خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

المحاولات الجادة في قياس السلم الموسيقي العربي

. مقالات

الباحثه : فاطمة الظاهر

 

لماذا اندثر السلم الموسيقي العربي؟

 

نعم.... لقد اندثر وطمس السلم الموسيقي العربي الذي كان يعمل به إسحاق الموصلي، ونظر فيهابنسينا والكندي والفارابي وآخرهم الأرموي ...ولم يتبق لنا سوى مقامات متناثرة هنا وهناك... 

 

مرت الموسيقى العربية بحقب زمنية وصلت فيها إلى الذروة كما في العصر العباسي الذي شهد العديد من العلماء الذين عملوا على تنظير الموسيقى العربية بشكل منقطع النظير، ورغم كل الغزوات الثقافية والعسكرية التي طالت بلادنا العربية من الخليج إلى المحيط  والتي ضيعت على العرب معظم علومهم وما وصلوا إليه من تقدم، بقي الغناء العربي الأصيل محافظا على هويته العربية ولم يندثر، وبقيت الموسيقى العربية محافظة على نكهتها الشرقية العربية الأصيلة.

 

وجاء المؤتمر الأول للموسيقى العربية المنعقد في القاهرة سنة 1932 فطرح مجموعة من المسائل تخص المقامات العربية وضروبها والسلم العربي.  وكان يهدف إلى تنظيم الموسيقى العربية على أساس متين من العلم والفن تتفق عليه جميع البلاد العربية، وكذا إقرار المقامات  والرموز التي تكتب بها الأنغام، وكذلك إقرار السلم الموسيقى العربي ووضعه على أسس علمية تسير عليها الموسيقى العربية، فقبل مؤتمر الموسيقى العربية كان الارتجال في الغناء هو النمط السائد كـسمة من سمات الغناء العربي، ومع دخول الأسطوانات سنه 1904 الذي تطلب تسجيل أغنيات من غير تصرف فيها وفقاً للحن الذي أصبح في الغالب مدوّناً، بدأت محاولات لحصر المقامات المستعملة وغير المستعملة.

 

إن كل ما كان يعرف في فترة ما قبل مؤتمر القاهرة هو مقامات الموسيقى العربية وتدوينها على الطريقة التركية السائدة آنذاك بحكم تولي الخلافه العثمانية مقادير الأمور في الدول العربية . وعلى الرغم من النجاحات التي حققها المؤتمر الأول للموسيقى العربية في تدوين المقامات بشكل ثابت إلا أنه أخفق في قضيه قياس السلم الموسيقى العربيففي محضر الجلسة الثالثة التي تولى أعمال السكرتارية فيها الدكتور محمود أحمد الحفني السكرتير العام للمؤتمر ، تلا المستشرق الفرنسي البارون كارادي فو باللغة الفرنسية ورئيس لجنة المسائل العامة في المؤتمر وعضو لجنة السلم الموسيقي العربي كلمة قال فيها:

"لا يزال هناك بعض الغموض فيما يختص بمبادئ المقامات والسلالم المعروفة ... والحقيقة أن السلم العربي لا وجود له...وإنما توجد مقامات فقط. وإذا ذكر السلم فإن الماثل في الأذهان هو مجموعة مقامات أو ديوان أساسي يتألف من عدة أنغام، وإذا اعتبرنا السلم العربي بهذا المعنى أمكننا أن نجد عند المؤلفين الموسيقيين سلماً يرجع عهده إلى عهد اليونان الأقدمين إذ وجد سلم من وضع اليبيوس Alypiusعلى ما أعتقد ... وإذا بدئ بأي علامة من علاماته يمكن معرفة المقامات التسع اليونانية الأساسية، وهي الفريجي والليدي والدوري ... مع فروع كل منها ... وهذا السلم أستعمله الفارابي وصفي الدين ولكنه كثير التعقيد في تركيبه، وما هو في الواقع إلا من عمل بعض المشتغلين بالعلوم الرياضية، ولا يمكن أن يتسع لأكثر من المقامات التسعة المذكورة"

 

وبهذا يكون المؤتمر قد أخفق في محاولة إيجاد سلم عربي تعتمده جميع الدول التي تعتمد الموسيقى الشرقية في العزف والغناء.

 

والواقع أن النقطة الأساسية والتي ربما كانت المعوق الرئيسي الذي حرف مسار عمل لجنة السلم الموسيقي في مؤتمر الموسيقى العربية الأول، فأخفقت في إيجاده، كانت موضوع الربع تون، وكان لابد للعلماء العرب أن يتنبهوا لهذه النقطة، حيث أن الربع تون غير موجود أصلا في الموسيقى العربية.

 

إن أول من ذكر هذا السلم ذا أرباع التونات هو شهاب الدين المصري في كتابه سفينة الملك ونفيسة الفلك والدكتور ميخائيل جرجيس مشاقة ( 1800 – 1888 ) في كتابه الرسالة الشهابية وقد شرحه شرحاً مفصلاً وأتى عليه بالبراهين الحسابية والهندسية ، ولم يعرف من أين أتى بكل هذا، حيث قبل هذا السلم كان السلم المعمول به هو سلم صفي الدين الأرموي البغدادي ( 613 – 693 هج ) وسلم الذين من قبله الكندي والموصلي والفارابي المؤلف من 18 نغمة محصورة بينها 17 بعداً غير متساوية إذ بقي سلماً موسيقياً عربياً معمولاً  به إلى أن ظهر السلم ذو 24 ربعاً والذي شرحه مشاقة في رسالته الشهابية.

     

وبالرغم من وجود العدد الكبير من أعلام الموسيقى الأوربية والذين كانوا حاضرين في المؤتم، إلا أنهم لم ينبهوا المؤتمرين إلى حقيقة هذه النقطة، وهي عدم وجود ربع التون في الموسيقى العربية، وإنما أوغلوا في إغفال هذه النقطة المهمة والمفصلية في قياس السلم العربي ،  فبقي ربع التون العقبة في إيجاد السلم العربي ، حيث وكما معلوم فإن السلالم الموسيقية تقاس من خلال تتابع الأبعاد بين النغمات.

ومن المعلوم لـدى جميع الموسيقيين والعاملين في مجال الموسيقى النظرية والعملية أنه من الصعب جداً أن نجد تتابعا سلميا مكونا من 24 صوتاً في الأوكتاف الواحد في الموسيقى العربية ، منذ فجر تاريخ الموسيقى العربية حتى يومنا هذا، وذلك لأن الأذن البشرية اكثر ما تستطيع أن تدركه إدراكا واضحاً ثابت القيمة هي القيم اللحنية التي يحملها توالي عزف أو غناء الاثني عشر صوتاً (السلم الكروماتيكي الملون) التي يتكون منها السلم المعدل المستعمل في أوروبا – والذي أصغر بُعد فيه هو نصف التون.

 

إذا نظرنا إلى موسيقانا العربية وإلى جميع المقامات الرئيسية والفرعية، ومن ثم تحليلها إلى أجناسها المكونة لها - حيث إن الجنس هو السمة الأساسية في الموسيقى العربية - فلن نلمس وجودا لبعد ربع تون بين أي نوطتين متتاليتين في جميع تلك الأجناس والتي عددها تسعة.  ليس هنالك مقام  واحداً في الموسيقى العربية يسمع فيه (التون ونصف التون وربع التون) في آن واحد ، مثلاً( مي بيمول – مي كاربيمول – مي الطبيعية بشكل متسلسل، وإنما هنالك أبعاد التون ، نصف التون ، ثلاث أرباع التون ، وتون ونصف، وليس هنالك بُعد ربع التون بين أي نوطتين متتاليتين في أي ٍجنس من الأجناس العربية المعروفة.

 

من هنا نفهم أن موضوع ربع التون الذي أعير الأهمية القصوى في محاولة إيجاد السلم العربي ــ وهو غير موجود ـــ كان قد حرف المسار إلى طريق مسدود في قياس السلم العربي، ولو كان جماعة المؤتمرين قد تنبهوا إلى هذه الحقيقة لكانت الأبحاث والدراسات والتجارب التي أجريت في مؤتمر الموسيقى العربية الأول  قد أخذت منحى آخر وربما استطاعت أن تطلع  بنتائج  أخرى تخدم موضوع  قياس السلم العربي  بشكل أفضل.

 

في الموسيقى الغربية يوجد سلمان موسيقيان هما السلم الكبير (Major)والسلم الصغيرMinor))، وكل سلم من هذين السلمين يمكن أن يبتدئ من أي نغمة على المدرج الموسيقي شريطة أن تتبع الأبعاد بين النغمات السبع نظاما رياضيا كالذي في السلم الكبير أو السلم الصغير، نفهم من هذا الكلام أن تحديد المقام إن كان كبيراً او صغيراً يعتمد على الأبعاد الواقعة بين نغمة وأخرى .. فإن كانت الأبعاد الفاصلة بين نغمة وأخرى تتبع نظام أبعاد السلم الكبير فهي مقامات كبيرة، وان كانت تتبع نظام أبعاد السلم الصغير فهي إذن مقامات صغيرة

 

السلم الكبير(Major)  في الموسيقى الغربية يقابله (مقام العجم) في الموسيقى الشرقية  (لأنهما يمتلكان نفس الأبعاد الموسيقية الفاصلة بين النغمات السبع).  والسلم الصغير(Minor)  في الموسيقى الغربية يقابله (مقام النهاوند) في الموسيقى الشرقية  ولنفس السبب .. وكذلك يجري عزف هذين المقامين (العجم والنهاوند) في الموسيقى الشرقية من مواقع نغمات مختلفة (أي من أي نغمة كانت ) من السلم الموسيقي تماماً كما في الموسيقى الغربية.

 

أما عند الشرقيين فقد تعددت المقامات وتعددت تسمياتها وتعقدت مسائلها، وإن أي تغيير في نغمة بداية المقام أو في ترتيب الأبعاد السبعة من السلم أو أي تغيير في كيفية إنهاء المقام جعلها مقاماً منفصلاً جديداً أعطي تسمية جديدة وسمي ذلك تصويرا للمقام.  فيقال مثلاً عجم عشيران وهو عجم على سي بيمول بينما يسمونه جهاركاه عندما يكون على درجة فا، كذلك بالنسبة لمقام الراست ومقام اليكاه، فالاثنان واحد وإنما الاختلاف فقط في نغمة البداية، حيث مقام الراست درجة استقراره وهي دو الراست ومقام اليكاه درجة استقراره صول اليكاه، وأن الأبعاد بين كل نغمة وأخرى هي نفسها .. ونفس الشيء بالنسبة لمقام الحجاز كار على درجة الراست، ومقام شد عربان على درجة اليكاه، والشاهناز على درجة الدوكاه اختلفت تسمياتها إلا أنها في الحقيقة سائر الأبعاد الموسيقية بين النغمات واحدة فيها جميعها.

أما عند الغربيين فتكون المقامات واضحة ومباشرة من خلال تسميتها ونظام الأبعاد الموسيقية التي تتبعها، أما عند الشرقيين فقد تفرع هذان المقامان بأشكال مختلفة، وهكذا نشأت مقامات عديدة تختلف عن بعضها في عرف الموسيقي الشرقي مثل الحجاز والنكريز والنوا أثر والحجاز كار والحجاز كار كرد واللامي وغيرها، علماً أن الموسيقى الغربية تستطيع أن تعزف من خلال السلمين الكبير والصغير جميع هذه الأنغام أو المقامات الشرقية وتعتبرها جزءا من المقامين الأساسيين الكبير والصغير.

 

كذلك قسمت الموسيقى الشرقية البعد الطنيني (البعد الكامل =1)  إلى أربعة أقسام بدلا من تقسيمه إلى قسمين كما في الموسيقى الغربية الأمر الذي أوجد عددا آخر من المقامات التي لا تستخدمها الموسيقى الغربية فنشأت مقامات مثل الرست والبيات والصبا والسيكاه والمخالف والبستة نكار وغيرها من المقامات التي يدخل فيها بعد الثلاثة أرباع بين بعض نغماتها، كما رفع عدد المقامات ـــ حسب إحصائية المؤتمر الأول للموسيقى العربية ــ إلى 94 مقاماً

 

كذلك أوجدت الموسيقى الشرقية بعدين آخرين يشار إليهما بعلامات التحويل نصف بيمول ويسمى كار بيمول والذي يخفض الصوت ربع تون، ونصف دييز (كار دييز) الذي يرفع الصوت ربع تون، وهاتان العلامتان غير مستعملتين في الموسيقى الغربية ، وهذه بدورها أوجدت مقامات جديدة نتيجة علامات التحويل هذه والتي تجرى على بعض النغمات من نغمات السلم الموسيقي.

 

نعود لما قاله البارون كارا دي فو، وهو أن قضية السلم الموسيقي العربي تحتاج إلى بعض المشتغلين في العلوم الرياضية ليتمكنوا من إيجاد العلاقات الرياضية التي يمكن أن تربط كل تلك المقامات وتنظمها في نظام رياضي هندسي للحصول على سلم موسيقي عربي تندرج تحته معظم المقامات الشرقية.

 

المصادر

بطرس، نعيمة صادق، البناء العلمي لاتفاقات النغم في الموسيقى العربية، رسالة دكتوراه، 1987

الحفني، محمود أحمد، الموسيقى النظرية، 1946

شوقي، يوسف، قياس السلم الموسيقي العربي، مركز تحقيق التراث ونشره، القاهرة، 1969

صلاح الدين، محمد، مفتاح الألحان العربية

فهمي، أمين، الموسيقى العربية طبقاً للمناهج الحديثة

كتاب مؤتمر الموسيقى العربية لسنة 1932، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007

محمد علي، أحمد يوسف، الاختلافات في دليل المقام والميزان في الموسيقى العربية: دراسة نظرية تحليلية، رسالة ماجستير، 2000

 

  المصدر: الوتر السابع