اللّحن السوداني الخماسي الموسيقي.

إلى ذلك يستقبل الإنسان السوداني معظم أغنيات العالم - غير السودانية - بنصف وجدان، حيث يحدث التجاوب مع الأغنية الهندية – مثلا، أي بموسيقاها دون كلماتها، ويحدث التجاوب مع الأغنية العربية بكلماتها دون ألحانها وموسيقاها في كثير من الأحيان، باستثناء أولئك الشباب الذين ولدوا وعاشوا في المهاجر العربية المختلفة في العقود الأخيرة، وهم لا يكادون يفهمون شيئاً في الموسيقى السودانية، بينما يتجاوبون مع الأغنية العربية.

إن الأذن العربية تجهل أن تكون الأغنية السودانية ذات كلمات عربية، ذلك لأن الموسيقى الخماسية تشكل حاجزاً أمام استيعابها، بل لا تكاد المنطقة العربية تعرف كلمات عربية سودانية غير تلك الفصيحة (أغداً ألقاك) والتي صاغ كلماتها الهادي آدم وغنتها كوكب الشرق أم كلثوم في أخريات ستينيات القرن الماضي.

ومن غير المعلوم عربياً أن فن الغناء السوداني قد حمل داخل موسيقاه الخماسية هذه ما لم تحمله الأغنية العربية الحديثة كلها من القصائد العربية الفصيحة، وذلك اعتباراً من أربعينيات القرن الماضي، فقد تغنى الأستاذ الفنان عبد الكريم الكابلي وحده بما يقرب من خمسين أغنية فصيحة لشعراء قدامى ومحدثين من سائر الدول العربية ومن السودان، ومن تلك الأغنيات «أمطرت لؤلواً» ليزيد بن معاوية، «أراك عصى الدمع» لأبي فراس الحمداني و«كلنا جوٍ يارسول» و«أرى ذلك البعد صار ازدراراً» للمتنبي و«جال ماء الشباب في خديك» لأبي نواس، بجـانب أغنيات من العصر الحديث لأحمد شوقي والعقاد من مصر ومحمد الخميني من الكويت، كما غنى فنانون كبار آخرون بقصائد لإيليا أبو ماضي وأبو القاسم الشابي من تونس وإلياس أبو شبكة من لبنان، والأمير عبد الله الفيصل من السعودية، ونزار قباني من سوريا، علاوةً على عشرات شعراء القصيدة الفصيحة في السودان أمثال العباسي، والتجاني، والحسين الحسن، وصديق مدثر، وإدريس جماع صاحب القصيدة التي ظل نزار قباني يردد أحد أبياتها كلما سئل عن السودان :

أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا

ومع عمق الفجوة الموسيقية التي تفصل الأغنية السودانية عن العربية تظل الرغبة في التعارف بإقامة الورش والمهرجانات كفيلة بإزالة الحواجز، حتى تكون الأغنية السودانية أوفر قبولاً لدى الأذن العربية، ولو بالقدر الذي تتابع به الأذن السودانية الأغنية العربية المصرية أو الشامية أو الخليجية.

المصدر : مجلة اليمامة السعودية