خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

ما هي الأنماط الموسيقية التي تستهوينا اليوم؟

. مقالات

د. نبيل اللو[*]     

             أستاذ في جامعة دمشق

 

إن مقاربة الوضع الموسيقي الحالي في العالم العربي من باب عنوان الدراسة يتطلب منا أن نتوقف عند مفردات العنوان قبل محاولة الإجابة عن السؤال.

المقصود بالأنماط الموسيقية، الأشكال، أو القوالب، وهي في موسيقانا التراثية نوعان اثنان هما: الأشكال أو القوالب الآلية، والأشكال أو القوالب الغنائية. أما الأولى فيندرج تحتها: البشرف والسماعي واللونغا والتحميلة والدولاب والتقسيم، في حين يندرج تحت الثانية: الموال والقصيدة والدور والموشح والطقطوقة والمونولوج.

هذا التقسيم التقليدي المبدئي يندرج ضمن عنوان عريض هو: الموسيقى الشرقية والغناء العربي. أما لماذا أطلقت على الموسيقى صفة الشرقية فلأنها تعتمد أساساً على مقامات ليست حكراً على موسيقانا العربية وإنما تشترك فيها موسيقانا مع موسيقى أخرى (فارسية-تركية). وفي هذا كله تبسيط في العرض والشرح إذ لا مقام لنا فيها في هذا السياق. أما صفة العربي التي ألصقناها بالغناء فلأن غناءنا يعتمد حاملاً لسانياً أساسياً هو اللغة العربية يُعرف بها وتًعرف به.

 

الأنماط الموسيقية هي هنا إذن الأشكال الآلية والأشكال الغنائية معاً. إبداعنا الموسيقي هذا أدرجناه في بابين اثنين وليس لنا في هذا سبق، فأمم الأرض كلها، مهما كان حظها ضئيلاً من أسباب الحضارة، لها غناؤها وموسيقاها الآلية. وما يعنينا من هذه المقدمة هو أن قسمة ما نملك من تراث موسيقي بالمعنى المطلق العام للكلمة سواده الأعظم الأعم غنائي.

 

 

الغناء أولاً، الغناء آخراً

الغناء عند العرب أسبق في الظهور من الموسيقى الآلية الصرفة. ولم يلتفت العرب إلى الموسيقى الآلية على أنها فنٌ مستقلٌ بذاته، ووسيلة تعبير مكتفية بذاتها، إلاّ بعد ظهور الإسلام وانتشاره وانتقال أهله من البداوة إلى الحضر. أولى أشكال الغناء المتقن جاءت بلاد العرب من فارس وبيزنطة. دخل هذا الغناء أرض الحجاز عن طريق القيان اللواتي حملهن تجار مكة الأثرياء من رحلات تجارة شتائهم إلى اليمن وصيفهم إلى العراق، وكانت متأثرة بفارس، وإلى سوريا، وكانت متأثرة ببيزنطة.

 

 فرّق محمد أبو نصر الفارابي (784-950م) في مقدمة كتابه "الموسيقي الكبير" الذي ألفّه في القرن العاشر بين الغناء وبين الموسيقى الآلية، وميّز بين موسيقات ثلاث: أولاها تسبب الّلذة فقط، والثانية تعبّر عن الأهواء وتحرّضها، وثالثها تخاطب الخيال. وهو يرى أن الموسيقى التي تشتمل على الميزات الثلاث الآنفة الذكر هي أكمل الأنواع وأرفعها شأناً. ويرى الفارابي أن الأثر  الأعظم، يتأتى عن طريق الغناء بواسطة الصوت البشري الجميل، وأن الموسيقى الآلية تمتلك أحياناً بعضاً من هذه الخصائص، إلاّ أنها عنده أدنى منزلةً وأضعف أثراً من الغناء الذي يجمع بين الصوت واللحن والشعر والإيقاع. والفارابي بتأكيده على تسيّد المغنَّى والصوت البشري يترك للموسيقى الآلية دور المساعد المساند المصاحب للصوت. وهو يرى أن هناك موسيقات آلية لا تُطرب، وإنما يُضرب بها لتثقيف الأذن أو للتدريب على الضرب بالعود والنفخ في الناي وعزف الربابة. كما يرى أن الأصوات التي تصدرها الآلات الموسيقية أقل قيمةً وجودةً من الصوت البشري، وأن صوت العود هو أقرب أصوات الآلات إليه، وأن الربابة هي أصلح الآلات الموسيقية لمرافقته.

 يمكننا أن نستخلص من هذا أنه كان هناك زمن الفارابي موسيقيون يعزفون دون غناء، وأن الموسيقى الآلية كان لها وقتئذٍ على الأقل مريدوها، ولو أن الغلبة قولاً وفعلاً هي للغناء، وما زالت كذلك حتى اليوم. ويبدو أن هذا الخلاف بين الموسيقى الآلية والغناء ما زال قائما بين ظهرانينا حتى يومنا هذا.

 

    هناك فريق يرى أن الموسيقى الشرقية الآلية الصرفة قد تطورت على يد الترك والفرس، وأن العرب ليس لهم فيها باع ولا نصيب. ولا شك أن الموسيقى الآلية يحتاج الاستماع إليها إلى تفكّر وتأمل، وهي مسألة تدرب واعتياد؛ وممارسة سطوة الكلمة في ثقافتنا جعل الموسيقى أسيرتها لا تكاد تحسن الإفلات منها، فضلاً عن أن الثقافة الموسيقية العامة مازالت حتى اليوم ثقافة غناء لا ثقافة موسيقى صرفة.

 

    إن ما يلفت النظر حقاً في الموسيقى العربية أن المقالات والكتب التي ألفّها العلماء العرب، وما أوردوه فيها من مشكلات خصوصاً تلك المتصلة بالغناء والموسيقى الآلية، ما تزال قيد الواقع حتى يومنا هذا، فما تزال الكلمة المغناة قصيدةً كانت أم زجلاً هي التي تتصدر نتاجات وسائل الإعلام بينما تبقى الموسيقى الآلية مقصورة على حلقات خاصة وأحياناً عامة تنظمها جهات ثقافية أجنبية عموماً أو ثقافية أكاديمية وطنية أحياناً. صحيح أن لها جمهورها المخلص لها المتابع لفعالياتها ونجومها إلاّ أنها تبقى محدودة الأثر في الذوق العام الجارف باتجاه الغناء وحده.

 

أشكال الموسيقى الشرقية الآلية والغناء العربي

أولاً: الأشكال الآلية

 

1-     البشرف:

وهو قالب موسيقي آلي فارسي-تركي-عربي. يقع في خمسة أقسام تتخللها فواصل تسمى تسليم. لم يكتب المؤلفون الموسيقيون العرب كثيراً في البشرف قياساً إلى التركة الهائلة التي خلفها الأتراك فيه؛ وقد أحجم المؤلفون العرب عن التأليف في هذا القالب بسبب صعوبة قواعده التأليفية.

 

2-     السماعي:

يقع قالب السماعي في 4خانات و(4)تسليم مكرر بين الخانات. وهو في شكله العام يشبه البشرف إلاّ أنه يختلف عنه في أن خانته الرابعة تُضرب بالمقياس 3/4سماعي دارج، أو الفالس، أو بمقاييس مركبة تتولد عنه كمقياس 9/8 سماعي أقصاق. ويكون السماعي عادة أقصر من البشرف. ولئن أحجم المؤلفون العرب أو أقلعوا عن تأليف البشرف فلقد أجادوا وأكثروا في تأليف السماعي. ولعل مزاج البشرف أن يكون في تركيبته وبنيانه أقرب إلى المزاج التركي في حين لاءم قالب السماعي ببنيانه وقواعد تأليفه المزاج العربي.

 

3-     اللونعا:

قالب موسيقي رشيق يقع في أربع خانات وتسليم وأحياناً في ثلاث خانات وتسليم. تعزف اللونغا في ضرب إيقاعي بسيط سريع، وهي مع قصرها عموماً تتميّز بكثرة انتقالاتها المقامية الجذابة، وبجملها الرشيقة السريعة وبصعوبة أدائها عزفا، يستعرض فيها الملحن والعازف معاً براعتهما في التأليف والتنفيذ.

 

4-     الدولاب:

تأليف آلي قصير المدة يمهد لوصلة غنائية عنوانها مقام الدولاب الذي يُعزف ليُظهر شخصية المقام المراد الغناء فيه دون حليات وزخرفات، عبارة عن سكة مقامية واضحة ترسِّخ المقام في الأسماع وتهيئ السامعين لما هم مقدمون على سماعه من مزاج نغم.

 

5-      التحميلة:

هي جاز الموسيقى الشرقية. يعزف التخت الشرقي جملةً موسيقيةً من مقام تُبنى عليه التحميلة ثم يترك عازفو التخت المجال لإحدى آلات التخت يرتجل عازفها ارتجالاً موقّعاً في مقام التحميلة وتفرعاته مـما تجود به مخيلته اللحنية وبراعته التقنية وحذقه ومهارته بخفايا آلته، ثم يسلّم آلات التخت ثانية ليعزفوا الجملة الموسيقية التي بدأوا بها التحميلة، وليفسحوا المجال لآلةٍ أخرى يجود فيها صاحبها بما في روحه وعلمه من إحساس وفِكر في الارتجال. وتستمر التحميلة على هذا النحو قُدماً حتى تأتي على آلات التخت كافةً ثم تُختتم بمثل ما بدئت به.

 

القوالب الغنائية في الموسيقى العربية

ثانياً: الأشكال الغنائية

 

وسنعرف منها الدور ونأتي لاحقاً على الأشكال الأخرى التي تعنينا في دراستنا.

 

الدور

وهو قالب غنائي مصريّ المولد والنشأة والصنعة والتطور؛ ظهر في القرن التاسع عشر وزها وتطور في النصف الأول من القرن العشرين.

 

يقع الدور في أقسام ثلاثة وختام على النحو التالي:

-      القسم الأول: المذهب ويقع في ثلاث فقرات لحنية مختلفة.

-      القسم الثاني: تكرار اللحن الأول من القسم الأول بكلمات مختلفة،

 يستعرض المطرب بعدها مقدراته الصوتية ومخيلته اللحنية في التفريد والعرض الصوتي.

-      القسم الثالث: يتبادل فيه المطرب الإفرادي مع السنيّدة الآهات صداً وردا

يظهر فيه الملحن والمطرب مقدرتهما كليهما على الارتجال والإبداع في التفريد الغنائي.

-      الختام ويكون بإعادة اللحن الأخير من القسم الأول ويُقفل به الدور.

يغني الصوت الإفرادي القادر القسم الأساسي في الدور بمصاحبة السنيّدة (المذهبجية- المجموعة- الرديدة) والتخت الشرقي الموسيقي.

 

الموسيقات الشبابية الجديدة

وإذا ما نظرنا بعد هذا العرض التعريفي بأشكال الموسيقى والغناء عندنا إلى ما يستمع له اليافعون في عالمنا العربي من موسيقى اليوم نقول إن المشكلة كانت وما زالت مشكلة أجيال، بين الجيل القديم والجيل الجديد، وليست مسألة مضمون وثورة. ودليلنا على ذلك أن ما كنّا نستمع له عندما كنّا يافعين لم يعد يرضينا اليوم، وما كنا نعزف عن الاستماع له أصبح مع الزمن والخبرة يستهوينا.

 

نحن لسنا ضد الجديد من "الموسيقى"، ولا ننكر عليها وجودها، لكننا نعتقد أنه من المفيد الحديث والكتابة عنها وعن طريقة صنعها وأدائها ومقاصدها في إطار زمني-اجتماعي محدد لمناقشتها، أو ليناقشها بعدنا آخرون بعد أن يكون الإطار الزمني-الاجتماعي قد تغيّر لتقويمها وتتبع حركتها على المدى الطويل. والسؤال هل صمدت هذه الموسيقى أمام التيارات الموسيقية الأخرى؟ هل تطوّرت؟ هل حافظت على كتلها الجماهيرية باعتبارها موسيقى تخاطب الجموع، ويستمع لها الجموع، في سياق الجموع، ومكان تواجد الجموع، بآذان الجموع؟ قد تبدو الفكرة غريبة، فكرة "الجموع" هذه التي نسوقها هنا، إلاّ أن المتتبع لهذه الظاهرة "المجلوبة" أصلاً، يلاحظ أنها قائمة على ثقافة الجموع المستهلكة، وليس الفرد المستقبل. لكن المشكلة الخطيرة هنا هي أن الظاهرة الاستماعية الجمعية التي نشاهدها في الحفلات التي تنظم في الملاعب أو الساحات العملاقة هذه أوجدتها مجتمعات معينة في ظروف ولظروف معينة. لكن الظاهرة صُدّرت إلينا، أو فلنقل استوردناها، كي لا  نُنْحِي باللائمة على الآخرين. نقول استوردناها بشكلها: شكل المسرح، ومواد بنائه، وسلطته الضوئية، وألوانه، ومكبراته الصوتية، وآلاته.. باختصار استوردنا شكل الظاهرة الاستماعية الجماعية دون بواعثها الاجتماعية والفكرية. شكل اجتُثّ من منبته، شكل هو نتيجة عوامل، أوجدناه عندنا شكلاً قسرياً دون عوامله، لأنها غير موجودة لدينا أصلاً. إذ لا يتطور اليافع والشاب عندنا ثقافياً وفنياً بالطريقة نفسها التي يتطور فيها اليافع والشاب في الحضارتين الأمريكية والأوروبية. صحيح أن وسائل الإعلام والاتصالات قد مهدت الطريق أمام يافعينا فسّهلت لهم رؤية ما يجري في اللحظة نفسها في أوساط يافعي الغرب، إلاّ أن التجربة النفسية الكامنة الدفينة التي أدت إلى الشكل المستورد ليست لدينا ولا تعتلج بها نفوس يافعينا، فما الذي يحصل إذاً؟ وربما يحتاج السؤال إلى سؤال رديف آخر يقول ما الذي سيحصل إذن؟ إما استقدام عروض كما هي تُشترى وتُرعى وينفق عليها الملايين، زهرة نزرعها بألوانها في أرض غير أرضها وأمام جمهور غير جمهورها، أحبها التلفاز فاستجلبها، أو حرص على استجلابها، سمعها الجمهور على أرضه وتمايل معها، كما رأى نظراءه من الغربيين يتمايلون، والدليل للناظر أن الجمهور لدينا يقوم بحركات أثناء هذا النوع من الحفلات "الجماهيرية" الشابة المستوردة ليست مألوفة لدينا ولا معروفة وإنما مخزّنة بالذاكرة الاتصالية، فتخرج محاكاةً وتقليداً عند سماع اللحن المسموع قبلاً.. قلنا إما استقدام عروض تُشترى، أو صنع عروض صناعة محلية تحاكي الأصل شكلاً ويُبتدع له مضموناً "محلياً".

 

موسيقى (الراب) تستند إلى مبدأ الموسيقى المتناقلة شفاهياً أو سماعياً، أن تقول ما تريد بالموسيقى أو بمصاحبة الموسيقى والإيقاع، وأنت تتسلى وتتفاصح، إذ إن الناحية الكلامية اللسانية الخطابية مهمة جداً في موسيقى (الراب) أو عند مغني (الراب)، فعليه أن يتكلم بسرعة لافتة جداً عن موضوع فريد طريف مثير بعبارات وكلمات حاذقة دقيقة مثيرة ملهمة محرضة قاسية أحياناً، وفكاهية ساخرة أحياناً أخرى. يقصد مغني (الراب) من خلال هذا كله أن يُحدث أثراً عند المتلقي بمضمون وشكل ما يؤدى أمامه. هذا يعني أن يمتلك مغني (الراب) إمكانات متميزة لسانية ودلالية فضلاً عن مواهبه الموسيقية: فعليه إذن أن يبتدع الفكرة ويعطي الانطباع أمام جمهوره بأنه يرتجل مضمونها ارتجالا فاتناً مدهشاً لسامعيه. مقدرة كلامية هائلة، رشّاش من الكلمات تحكي قصة أو حكاية، حكواتي القرن الحادي والعشرين. أما موسيقى (التكنو)، فيلعب صانعها بالأصوات ليستخرج منها مزيجاً وانطباعاً تجريبياً في كل مرة يمارس فعل الموسيقى فيها. شبهنا (الراب) بالحكواتي ولا نغالي، وليس في تشبيهنا شطط، فالأمر ـ مضموناً ـــ  هو كذلك، (أم) أما الشكل فمختلف. أما موسيقى (التكنو) فيمكن مقارنتها بالمحاولات التي كان يجريها المؤلف الموسيقي الفرنسي هكتور بيرليوز (1803-1869م)على استخراج الأصوات من أوركستراه. والمقارنتان اللتان عقدناهما عمداً، إنما تختلفان فيما بينهما بالشكل والموضوعات. لا شك أن البعض سيجد في عقد المقارنتين استفزازاً موسيقياً، بل وفكرياً، لكننا مرة أخرى لم نقصد ذلك، فلسنا من هواة (الراب) ولا (التكنو)، لكننا نصف نوعين من الموسيقى استقطبا حولهما كثيراً من الشباب العرب، وأصبح لهما مريدون في العالم العربي كله، حتى أن هناك محاولات عربية تعريبية (للراب)، ومحاولات تقليد (للتكنو) في بلادنا.

 

ونحن بالمقارنتين اللتين عقدناهما أرجعنا الظاهرتين الجديدتين (الراب) و(التكنو) في عالمنا العربي إلى أصولٍ تشبهها في تاريخ الموسيقى. وهذا يعني أن الجديد المغرق في حداثته لا ينبع من فراغ، وأن صلته مع ماضٍ قريب أو بعيد حتمية بفعل استمرارية التجربة الثقافية. وأن العجمة الظاهرة مردها ربما إلى أن الصلة مع فن من فنون الماضي قد تبدو واهية أو بعيدة لا يجرؤ الناظر إليها أو الدارس لها أن يوجهها الوجهة التاريخية خوفاً من أن يُتهم بشطط استنباطه وتحليله، ناهيك عن أن أصحاب التجربة أنفسهم قد يعمدون إلى طمس أي صلة لنهجهم بالماضي سعياً إلى التفرد والاستحداث، أو ببساطة لجهلهم بالربط أصلاً. ونحن لا نريد من سوق وجهة نظرنا إقناع الآخرين بصوابها، وإنما نسوقها فرضية تحليل نقصد منها أن الذاكرة الجمعية المتراكمة تاريخياً لا تموت و لا تختفي بالتقادم.

 

بعد الشرح الذي قدمناه لنوعين من الموسيقى الجديدة يستهويان شبيبة العالم العربي اليوم لعل سؤالاً يغري بطرحه: لماذا وصلنا إلى هنا؟ ونحن لن نفعل هذا لنقول لشبيبتنا العربية إن موسيقاكم التي تصنعون وتستهوون "لا قيمة لها ولا معنى"، لأننا لو فعلنا بمثل هذه الفظاظة حثّاً لهم على تغيير أذواقهم لما فعلوا، بل على العكس لكابروا وعاندوا وتشبثوا وجعلوا من الأمر قضية. فيمكن أن نقول لهم إن هذين النمطين الجديدين في الموسيقى، ونعني في هذا السياق مثالي (الراب) و(التكنو)، لهما جذور وأصول ولم يأتيا من فراغ وإن الأمر لا يعدو سوى تغيير في الشكل وليس في المضمون، وإن الوسائل هي التي تغيّرت وليس بالضرورة الفكرة. طبعاً هذا رأي تبسيطي جداً لكنه حقيقي ومقبول، ولا يثير حفيظة الشباب ولا ردات فعلهم الرافضة.  والرأي هذا مفيد في طرفيه: يجعل رفضنا ونفورنا أو عدم قبولنا لمثل هذه الظواهر مخففاً لأنها جاءت من منابت لها علاقة بثقافة شعب. هذا عن الغرب، أمّا عنّا نحن فيمكن بعسرٍ أن نجد رابطاً بين (الراب) والحكواتي!! ومن العسير جداً، بل من المستحيل أن نجد (للتكنو) أصولاً عندنا وجذورا. الأمر الذي يجعل من الظاهرتين عموماً، ظاهرتين مجلوبتين بشكلهما ومضمونهما ويحتاجان للتعريب لتسهيل دخولهما حياتنا الموسيقية، ولو أن الأمر لا يقتصر برأينا على جعل ممارس الفعل ينطق بالعربية، إذ إن موسيقى كهذه بطقوسها كافةً تلجأ عامةً إلى اللغة الدارجة المحكية المغرقة في عاميتها، وهذا يعني أنه سيكون لدينا 22 (راب)، في 22دولة عربية وسيكون نشرها صعباً، حسب المناطق الجغرافية القريبة أو البعيدة من لهجة من اللهجات (خليجية، شرق أوسطية، أو مغاربية،...).

 

 

خاتمة

 

لقد استعرضنا الأنماط الموسيقية والغنائية التقليدية وتوقفنا عند أشكالها وتعريفاتها، ولنا في ذلك هنا قصد وغاية، بسبب القطيعة الثقافية الحاصلة بين المستمع العربي عموماً وموسيقاه التقليدية التراثية. يندر من يكتب البشرف عندنا اليوم، ومن يكتب السماعي قليل نادر، أما اللونغا فقد اختفى التأليف فيها أو يكاد، والتحميلة يطلع علينا مؤلف شاب متحمس، حديث العهد في التخرج من معهده الموسيقي، أقول يطلع علينا مؤلف من آنٍ لآخر بتأليف تحميلة لتخته الشرقي أو لفرقة موسيقية، ولو أن تأليف التحميلة سهل جداً عموماً إذ يكفي أن نجد الجملة المقامية الناظمة للتحميلة، والباقي على آلات التخت الشرقي الإفرادية أن تقوم به. ما الذي بقي لنا إذن من أنماط موسيقية تراثية؟ التقسيم، وهو منوط أيضاً بمتانة تأهيل العازف على آلته وبراعته في العزف عليها وبمخيلته اللحنية وبسعة علمه المقامية. هذا كله من الناحية التأليفية، أي الأنماط الموسيقية التقليدية تأليفاً، وهي كما أسلفنا في انحسار شديد،أما من الناحية التذوقية الاستماعية فيقتصر الاستماع للأنماط التقليدية على نخبة من السميعة في بلادنا ممن يتذوقون موسيقى البلاد التراثية. وجمهور خلّص السميعة هذا يقتصر استماعه لهذه الأنماط على ما يملكه شخصياً من تسجيلات قديمة يحرص على اقتنائها وجمعها والاستماع لها. وقد تتوسع دائرة الاستماع الذوقي التراثي هذا إلى مجموعة من الأفراد يلتقون دورياً يتقاسمون لذة الاستماع والتفكير ثم النقاش. وربما توسعت الدائرة أكثر لحضور أمسيات موسيقية تراثية تنظمها عموماً في بلادنا العربية وزارة الثقافة أو جهات وصية ثقافية أممية أو دولية.

 

 

أما فيما يتصل بالأشكال الغنائية العربية تأليفاً فقد اختفى تلحين القصيدة أو يكاد، واختفى الموال أو يكاد، واختفى تلحين الدور واقتصر وجوده في الساحة الغنائية على غناء ما خلّفه لنا الأجداد من تآليفَ فيه، كما اختفى تلحين الموشح أو يكاد. ما الذي بقي لنا إذن من طائفة الأشكال الغنائية العربية التي ذكرناها وهي: القصيدة والدور واللونغا والموشح والموال والطقطوقة؟  الطقطوقة[2] وحدها هي التي صمدت أمام عوادي الزمن! والطقطوقة هذه التي أخرنا ورودها في دراستنا قصداً تتألف من مذهب ومجموعة من الأغصان وتكتب عموماً بالعامية، ويمكن أن تُنظم شعراً. وعندما ذكرنا أعلاه أن تلحين الق صيدة اختفى من موسيقانا أو يكاد كنّا نعرف أن ألف يدٍ ويد سترتفع لتقول لنا: وماذا تقولون في سيل قصائد نزار قباني وغيرها من القصائد التي تلحن وتُغنى وتُبث كل يوم؟ وجوابنا: هي قصائد حتماً، لكنها تُلحن تلاحين الطقاطيق إذ يُجعل لها مذهبٌ متكررٌ وأغصانٌ تلحن أزواجاً باللحن نفسه بكلمات مختلفة، أو ينفرد كل غصن من أغصان الطقطوقة أو أدوارها بلحن مختلف عن الآخر، ثم يعاد غناء المذهب وتختتم به. وإنما تغنَّى بتلحين القصيدة النماذج الرائعة التي لحنها رياض السنباطي[3] (1906-1981) ومحمد عبد الوهاب  (1902/1903/1904-1991).

 

ما الذي بقي لنا إذن من الإرث الموسيقي الغنائي الذي خلّفه لنا الأجداد؟ موسيقياً تأليفياً: بعض الأعمال في قالب السماعي والتحميلة، ويبقى التقسيم مادةً مقصورة على العازفين المجيدين. أما غنائياً تأليفياً: فلم يبقَ عندنا عملياً من الناحية الإنتاجية سوى الطقطوقة البسيطة تلحيناً وغناءً لضعف الأصوات المؤدية عموماً. وما تبّقى من غناء رصين متقن في أشكال: القصيدة والدور والموشح والمونولوج والموال فنحن نستمع له من تسجيلات قديمة أو من فرقٍ تراثية اختصت بإعادة إنتاج التراث.

 

أما شكل المونولوغ الخطير الذي أبدع فيه محمد القصبجي[4] وتعلم محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي من الأستاذ القصبجي طريقة تلحينه فقد اختفى من الغناء العربي كلياً وأصبح شكلاً مختفيا نستمع له من التسجيلات أو مما يعاد غناؤه فيه في الحفلات التراثية.

 

الشق الأخير من سؤال المقدمة الذي يتصل بـ "تستهوينا" جوابه إشكالي: إذ أن "نحن" في تستهوينا ليست كلاً وإنما "نحن" متشظية تشظي الأذواق على مستوى القطر العربي الواحد، وعلى مستوى المناطق الجغرافية العربية بآنٍ معاً. إذ أن "نحن" القطرية مبعثرة بين مستمع للقديم منكفئ على ذاته، وبين مستمع للموسيقى الجديدة ثائر على الأنماط والأشكال القديمة مستهجنٍ لها ولأذواقها رافضٍ الاستماع لها، لتصبح "نحن" جزراً بين خلّص سميعة القديم، وخلّص سميعة الجديد، وبين جمهور عريض تشكّلت ذائقته الغنائية السمعية مما يُذاع له ويروّج ويقتصر في حدّه الأعظم على شكل الطقطوقة الحديثة.

 

 


[*] - عميد المعهد العالي للموسيقى بدمشق سابقاً.

  - مدير عام الهيئة العامة لدار الأسد للثقافة والفنون (دار الأوبرا السورية) سابقاً.

 

[2][2]لحن محمد عبد الوهاب 79 قصيدة، وموشحان اثنان  هما: ياحبيبي أنت كل المراد، ويا حبيبي كحل السهر جفوني، وكلاهما في مقام الكرد، ولحنهما في العام 1927. ولحن سبعة أدوار، و199 طقطوقة، و82 مونولوجاً، و13 ديالوغاً، وتريالوغاً واحداً هو: هنّ هنّ ولا تنس داري، و31 نشيداً، و21 موالاً، و50 مقطوقة موسيقية معَنْونة. ولو رتبنا إنتاج محمد عبد الوهاب في الأشكال الموسيقية المختلفة بالنسبة المائوية لوجدنا:

-         41،2 % في شكل الطقطوقة

-         17،2 % في شكل مونولوغ

-         17%  في شكل قصيدة

-         9،1 % مقطوعات موسيقية

وقصدنا من هذه المعلومة الإحصائية تبيان سطوة شكل الطقطوقة في إنتاج أحد أهم أعلام الموسيقى والغناء في العالم العربي في القرن العشرين.

[3]نذكر من قصائد رياض السنباطي:

-         قصيدة أتعجل العمر ابتغاء لقائها، نظمها أحمد رامي، وغنتها أم كلثوم.

-         قصيدة أراك عصي الدمع، نظمها أبو فراس الحمداني، وغنتها أم كلثوم.

-         قصيدة أسامعي أنت يا حبيبي، نظمها مأمون الشناوي، وغنتها نازك.

-         قصيدة إلى الحبيب، نظمها بشارة الخوري، وغنتها نور الهدى.

-         قصيدة قصة الأمس، نظمها أحمد فتحي، وغنتها أم كلثوم.

-         قصيدة أيها الساقيان، نظمها بشار بن برد، وغناها عبد الغني السيد.

     ـ   قصيدة أيها النائم، نظمها أحمد رامي، وغنتها أسمهان.

[4]نذكر من مونولوغات القصبجي:

-         خيالك في المنام، نظم أحمد رامي، مقام نكريز، 1925.

-         قلبك غدر بي، نظم أحمد رامي، مقام نهوند، 1926.

-         أخذت صوتك من روحي، نظم أحمد رامي، مقام كورد.

-         رق الحبيب، نظم أحمد رامي، مقام نهوند، 1941.

-         ياللي انحرمت الحنان، نظم أحمد رامي، مقام راست، 1948.

-         يا ريتني كنت النسيم، نظم أحمد رامي، مقام حجازكار، 1926.

-         ياما أمرّ الفراق، نظم أحمد رامي، مقام كرد، 1931.