خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

موسيقى العود العربية الحديثة: مزاوجة بين الموسيقى الشرقية والالكترونية

. مقالات

يجرِّب عازفو العود المعاصرون بآلتهم الموسيقية هذه أساليب عزف حديثة جداً.  ومع ثقتهم بصوت آلتهم الهادئ، فإنهم لا يخشون من استخدام أساليب عزف صاخبة ومضخِّمات صوت إلكترونية.  كيرستن كنيبّ يطلعنا على المشهد الموسيقي العربي الحديث لآلة العود.

الأخوة جبران .. نجاح مميز في اوروبا

صحيح أنَّ الموسيقيين يستخدمون بطبيعة الحال نغمات في عملهم؛ ولكنهم لا يكتفون بذلك فقط. ففي بعض الأحيان يراهنون أيضًا على السكون، خاصة عندما يعزفون على آلة موسيقية هادئة وذات نغمات معدّلة.  والعود واحد من هذه الآلات الموسيقية، وهو آلة موسيقية وترية عربية ذات زند قصير؛ وعندما يكون صوته هادئًا يخرج أصواتا تكاد تكون هامسة، يمكن بصورة خاصة سماع رنينها الإيحائي. وهناك ثلاثة موسيقيين يتقنون هذا العزف بين أداء دينامي وأداء مكبوح وبشكل ساحر خلاّب، هم الأخوة سمير ووسام وعدنان جبران.

أصدر هذا الثلاثي الموسيقي ألبومًا جديدًا اسمه "مجاز"، يعزف فيه جميع الموسيقيين على العود ويراهنون فيه على عزف سريع ونغمات ذات سرعة جنونية.  ولكن توجد في معزوفاتهم نغمات وخطوط هادئة، يزداد إيقاعها سرعة بالتدريج، ولكنه كذلك يفسح المجال أحيانًا لحوارات مكبوحة". وعلى الرغم من أنَّ الشرق يبقى مسموعًا في معزوفاتهم، إلاَّ أنَّه يبدو مجرَّدًا في رنين ضئيل.

 

أبو خليل من أهم عازفي العود العرب الذين لقوا نجاحا مميزا في أوروبا

وكذلك يبدأ عازف العود الماهر، ربيع أبو خليل معزوفاته بعزف هادئ. وفي ألبومه الأخير تعاون مع مطرب الفادو البرتغالي ريكاردو ريبيرو- آلة موسيقية حزينة وتقاليد غنائيه حزينة- تجمعا في الوقت نفسه الكثير من الحزن.  لذلك أخضعه ربيع أبو خليل وريكاردو ريبيرو لضغوطات في الأداء، إذ تجنَّب ريبيرو نوبات الفادو الحزينة جدًا، كما ضيَّق عليه أبو خليل بآلته الموسيقية ورافقه بأسلوب عزف حيوي وخشن أحيانًا.

​​وهذا الميل إلى هذا الأسلوب يعود إلى اتجاه ربيع أبو خليل الموسيقي؛ يقول هذا الفنان اللبناني واصفًا نفسه إنَّه ليس سفيرًا موسيقيًا لبلده، بل مجرَّد موسيقي إذا كان المرء يريد معرفة آلته الموسيقية. وهو لا يؤكِّد على هذا الوضع من دون سبب؛ فعادة ما يربط العود وكذلك آلات موسيقية قليلة أخرى مع محيط ثقافي معيَّن، وعلى وجه التحديد مع العالم العربي.  وأبو خليل لا يريد بأي حال ترك الآخرين يحدِّدون هويته الموسيقية ضمن إطار الشرق، فهو يبحث دائماً وأبداً بصفته موسيقي جاز عن إمكانيات تعبير جديدة.

 

مارسيل خليفة حلّق بألحانه في فضاء شعر محمود درويش

​​ولكن عازفي العود لم يقاطعوا الشرق جميعهم بهذا الشكل الحازم مثل ربيع أبو خليل.  فعلى سبيل المثال كثيرًا ما استخدم ابن بلده مارسيل خليفة التقاليد الموسيقية في العالم العربي استخداماً غير مقيَّد.  وكان ينجم عن ذلك أحياناً ألوان موسيقية مشكوك في أمرها، فيما وصفه مرَّة قبل عدَّة أعوام أستاذ الأدب المقارن والمفكِّر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد بصفة "الاستشراق"، أي استخدام جميع الكليشيهات التي يمكن أن ترتبط بالعالم العربي.  ولكن الآن أصدر مارسيل خليفة ألبومًا اسمه "تقاسيم" يستخدم فيه أسلوباً جديداً برمَّته.

وفي هذا الألبوم يستخدم مارسيل خليفة آلته الموسيقية ليغنِّي أشعارًا للشاعر الفلسطيني محمود درويش في أداء غالبًا ما يتجاوز نبرات صوت الشاعر المظلمة ويبتعد كذلك عن كلِّ السمات المحلية. ويرافق مارسيل خليفة في هذا الأداء العازف بيتر هربرت على الكونترباص وابن مارسيل خليفة الذي يعزف على آلات إيقاعية مختلفة.  وقد نشأ عن ذلك ألبوم رائع بديع وخفيف وظريف، مفعم بالألحان والنغمات الجميلة غير المسبوقة في حلاوتها.

ويبدو أنَّ هذه الاتجاهات الموسيقية الخفيفة والمرحة تصعد بسهولة من العود ولا تدع نغمات الكونترباص- أكبر آلات عائلة الكمان وتعزف وقوفاً- الجهيرة تطغى عليها إلاَّ في بعض الأحيان. وهذا الألبوم حديث في ألحانه ونغماته ولا يمكن اعتباره عملاً من موسيقى الجاز الصرفة ولكن لا يمكن تصنيفه كذلك من ألوان الموسيقى العربية.

 

جاذبية الموسيقى الإلكترونية

ويؤدي عازف العود التونسي ظافر يوسف في مقطوعاته مزيجاً رائعاً من ألوان موسيقية مختلفة بشكل منتظم مع عازفة القيثارة الفيتنامية الفرنسية المختصة بموسيقى الجاز، نغوين لي أو مع آخرين من كبار هذا اللون الموسيقي مثل عازف الإيقاع مينو سينيلو أو عازف الترومبيت ماركوس شتوكهاوزن أو عازف الباص ريناود غارسيا فونس.  ويخلق الدرامز والباص إيقاعًا حيويًا يغطيه تركيب صوتي ينشر فيه ظافر يوسف صوت عزفه الذي كثيرًا ما يكون مضخَّمًا إلكترونيًا.

​​وأداء ظافر يوسف الموسيقي يقترب من إيقاعات موسيقى الجاز، ذلك من خلال استخدامه لكلِّ إمكانيات التقنية الإلكترونية الحديثة من الصدى وحتى معدِّلات الصوت - أسلوب جمالي يستمد جاذبيته من كلِّ تلك التجارب التي أجراها موسيقيو الروك في القرن الماضي.

 

الجزائري الفرنسي مهدي حداب

لقد أثبت مؤخرًا الموسيقي الجزائري الفرنسي مهدي حداب قدرته على العزف على العود بأداء فريد وأكثر شدَّة. ويقول مهدي حداب إنَّه كثيرًا ما وقف يعزف مع موسيقيين غربيين على المسرح، وأثناء ذلك كان يواجه مراراً وتكراراً مشكلة عدم تمكِّن المستمعين من سماع صوت آلته الموسيقية، لذلك صمَّم عوداً إلكترونياً مزوَّداً بلاقط صوت إلكتروني ومضخِّم صوت خاص.   ومنذ ذلك لم يعد صوت آلة أخرى يطغي على صوت عوده، كما أنَّ مهدي حداب يستخدم الإمكانيات الجديدة بكلِّ ما يستطيع.

وأسلوبه في العزف يتجه تماماً نحو موسيقى الروك الحديثة وحتى نحو الهاردكور. وفي موسيقاه هناك بعض العبارات المتكررة وأداء فردي على غرار ما يعرف في العادة لدى عازفي القيثارات في فرق الروك الصاخبة، ومسارات عزف سريعة ونغمات معدّلة، بالإضافة إلى استخدام درامز إلكتروني والعزف على الباص بطبقات منخفضة - ينجم عن كلِّ هذا لون موسيقي يكاد كذلك يتعذَّر تصنيفه.

وقلَّما يلجأ عازفو العود الحديثون إلى عزف النغمات الساكنة؛ لذا فهم لا يعزفون على آلتهم بأداء أقلّ سحرًا وجاذبية. وفي أجمل اللحظات يبقى عزفهم على العود مغرياً وخلاَّباً من خلال نغماته الرائعة الهادئة التي تكاد تصل حدّ الغناء.

ترجمة: رائد الباش