خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الغناء الريفي العراقي.. في الصوت لوعة وفي الفن ابتكار

. مقالات

صلاح حسن

الصورة والمفردة الشعرية في الأغنية الجنوبية ليست كمثيلتها في المناطق الأخرى،فتحت تأثير هذا التكوين الطبيعي والبيئي تكيفت أصوات المغنين بالفطرة لتأتي منسجمة مع إيقاع الحياة العام، ومنسجمة نغميا مع أصوات الطبيعة المائية الخضراء. أما الإرث الموسيقي للمنطقة فقد تجلى باكتشاف أول الآلات الموسيقية مثل القيثارة في الحضارة السومرية (منذ أكثر من 7 آلاف سنة)، هذه الآلة التي تعد أقدم آلة موسيقية وترية عرفها الإنسان، وآلة العود في الحضارة الأكدية، وهي أول آلة موسيقية ذات ذراع عرفها الإنسان (منذ 4500  سنة).

 

الأطوار الريفية:

تسمى المقامات الريفية في العراق بـ»الأطوار ومفردها طور» وعدد الأطوار الريفية في العراق كثير، منها ما اندثر عبر القرون بسبب عدم التوثيق، ومنها ما لا يزال يستخدم إلى يومنا هذا مثل طور الصبّي، نسبة إلى الديانة الصابئية المندائية في العراق والملائي نسبة للطقوس الحسينية الملائية، والحياوي نسبة إلى أهل الحي في محافظة واسط.

 

ومنها ما ابتكر حديثا مثل طور الطويرجاوي نسبة إلى المطرب عبدا لأمير الطويرجاوي الذي ينتمي إلى مدينة طويريج قرب محافظة كربلاء، وطور جبير الكون، وهو اسم شخص عاش في مدينة النجف خلال النصف الأول من القرن العشرين، و الشطري نسبة إلى حي الشطرة في محافظة ذي قار.

 

أما الآلات الموسيقية فأهمها المطبج والناي اللتان اعتمد عليهما الغناء الريفي من القرن الرابع عشر إلى القرن التاسع عشر. والمطبج يصنع من الخشب، وهو عبارة عن قصبتين لا يتعدى طول الواحدة منهما 20 سنتمترا، يربطان سوية وينفخان بالفم، مثل العزف على آلة الناي. ومن خلال الثقوب وبملامسة الأصابع لها يخرج اللحن، أما أصل هذه الآلة فيعود إلى الحضارة الأشورية.

 

اعتمد الغناء الريفي إيقاعيا على آلة الدنبك، وهي آلة أكثر شيوعا في الغناء الريفي تشبه الطبلة في الموسيقى العربية اليوم،غير أنها تصنع من الفخار، فوهتها الكبيرة مفتوحة من الجهتينوتغطى بالجلد المدبوغ.

 

كما يستعملون آلة الخشبة الإيقاعية، وهي عبارة عن أسطوانة من الخشب بقطر 5 سنتمترات مفتوحة من الجانبين وضيقة من الوسط تغطى إحدى فتحاتها بجلد السمك الرقيق جدا.

 

ظل الغناء الريفي مغيبا لأسباب كثيرة، رغم وجود الكثير من المطربين الكبار والموهوبين الذين ابتكروا أنماطا غنائية حديثة من صلب البيئة الريفية، وأدخلوا في غناء الريف ألوانا كثيرة من الشعر الشعبي والفصيح والموشح.

 

ووضع بعض المطربين ألحانهم بأنفسهم رغم أنها كانت بسيطة التكوين لا تتجاوز الديوان (أوكتاف) الواحد أو بضع علامات موسيقية، وذات مقام واحد أو مقامين في أفضل الأحوال.

 

لكن تلك الألحان كانت شجية ومعبرة ومليئة بالعاطفة؛ وبساطة تركيبها كانت تجاري البساطة في الأغنية العربية خلال القرن التاسع عشر وبداية العشرين. والسبب الهام الذي جعل الغناء الريفي ينحسر كل هذه الفترة البعيدة حتى بداية القرن العشرين، هو انعدام وسائل الإعلام وعدم توفر المدارس الموسيقية في كل أنحاء العراق، وعدم اكتشاف تقنيات التسجيل.

 

أما في العقد الثاني من القرن العشرين وبسبب توافر وسائل الإعلام المسموعة ومن ثم المرئية فقد استطاع الغناء الريفي في العراق أن يحقق بعض الانتشار.

 

رغم ذلك ظل الغناء الريفي يعاني من التغييب منذ منتصف الخمسينيات لأسباب سياسية، قياسا على المقام العراقي والموسيقى الغربية التي دخلت العراق مع الاحتلال البريطاني في العشرينيات، وأخذت حيزا كبيرا في الإعلام والتعليم والمهرجانات والمحافل الموسيقية الدولية.

 

وبسبب الهجرة من الريف إلى المدينة منتصف الأربعينات عرف الغناء الجنوبي الانتشار وانحسر دور الألوان الأخرى.

 

في منتصف الستينيات والسبعينيات ظهر مطربون وملحنون وشعراء يستندون إلى إرث الغناء الجنوبي مثل سعدون جابر، وحسين نعمة، وفاضل عواد، و يس خضر، وفؤاد سالم، و قحطان العطار، ورياض أحمد، وحميد منصور الذين استطاعوا أن يثبتوا إمكاناتهم وأن يأخذوا مكانهم الصحيح.

 

في هذه الفترة ظهر العصر الذهبي للأغنية العراقية، حيث اعتمدت على قصيدة عميقة تحمل هموم الجنوب وحكمته، قصيدة بعيدة عن ترف المدينة. وقد أصبحت لها مقدمة موسيقية طويلة ولوازم تتخلل الأغنية، وأصبحت مساحات الصوت الريفي أوسع من غيره بسبب التكوين الجغرافي وتعدد المقامات والإيقاعات.

 

إن المقارنة البسيطة بين أغنية (يا طيور الطايرة) وبين أغنية (طالعة من بيت أبوها) تجعلنا ندرك أن الأولى تحتوي على أربعة مقامات وثلاثة إيقاعات، أما الثانية فهي ذات إيقاع ومقام واحد كما يشير إلى ذلك أحمد مختار في واحد من بحوثه .

 

ومن أبرز الأسماء التي اشتهرت من الناصرية ناصر حكيم الذي اشتهر بصوته العالي والجهوري، وكان شاعرا وملحنا وله أغان مهمة في الغناء الريفي. ومنها أيضا حضيري بو عزيز ومسعود العمارتلي والمطرب الريفي داخل حسن.

 

وقد عاش هؤلاء في الفترة الزمنية نفسها، وكان داخل حسن الأكثر قبولا من قبل شركة «بيضا فون» بسبب خامة صوته النادرة، التي تمتلك ترددات صوتية توحي بأنها أكثر من صوت في آن واحد، مما يصطلح عليه في العراق "البحة" أو "التطويح"، حيث حصل على حيز جيد في مجال التسجيل. ثم تسارعت إليه الشركات لأنه يمتاز بحنجرة غريبة، إضافة إلى إحساسه العالي بالجملة الموسيقية والشعر الذي يغنيه. ورغم أنه كان رجلا أميا فقد كان مطربا ذكيا بالفطرة.

 

وفي عام 1948 شارك داخل حسن في التظاهرة التي تندد بتقسيم فلسطين، حيث رفعه الجمهور ليغني أغنيته المشهورة "أنا العربي تعرفوني" وإثر ذلك فصل من دار الإذاعة.

 

لكن بعد ثلاثة أشهر يتوسط له محبو غنائه لـيخرج من السجن ويعاد إلى دار الإذاعة. يمتاز داخل حسن بقدرته على اختيار شعر يدخل إلى القلوب بسلاسة، كما يمتاز بذاكرة قوية، فهو يجيد غناء كل الأطوار الريفية، ويمتاز بأداء متقن، غنى طور الشطري والمستطيل والمخالف والعياش حجاز والحياوي. أما طور المحمداوي فلم يغنه بكثرة، لأنه كان من اختصاص مدينة العمارة أمثال مسعود العمارتلي وسلمان المنكوب وفرج وهاب.

 

أما الفنان حضيري بوعزيز فهو لا يقل شأنا عن زملائه، كان خياطا في سوق الشيوخ يقضي نهاره بالغناء حتى مل منه أستاذه وأبعده عن الدكان، فركب ناصية الفن التي أوصلته إلى الشهرة؛ وله حكايات طريفة من خلال الأغاني التي ألفها ولحنها وقام بأدائها. لكنه اشتهر بأداء «الصبّي» والصبّي من نغمة النهاوند ويقرأ بالأبوذية وينسب هذا الطور إلى «الصابئة» فسمي باسمهم .

 

المصدر : جريدة العرب العراقية