خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

أفكار عن صياغات الموسيقار العبقري رياض السنباطي

. مقالات

جاسم المطير

لم يكن اسم رياض السنباطي  شيئا عابرا في حياتنا نحن أبناء جيل الخمسينيات وما بعده في القرن العشرين، بل كان واحدا من أهم الشخصيات التي أسعدتنا وأسعدت مسامع الشعوب العربية التي كانت تبحث، ولا تزال، عن الخلاص من توترها النفسي.

كان السنباطي واحدا من أهم الذين ساعدوا المعرفة الموسيقية العربية على التطور والنجاح، وكان واحدا من أهم الذين ساعدوا على فهم الخصائص المميزة للأغنية العربية على مدى أجيال عديدة.

هل من الضروري الانتباه إلى ذكرى المواليد والموت لعبقريات جاد بها الزمان العربي؟ هل ينبغي أن نعود مائة عام ونيف إلى الوراء لكي نتذكر ولادة الموسيقار المصري رياض السنباطي عام 1906 في قرية صغيرة بالريف المصري؟

نعم يمثل الانتباه إلى مثل هذه المناسبات  أحد التكوينات الفرضية المسؤولة عن إعادة الأبحاث والدراسات حول تطور الموسيقى العربية، والموسيقى المصرية بالذات، اعتمادا على ما وصلت إليه حال الموسيقى خلال قرن كامل من الوقائع المثيرة في البيئة العربية

علم موسيقى

رياض السنباطي (1906 ـ 1981) يرد اسمه في الموسوعات العربية والعالمية باعتباره اسما لعلم من أشهر أعلام الموسيقى العربية في تاريخها الطويل.. ولد سنة 1906 بمدينة فارسكور بمحافظة دمياط، ونشأ في مدينة المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية، وكان أبوه محمد السنباطي من العارفين الفطريين بالموسيقى، علم نفسه بنفسه، مما أهل ابنه رياض لمعرفة الموسيقى على تجربته ثم دراستها فيما بعد. وقد بلغ السنباطي أوج شهرته عندما ارتبط إبداعه الموسيقي بالإبداع الغنائي لأم كلثوم، فكان هذا الارتباط نموذجا للعلاقة بين الحس الذكي الذي امتلكه رياض مع ثقافة الأداء الغنائي الذي امتلكته أم كلثوم، فلم يعد بإمكان احد أن يذكر اسم رياض السنباطي أو قياس موسيقاه وألحانه من دون ذكر اسم أم كلثوم واستخدام وسائل قياس مماثلة في مقارنة مع نجاحات صوت أم كلثوم وتطوره عبر مختلف المراحل، منذ أول لحن قدمه إلى أم كلثوم وامتدادا إلى فترة طويلة من الزمن. فقد ظل السنباطي لسنوات عديدة ملحنا وحيدا لأغانيها، إذ وجد كل منهما أن الآخر هو سياقه الثقافي، وتشكيله التوافقي، والأنسب إليه في الكثير من المؤشرات الفنية.

ظهرت موهبة السنباطي في طفولته المبكرة ، ونمت قدرته على الاستجابة لتفاعل البيئة الفنية الموسيقية في جو من 'الطرب العربي الأصيل'.. مما أشار إلى أن السنباطي من ذوي الذكاء الموسيقي الفطري بما أظهره من صوت اقترب بسرعة من أسماع وقلوب مستمعيه وهو يجوب القرى بصحبة والده في حفلات الأفراح، وكان أداؤه الذي يزداد تألقا عاما بعد عام قد أهله بقدراته الخاصة ليحتل مكانة بارزة في أجواء الموسيقى العربية الأصيلة بعد أن نشطت طاقته في العزف على العود ومن ثم هيمنته على قدرات وملكات وإبداعات التلحين، حتى صار ملائما القول للنقاد وأساتذة الموسيقى: إن رياض السنباطي ارتفع بسرعة إلى أعلى مستويات هذا الميدان خاصة بعد أن صقل موهبته الموسيقية الأولى في معهد الموسيقى العربية.

خطوات تجريبية

بدأت خطواته التجريبية الأولى معتمدة على قياساته لطبيعة ألحان محمد القصبجي. ووفقا لإعجابه بهذه الشخصية الموسيقية راح يحاول فهم تفاصيل أعمال القصبجي، فحفظ موسيقاه وأسلوب غنائه مرددا إياها بالغناء بصوته مما جعله متمكنا في محاكاة هذه الخبرة الفذة ليتعلم منها من خلال تخزين تجارب القصبجي وإطلاق وجوده في الميدان الموسيقي ككيان ديناميكي مستقل، قادر على توليد قواعد خاصة بالتلحين باعتبارها وحدته الإبداعية الذاتية مما هيأ له العوامل المؤهلة للاتصال بالمطربين والمطربات في القاهرة مقدما لهم الألحان الرائعة، وأصبحت ألحانه على كل شفة ولسان، وأصبحت ألحانه تعادل ألحان محمد القصبجي فتألق نجمه وبرزت شهرته فاستدعته مطربة الشرق أم كلثوم ليزودها بألحانه وفنه فلحن لها أروع القصائد.

من قصيدة 'نهج البردة' شيد جسر الاتصال الأول بين صوت أم كلثوم وبين عود رياض السنباطي ليخلقا معا، بمرور الزمن وتنوع الألحان، مرجعية موسيقية غنائية في مصر، كانت وما زالت، إطارا نظريا وعمليا لأغلب الغناء العربي معتمدا على تجريب القصبجي من جهة، وعلى الجملة الموسيقية الشرقية ذات الجدلية المتميزة التي ساهم بوجودها رياض السنباطي نفسه، من جهة أخرى. كان لنهجه التلحيني طابع خاص مميز، وأصبح مطلوبا إلى درجة أنه أجبر المطربة أم كلثوم ولفترة طويلة من الزمن على الاقتصار على الغناء تبعا لألحانه. كما لحن لكبار المطربين والمطربات أمثال عبد الغني السيد، رجاء عبده، نجاة، أسمهان، صالح عبد الحي، سعاد محمد، فايزة أحمد، عزيزة جلال.

تكريم

آثر رياض السنباطي العزلة والبعد عن الأضواء طوال حياته، إلا أنه حظي بكثير من التكريم، في وسائل الإعلام المصرية وفي المنتديات الثقافية. ميزته السيدة أم كلثوم من بين سائر ملحنيها بلقب 'العبقري'، كما كرمته الدولة فحصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1964، ثم حصل على الدكتوراه الفخرية من أكاديمية الفنون، وجائزة الريادة الفنية عام 1977، ثم جائزة الدولة التقديرية عام 1980، كما نال جائزة اليونسكو العالمية باعتباره موسيقيا مبدعا.

رحل رياض السنباطي عن الدنيا في التاسع من ايلول - سبتمبر 1981 لتغلق تلك المدرسة الفنية الكبيرة أبوابها وتنطوي أروع صفحة من صفحات الموسيقى العربية ولينتهي عصر فريد لا نظير له ولن يشهد تاريخ الموسيقى العربية مثيلا له، لكن سيبقى فنه ما بقيت موسيقاه وألحانه في مسامع الناس وما بقي درسه في المعاهد ومراكز الأبحاث المختصة.

حفزت المائوية الأولى لولادته أجيالا موسيقية جديدة لتقصي نواميس التقدم والنجاح والأصالة في فن السنباطي باعتباره مرجعية متنوعة تساير الفن الغنائي العربي بنية وتقنية داخل النص الموسيقي لفترة قادمة في المستقبل أيضا بنوع ملح من المطابقة مع واقع التاريخ الفني الراهن المصري والعربي معا.