خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

إشكالية الثابت والمتحول في المستوى الفني للموسيقى الأندلسية

. مقالات

                                                                          عبد العزيز بن عبد الجليل

           يعتبر الخوض في مناقشة إشكالية الثابت والمتحول في الموسيقى الأندلسية من القضايا التي استأثرت وما تزال باهتمام عدد غير قليل من المهتمين بهذا التراث. وأود في هذه المداخلة أن أتحاشى الخوض في هذه الإشكالية رَاسِما الحدود التي يتعين أن تقف عندها الاجتهادات التي تطال المستويات الفنية في موسيقى "الآلة"، سواء منها ما تعلق بالأداء وأساليبه وأدواته، أو ناب بنيات الصنعات وشجرة طبوعها ومنظومة  إيقاعاتها، أو طمح إلى صياغة ألحانها في قوالب البوليفونية والهارموني، أو ما شاكل كل ذلك من أعمال تمارَس تحت غطاء تطوير الموسيقى الأندلسية المغربية والنهوض بها إلي مستوى العالمية.

           فقبل هذا وذاك أود أن أطرح مسألة التحول بالنسبة للموسيقى الأندلسية باعتبارها  ظاهرة حتمية لازمت سائر محطات تناميها منذ أن كانت أصداء لترانيم ترجعها أصوات الفاتحين القادمين إلى الجزيرة الإيبيرية، وأخرى تصدح  بها حناجر قاطني هذه الجزيرة الأوائل. وعندما أقول "حتمية" فأنا أعني أن أي تطور لا يمكن أن يتم إلا في سياق التحول الذي يشكل مظهرا مطردا من مظاهر التطور، ويعني ـ في ذات الوقت ـ انتقال الآثار التي هي موضوعالتطور من حالة إلى حالة أخرى تغدو فيها أكثر تشكلا واكتمالا.

          لقد عاشت الموسيقى الأندلسية أطوارا من التحول منذ أن تم إرساء قواعدها الأولى بالأندلس. ولبلورة هذه الأطوار نستعرض فيما يلي مقولة لأحد علماء المغرب العربي في القرن السابع هو أحمد التيفاشي القفصي المتوفى عام 651هـ أوردها في كتابه "متعة الأسماع في علم السماع"، وعني بإصدارها الأستاذ محمد بن تاويت في مقالة له بمجلة الأبحاث البيروتية (م 21 ع 234 دجنبر 1968).

         وسوف نقسم مقولة التيفاشي على نحو يكشف عن أطوار التحول والتطور الذي طال ما نسميه ـ اليوم ـ "الموسيقى الأندلسية"، انطلاقا من القرن الثاني وحتى أواسط القرن السابع للهجرة :

        الطور الأول :"إن أهل الأندلس في القديم كان غناؤهم إما بطريقة النصارى ، وإما بطريقة حداة العرب ".

        الطور الثاني :"ولم يكن عندهم قانون يعتمدون عليه إلى أن تأثلت الدولة الأموية زمن الحَكَم الرَّبَضي ، فوفد عليه من الشرق ومن إفريقية من يُحْسن غناء التلاحين المدنية، فأخذ الناس عنهم " .

        الطور الثالث : "ووفد الإمام المقدم في هذا الشأن علي بن نافع (زرياب) غلام إسحاق الموصلي على الأمير عبد الرحمن الأوسط ، فجاء بما لم تعهده الأسماع، واتخذت طريقته مسلكا ونسي غيرها".

        الطور الرابع: "إلى أن نشأ ابن باجة الإمام الأعظم، واعتكف مدة سنين مع جوار مُحَسِّنات، فهذب الاستهلال، والعمل، ومزج غناء النصارى بغناء المشرق، واقترح طريقة لا توجد إلا في الأندلس، مال إليها طبع أهلها فرفضوا ما سواها. ثم جاء بعده ابن جودي، وابن الحمارة، وغيرهما، فزادوا ألحانه تهذيبا، واخترعوا ما قدروا عليه من الألحان المطربة ".

        الطور الخامس: "وكان خاتمة هذه الصناعة أبو الحسين بن الحاسب المرسي، فإنه أدرك فيها علما وعملا ما لم يدركه أحد. وله في الموسيقى كتاب كبير في جملة أسفار، وكل تلحين يسمع بالأندلس والمغرب فهو من صنعته".   

        ومن خلال قراءة متأنية  لهذا النص نستطيع الوقوف على  معالم التطور التي طبعت مسار الموسيقى الأندلسية ، وهذه أبرزها:

       ـ كان غناء سكان الأندلس الأوائل جاريا على طريقة النصارى. والقصد هنا إلى الأناشيد الكنسية الكَريكَورية التي نشرتها تعاليم الكنيسة على عهد البابا كَريكَوريوس الأول (590 ـ 604). أما غناء العرب الفاتحين (92هـ) فكان أقرب إلى الحداء منه إلى الغناء المتقن الذي لم يتبلور إلا بعد أن استتب الحكم لبني أمية في الشام، ومن ثم فقد كان هؤلاء في البداية يجارون أذواق الفئات الاجتماعية الشعبية ، فيلحنون أغانيهم على طريقة النصارى.

       ـ  ثم لما تأثل حكم بني أمية وفد على الأندلس من المدينة والقيروان موسيقيون نقلوا معهم "الأصوات" المدنية في أبسط صورها.

      ـ ثم كان الحدث الفني الكبير إثر قدوم زرياب على عبد الرحمن الأوسط سنة 207/822، فأسس مدرسة  يلقن فيها لطلبته الأصوات الغنائية التي أخذها   ببغداد عن شيخه إسحاق الموصلي، وابتكر طريقة في التعليم اتخذت مسلكا في تعليم الموسيقى، ونسي غيرها.

    ـ ثم كان الحدث الأكبر عندما نشأ الفيلسوف ابن باجة وتلامذته ( ابن جودي ـ وابن الحمارة ـ ..) . فلقد تمت على يد هذا العالم وتلامذته إنجازات كبرى تصب كلها في سياق تطوير الموسيقى الأندلسية والانتقال بها من مستوى الممارسة المجردة عن المعرفة إلى مستويات النتظير والهيكلة. وهذه أبرز تلك الإنجازات:

   ا ـ مزج الألحان الموسيقية المحلية بما نقله الفاتحون إلى الأندلس من ألحان مشرقية.

  ب ـ إعادة  تلحين الأصوات التي نقلها زرياب إلى الأندلس وتطعيمها بإبداعات جديدة. وقد دوَّن التيفاشي هذه الأصوات في كتابه، ونسبها إلى ناظمي أشعارها، وملحنيها، ومهذبي ألحانها، ومغنيها، فجاءت لتشكل ديوانا للمستعملات الموسيقية في كل من المغرب والأندلس خلال القرن السادس للهجرة. 

 ج ـ وضع الأسس الأولى لقالب النوبة، يمهد لها بالاستهلال، وهو مطلع النوبة الذي يبدأ بنغمات ثقيلة، ثم يتم الانتقال إلى العمل، وهو نغمات خفيفة يتم التدرج إليها من الاستهلال.

 دـ ضبط طريقة ابن باجة  في تسوية أوتار العود الأربعة ( البَمّ والزِّير والمثنى والمثلث) وفي تحديد مواقع عفقها بالأصابع ( السبابة والبنصر والخنصر).

 هـ ـ وياتي خاتمة صناعة الموسيقى بالأندلس أبو الحسين بن الحاسب المرسي، فيزيد في تهذيب طريقة ابن باجة في تسوية العود، ويواصل استكمال بنية النوبة، فيجعل حركاتها ثلاثا، أولاها: النشيد ( الاستهلال والعمل )، وثانيتها: الصوت، وهو ما يقابل المهزوز في الاصطلاح الأندلسي الحديث، وثالثتها الموشح والزجل ، وهي المحركات المرقصات التي تقابل الانصراف في الاصطلاح الحديث.

      إلى هنا نكون قد استنفذنا مقولة التيفاشي التي تبلغ بنا أواسط القرن السادس للهجرة، وتسعفنا في الوقوف على التحولات التي طالت الموسيقى الأندلسية طوال فترة تربو على خمسة قرون.

      وتشاء الأقدار أن تتوقف عجلة تنامي الموسيقى الأندلسية، والدولة الناصرية تشهد تقلص منطقة نفوذها بالأندلس في غياب الوسائل الناجعة لإنقاذها من طرف القوات المرينية التي كانت منشغلة باستتباب الوضع السياسي والأمني في العدوة المغربية؛ وما أن حلت سنة 898 هـ / 1492 م حتى هوى عرش بني الأحمر، وآل الحكم في غرناطة للملوك المسيحيين، فنزح أهلوها صوب بلاد المغارب،   فكان ذلك إعلانا عن انتكاسة كبرى أصابت التراث الأندلسي العربي والإسلامي برمته، وكان نصيب التراث الموسيقى مهولا تمثل في تفكك أوصال النوبات، وضياع أكثر من نصفها، واندثار الآثار المكتوبة من قبيل ما ألفه ابن باجة وابن الحاسب المرسي وابن الخطيب وغير هؤلاء.

      على أنه ما كاد الأمر يستتب للسعديين حتى أقبلت همم المغاربة على لم شتات ما تبقى من مستعملات موسيقى "الآلة"، وعادت يد البناء والتجديد لتباشر عملية الإصلاح، فانطلقت من جديد عجلة التطوير والتحديث، وكان من بين ما أسفرت عنه الجهود ما يلي:

      1ـ على مستوى الإبداع :

      ـ تطعيم النوبة بميزان جديد كان مما ابتكره فنانو الزاوية، وهو ميزان الدرج

     ـ تأليف نوبة جديدة هي نوبة الاستهلال التي وضعها الفنان علال البطلة.

     ـ اكتمال البنية الفنية للنوبة بميازينها الخمسة.

     ـ تعويض الميازين الضائعة .

    ـ تطعيم الميازين بالبراول كمستعملات جديدة مبتكرة.  

    2 ـ على مستوى التأليف والتنظير:

     ـ تأليف رسائل وكتب تناولت جمع المستعملات الغنائية للنوبات، وبيان طبوعها، وإيقاعاتها.

       وتواصل عجلة التحويل سيرها بعد البوعصامي والحايك والحوات وغير هؤلاء، فتأتي مراجعة كناش الحايك لتعيد النظر في ترتيب النوبات والميازين، ولتقرر مشروعية إدماج الابتكارات المستحدثة في منظومة النوبات، ثم يلي ذلك مجموعا الحاج إدريس بنجلون، والأستاذ عبد اللطيف بنمنصور، والمدونات الموسيقية للأستاذين محمد بريول ويونس الشامي .

      وبعد، فإني إن كنت أعتقد أن مسيرة التحول لن تتوقف أبدا، فأملي ـ أولاـ ألا تعبث الأيدي الجاهلة بثراتنا الأندلسي الأصيل، وأملي ـ ثانياـ ألا يخوض في هذا الميدان إلا من أوتي حظا واسعا من المعرفة بالموسيقى وقواعدها، وكان من ذوي الخبرة بخصوصيات هذا الفن ومقوماته، وممن يغارون عليه غيرة الأب على عياله. وللحديث صلة.