خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

التراث الموسيقي والرواية الشفوية

. مقالات

فتحــي زغـنـدة

تنتمي الموسيقى العربية، بقسميها الكبيرين: القسم الذي اخترنا له مصطلح التقليدي والمتقن أو العالم، والقسم الشعبي، إلى موسيقى التقاليد الشفوية، فهي تعتمد الرواية كقناة أساسية لتواترها وتوارثها من جيل إلى آخر، لذا كان جمعها وعرضها وتدوينها بغرض نشرها وضمان استمرارها من المسائل التي اهتمّ بها الموسيقيون والباحثون والمسؤولون عن القطاع الموسيقي في مختلف الأقطار العربية. وسنتعرّض في هذه المقالة إلى أهمّ الإشكاليات المتعلقة بالجمع والعرض والتدوين وبأثر الرواية الشفوية كمصدر أساسي للجمع والثبت في ما اعترى التراث الموسيقي وما زال يعتريه من تغيّر.

1-جمع التراث وعرضه:

انطلقت جهود جمع التراث الموسيقي التونسي بعد تأسيس جمعية الرشيدية سنة 1934، حيث أدرك المشرفون على حظوظها أهميّة ذلك الجمع لتغذية برامج الفرقة الموسيقية التي تكوّنت إثر التأسيس، سيما أنّ الموسيقيين اختلفوا في أداء النوبات، إذ تعدّدت طرقه ولم يكن الاختلاف منحصرا في الأسلوب، بل تعدّاه إلى البناء اللحني. ومن ثمّ رأى مصطفى الكعاك بعد أن تولّى رئاسة الجمعية سنة 1941، أن يعطي لمسألة جمع التراث ما تستحقّـه من عناية، خوفا من تعدّد القراءات والتحريف وربّما ضياع الصيغ الأصلية "للمالوف"، وتقرّر بالتالي تكليف خميس الترنان (1894 - 1964) بالإشراف على جمع التراث المتكوّن من النوبات والموشحات والأزجال، وعهد لمحمد التريكي بتدوينها بالترقيم الموسيقي وأسندت مهمّة تنظيف الكتابة الموسيقية للحبيب العامري. واعتُمد في هذا العمل على مجموعة من الشيوخ من بينهم المنوبي بوحجيلة وعلي باناواس والصادق الفرجاني بإشراف خميس الترنان.

وتواصل الجمع والتدوين بنسق بطيء إلى سنة 1949، وأخذ صالح المهدي المشعل فتكفّـل بترقيم البشارف التونسية، وتعزّز هذا العمل بتسجيلات "المالوف" التي أنجزت في إذاعتي تونس وباريس. وتعدّ تسجيلات النوبات وعدد من الموشحات والأزجال التي نفّذتها الفرقة الموسيقية التي تكوّنت في إطار الإذاعة التونسية، مرجعا مفيدا ومكّنت من تقديم قراءة للمالوف هي ثمرة تعاون بين أحد أبرز شيوخه خلال النصف الأول من القرن العشرين، ونقصد الشيخ خميس الترنان، وعبد الحميد بالعلجية، أحد تلامذة الرشيدية وقد كُـلّـف بقيادة الفرقة الموسيقية للإذاعة التونسية. وتواصل تسجيل "المالوف" خلال السنوات الفاصلة بين أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن العشرين في إطار الإذاعة التونسية.

وبعد حصول تونس على استقلالها نشرت كتابة الدولة للتربية القومية الجزء الأول من "التراث الموسيقي التونسي" وتضمّن البشارف والسماعيات التونسية التي جرى تدوينها بالترقيم الموسيقي في إطار الرشيدية، ثمّ توالى نشر "المالوف" في مجموعة "أسفار" أصدرتها الوزارة المكلّفة بالثقافة، بعد إحداثها، بلغ عددها تسع نشريات تحمل عنوان "التراث الموسيقي التونسي" تضمّنت جانبا هاما من "المالوف" (مجموع النوبات التقليدية مع نوبات حديثة التلحين وموشحات وأزجال و"فوندوات").

وتعتبر القراءة الموسيقية لذلك التراث خلاصة لمحفوظات أبرز الشيوخ من رواة "المالوف" خلال النصف الأول من القرن العشرين، جمعتهم الوزارة المكلّفة بالثقافة بمناسبة مؤتمرات انعقدت بغرض تسجيل مختلف الروايات التي سجّلت عن أولئك الحفظة من الرواة، ومنهم خميس الترنان ومحمد التريكي وعبد الرحمان المهدي ومحمد الغربي (من تونس العاصمة) والحاج محمد بن اسماعيل وأحمد بن اسماعيل (من تستور) والجيلاني الملاف (من زغوان) ومحمد بودية (من صفاقس) وحمودة الزرقاء (من القيروان) والطيب الرايس (من بني خيار) وغيرهم.

ومازالت نشريات "التراث الموسيقي التونسي" تشكّل مرجعا لكلّ من يريد الإطلاع على "المالوف" وأدائه، رغم الجدل الذي أحدثه صدورها باعتبار اختلاف الروايات وعدم الاتفاق حول ما أدخله محمد الحبيب على النصوص الشعرية من "إصلاح" وما طال الموسيقى من "ضبط"، ومن أسباب الجدل الأخرى اعتراض شقّ من الموسيقيين والباحثين على اعتماد قراءة واحدة وموحّدة "للمالوف"، مشدّدين على ضرورة تعدّد القراءات التي من شأنها أن تجعل التراث حيّا ومتجدّدا...

وبذلت السلطات العمومية جهدا لنشر "المالوف" فأدرجت نماذج منه في برامج التعليم في المعاهد الثانوية وفي معاهد الموسيقى، الوطنية منها والجهوية، ووفّـرت المناسبات لعرضه، أهمّها "مهرجان تستور للمالوف" الذي تتوالى دوراته السنوية بنسق شبه منتظم منذ سنة 1967، والمهرجانات الجهوية للموسيقى التي تنظّم ببعض ولايات الجمهورية.

 وتدعّم هذا التوجه خلال التسعينيات من القرن العشرين حيث أعطت الدولة لجمعية الرشيدية مزيدا من الإمكانيات المادية واعتبرتها مؤسّسة مرجعية في مجال التراث الموسيقي التونسي، وساهم إحداث "مركز الموسيقى العربية والمتوسطية" في بداية التسعينيات من القرن العشرين، ساهم في نشر "المالوف" من خلال ما ينظّمه من أنشطة ذات صبغة علمية (جمع ودراسة وتوثيق)، وفنية (عروض "للمالوف" تقدّمها أبرز الفرق التونسية المتخصّصة في المجال) ويمكن اعتبار ما يقوم به هذا المركز امتدادا لما أنجزه البارون رودولف ديرلنجي (صاحب قصر "النجمة الزهراء" الذي جعل منه خلال الربع الأول من القرن العشرين مركزا لجمع التراث الموسيقي التونسي ودراسته ونشره...).

ومما لم يُذكر في الكتب المنشورة والمتعلقة بالتاريخ الحديث للموسيقى التونسية أن عديد المحاولات سبق لها أن رأت النور في تونس في مجال تدوين المالوف، فمكتبة مركز الموسيقى العربية والمتوسطية تعجّ بالمخطوطات التي تضمنت تدوينا بالترقيم الموسيقي لعدد من النوبات وغيرها من قوالب الموسيقى التراثية التونسية. وقد سنحت لي الفرصة الاطلاع على بعضها والاستماع لإحدى النوبات التي نفذتها مؤخرا مجموعة موسيقية بإشراف باحث في الموسيقى (مكرم الانصاري) أدت نوبة الصيكاه انطلاقا من رواية غير مسموعة للشيخ خميس الترنان وبخط الشيخ على الدرويش الحلبي (1884 - 1952) ويرجع تاريخ المخطوط إلى سنة 1932 أي قبل إحداث الرشيدية. علما أن هذا الشيخ قدم من سوريا إلى تونس بدعوة من الرشيدية لتعليم الترقيم الموسيقي والعزف لتلامذة هذه الجمعية الحديثة التأسيس.

إن الوثيقة المسموعة التي أصبحت اليوم في متناول من يريد الحصول عليها، بعد إصدارها من قبل مركز الموسيقى العربية والمتوسطية، تطرح اليوم إشكالا قديما حديثا: هل يتعين تدوين التراث بثبته بالترقيم الموسيقي؟ وهل أن مجمل التراث الموسيقي المتقن الذي نشر وسجل وشاع بين الناس هو الأفضل من بين مختلف الروايات التي قد تكون متواترة إلى يومنا هذا في بعض جهات تونس؟ وأي أدوات اعتُمدت في التدوين؟

ملاحظات حول نوبة الصيكاه برواية الشيخ الترنان:

إن مقارنة نوبة الصيكاه برواية الشيخ الترنان بسائر الروايات التي أدتها فرق أخرى أهمها الرشيدية وفرقة الإذاعة التونسية والمجموعة التي أشرفت عليها وسجلت نفس النوبة وصدرت في بداية التسعينيات من القرن الماضي بالتعاون بين وزارة الثقافة (تونس) ودار ثقافات العالم (باريس) تؤدي إلى الملاحظات التالية:

1- المقاطع المعزوفة:

-أ- الاستفتاح والمصدر: مختلفان من حيث اللحن اختلافا تاما

عن التسجيلات المتعارفة، باستثناء تشابه مع خانة صبا في المصدر - الطوق والسلسلة منسجمان مع الصيغ المتداولة

- ب - الفارغات: مختلفة تماما مع ما هو متداول في التسجيلات المشار إليها

-ج- التوشية: صيغة غير متداولة في أي تسجيل من التسجيلات المتوافرة لنوبة الصيكاه طغى عليها في البداية طبع المزموم

- د- المشد: قلّ تداوله في نوبة الصيكاه كما تؤدى منذ الخمسينيات من القرن العشرين: جاءت على لحن برول: قم ننظرُ وجه الحسن.

- 2- النصوص المغناة:

يلا حظ أن أغلبها متشابه مع الصيغ التي تداولتها الفرق التي لها تسجيلات لنوبة الصيكاه ويبدو الفرق واضحا في الأبيات والبطايحية رغم أن بداياتها متشابهة.  يلاحظ أن التغيير يشمل الحركات والعوارض كما في "حفيف ما أبدع النوار" الذي اشتمل على جملة رصد ذيل غير متداولة في الصيغ المنتشرة، كما يشمل التغيير تنزيل الكلمات على اللحن.

إن الفوارق التي أشرنا إلى بعضها تطرح جملة من التساؤلات منها:

هل كان الشيخ علي الدرويش الحلبي وفيا في طريقة تدوينه لرواية الشيخ الترنان؟ أي هل كان بالفعل عارفاً بأصول التدوين الموسيقي؟

 إذا كانت الرواية التي تنسب إلى الشيخ الترنان ونفذتها بكل أمانة فرقة من الموسيقيين الباحثين هي الرواية الأصلية لنوبة الصيكاه فلماذا لم يلتزم بها عندما كان ضمن اللجنة التي كلفت بتدوين التراث في الرشيدية؟ ولماذا تخلى عنها عندما أداها ضمن فرقة الرشيدية ولقنها لتلامذته وأشهرهم صالح المهدي والطاهر غرسة وعبد الحميد بالعلجية، هل خانته ذاكراته فاستبدل بعض الجمل وغيّر طريقة أدائها، ولماذا لم يلتزم بالرواية نفسها عندما كلفت الإذاعة التونسية بتسجيل نوبات المالوف، ولمن ترى يرجع وضع الاستفتاح والمصدر الذي سجل بالإذاعة هل هو حديث التأليف؟ ربما يكون لمحمد التريكي؟ وهل أذعن الشيخ الترنان لما أراده عبد الحميد بالعلجية من إضافات و"تهذيب" للتراث فأسبغ عليه من ذوقه الخاص ما رآه مناسبا لأداء "عصري" للمالوف؟ وهذا ما يجرنا إلى الحديث عن طرق عرض الموسيقى ذات التقاليد الشفوية.

2- طرق عرض الموسيقى التراثية:

تواجه الموسيقى التراثية إشكاليات تتعلّق بطريقة عرضها، فتقديمها للمتلقّي حيّة أو مسجّلة ضامن لرواجها وبقائها متداولة بين الناس، ومن المسائل التي تثير الجدل تركيبة الفرق أو المجموعات التي تتولّى أداء "المالوف"، فهل يكون من المستحسن أن تكون مصغّرة على غرار المجموعة التي شاركت في المؤتمر الأوّل للموسيقى العربية بالقاهرة سنة 1932، والتي اقتصرت على أربعة عازفين على آلات العود التونسي والرباب والنغرات والطار (الرق) إضافة إلى مغنّ، فلم يتجاوز عدد أفرادها الخمسة؟ أم يحسن أن يتطوّر عدد العازفين والمنشدين في الفرقة التي تؤدّي الموسيقى التراثية على غرار ما قامت به فرقة الإذاعة التونسية التي تولّت تسجيل النوبات في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن العشرين بقيادة عبد الحميد بالعلجية؟ وهي الصيغة التي اتبعها هذا الأخير عندما دعي لقيادة فرقة الرشيدية في السبعينيات من القرن نفسه؟ وهل يحسن إدخال آلات من أصل غير عربي من أقسام ذات القوس والنقر والإيقاع وغيرها من الآلات التي غزت فرق الموسيقى العربية منذ النصف الأول من القرن العشرين؟

إنّ ما يحمل على هذه التساؤلات أنّ المتلقّي يجد نفسه أمام فرق ذات أشكال متعدّدة لأداء "المالوف" فمن المجموعات المصغّرة إلى الفرق التي تضمّ أكثر من ثلاثين بين عازفين ومنشدين، مرورا بفرق الموسيقى النحاسية التي تؤّدّي في قسم من برامجها الفنية مقتطفات من النوبات والأزجال، بما يحدث نشازا باعتبار صعوبة استخراج بعض الدرجات من آلات النفخ المستعملة في هذه الفرق (كالترومبيت والساكسفون والكلارينيت وغيرها)، فهي غير مؤهلة ، بحكم صنعها، لأداء درجات السيكاه والعراق والأوج وما سواها من الدرجات المتكوّنة من أرباع المسافات.

وأعتقد أنّه لا توجد موانع مبدئية لاستعمال أي نوع من الآلات الموسيقية مهما كان الصنف الذي تنتمي إليه، وترية أو هوائية أو ذات النقر، شريطة أن يكون ذلك مستندا إلى أسس متّـفق عليها كاشتمالها على أرباع المسافات بالارتفاع أو الانخفاض الخاص بكلّ "طبع" من "الطبوع" التونسية وألاّ يمسّ بجوهر تلك الموسيقى ولا بمقوّماتها الأساسية وبأسلوب أدائها. أمّا ما يتعلّـق بتعدّد الآلات وكثرتها في الفرقة الواحدة فإنّ ذلك يصبح محمودا في صورة حسن توظيفها واستغلال المساحة الصوتية لكلّ منها بما لا ينتج عنه تضخيم للأصوات لا غير...

ومن المسائل التي يحسن أخذها بعين الاعتبار ظروف عرض الموسيقى التراثية ومكانها، حيث لا يكون من المستحسن تقديمها في أي وقت وأيّ مناسبة، فغناء "المالوف" كان في الماضي مرتبطا بعوامل عاطفية وزمنية، ويذكر مثلا أنّ نوبة "رمل الماية" كانت تؤدّى في المساء، وربّما يفسّر ذلك بما تضمّنه البيتان اللذان تفتح بهما:

"قدم المساء يا مرحبــا بقدومــه    وهذا النهار قد انقضى في سبيلـه

واقرا السلام على البساتين كلّها    وعلى الحبيب إذا اختـلى بحبيبـه"

أمّا نوبة "الذيل" فهي تصلح للسهر حيث يقول المثل العامي السائر: "إذا طوال عليك الليل، عليك بنوبة الذيل" ولذلك تفسير آخر وهو أن هذه النوبة تجمع عددا هاما من المقطوعات التي تؤدى غناء ومنها "البطايحية" التي يبلغ عددها سبع عشرة وقد دونت في السفر الثالث من "التراث الموسيقي التونسي" الصادر عن كتابة الدولة للشؤون الثقافية.

 

3-إشكـاليـات التدويـن:

 لم توثق الموسيقى التراثية العربية بصفة منهجية لزمن غير بعيد، رغم أنّ العرب ابتدعوا نظاما لتدوينها ما لبثوا أن تخلّوا عنه خلال عصور الانحطاط الثقافي، وبرزت الحاجة إلى التدوين من جديد مسايرة لحركة النهضة التي شملت جلّ أقطار العالم العربي الإسلامي ونتيجة لعدّة عوامل لعلّ من أهمّها الاقتناع بأنّ الإنتاج الفكري مقوّم أساسي من مقوّمات الشخصية العربية، وأنّ الحفاظ عليه من التلاشي والتشويه عامل يساعد على تأصيل هذه الشخصية ودرع يساهم في تقوية جسد الأمّة وحفظها من التصدّع.  ويندرج المؤتمر الأول للموسيقى العربية في هذا السياق، فقد كان مناسبة للتعريف عن كثب بخصائص الموسيقى الموروثة والمتداولة في مختلف الأقطار العربية، وسبر أغوارها والتمهيد لدراستها وتـقـنينها.

وساهم هذا المؤتمر إلى حدّ كبير في دفع حركة الجمع والتوثيق في أغلب الأقطار العربية، وشهدت تونس أولى حركات التدوين بعيد تأسيس المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية.

ومع ظهور هذه الحركة طرحت عدة إشكاليات واحتدم الجدل، فتباينت الآراء بين مؤيّد يرى في التدوين وسيلة كفيلة بالمحافظة على التراث من التلاشي أو التحريف، ورافض يخشى من إقحام الموسيقى في قوالب جامدة تتعارض مع الممارسة الفعليّـة المعتمدة أساساً على الإبداع الآني والمتجدّد.

وإضافة إلى ذلك طرحت إشكالية الوسائل التي يمكن اعتمادها للتدوين، فالموسيقى العربية فقدت وسائل كتابتها منذ قرون، ولم يبق سوى استعمال الترقيم الأوروبي...

وتنحصر أهمّ الإشكاليات ذات الصلة بتدوين الموسيقى العربية في عناصر ثلاثة تتمثّل في عدم ملاءمة النظم القديمة لكتابة الموسيقى العربية مع تطوّر هذه الموسيقى نغما وإيقاعا، وفي اختلاف النظريات حول تكوين السلّـم الموسيقي العربي وتحديد الأبعاد المكوّنة لمختلف المقامات، وأخيرا في تنوّع الأنظمة الإيقاعية.

أ- الكتابة الموسيقية العربية القديمة:

تتّسم المادة الموسيقية الموروثة عن العرب بالغزارة وقد مرّت من جيل إلى جيل عن طريق الرواية والتواتر، ويزخر "كتاب الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني (897/967 م) بالأخبار المتعلّـقة بالغناء وأهله، إلا أن جلّ المعلومات التي تضمّنها الكتاب، على أهميتها التاريخية، لا تفيد الباحث في تقنيات الموسيقى العربية القديمة إلا قليلا، ولا تمكّن من معرفة طبيعة الألحان التي كانت متداولة في القرون الأولى من الإسلام، ولا معرفة الإيقاعات وطرق أدائها، كما أن أجزاء الكتاب لا تشير إلى استخدام نظام معيّن لكتابة الموسيقى العربية، ولم يُعثر فيما خلّفه العرب من كتب على ألحان عربية مكتوبة بنظام معيّن كالنوتة أو الترقيم الموسيقي.

ومع ذلك فقد أجمع المؤرخون على أن العرب استنبطوا قبل فتحهم للأندلس (711/712 م) عدّة أنظمة للتدوين الموسيقي، من بينها النظام المشتق من الحروف الأبجدية، وقد ورد ذكره في "كتاب الأصوات" لشمس الدين الدمشقي (القرن 17 م).

ويعتمد هذا النظام على الحروف الأبحدية السبعة الأولى وعلى الأشكال الهندسية، كالدوائر والمستطيلات والخطوط الملوّنة التي يتراوح عددها بين الستة والإثـني عشر خطّا.

من ذلك أنّ المستطيل الحاوي لتسعة خطوط يستطيع اشتمال تسعة أصوات، ويمكن في هذا النظام أن يدلّ اللون الأزرق الفاتح على البعد بالكل واللون الأسود على هفت المقام أو الدرجة السابعة منه وهكذا...

واستعمل العرب الحروف للدلالة على أزمنة العلامات الإيقاعية، فالألف قد تستعمل لربع الوقت والباء لنصفه والثاء للوقت الواحد والذال للوقتين والياء للأربعة أوقات...

وهذا النظام، على طرافته، لا يستجيب إلى كّل متطلّبات التدوين الموسيقي الدقيق، ولعلّ هذا العائق جعله لا يلقى الانتشار المنتظر، فقلّـما يعثر الموثّـق على نصوص موسيقية قديمة اعتمد في كتابتها على الطريقة المشار إليها، وهو ما قد يبرّر استبدال هذا النظام تدريجيّا بالترقيم الموسيقي الأوروبي. ففي تونس مثلا، يرجع تلقين هذا الترقيم إلى عهد المشير أحمد باي الأول (المتوفى سنة 1855) الذي حرص على تكوين طاقم موسيقي في نطاق المدرسة العسكرية التي أسّسها، فجلب لها عددا من أساتذة الموسيقى من ايطاليا وفرنسا لتلقين التلامذة أصول العزف والترقيم.

ولبيان بعض جوانب هذه الإشكاليـّات المتعلّقّـة بالناحية الإيقاعية اخترت نصّين من التراث، الأول فوندو "من فراق غزالي" من التراث التونسي وقد بني على إيقاع "المدوّر حوزي" والثاني دارج لسماعي نهاوند للشيخ علي الدرويش وزنه دارج:

* النمـوذج الأول:

جاءت كتابته في السفر التاسع من نشرية التراث الموسيقي التونسي (وزارة الثقافة – تونس) في مقاييس قسمت فيها المشالات إلى وقتين اثنين ويحتوي كل وقت على قيمة ثلاث مشالات وهو تقسيم معتمد في الأوزان المركّبة أي التي يتركّب كلّ وقت فيها من ثلاثة عناصر متساوية في الزمن، فالمفروض إذا اعتمدنا هذا التقسيم أن يكون في كل مقياس وقتان وستة أجزاء، على أنّ إيقاع المدوّر حوزي لا يحتمل في رأيي هذا التقسيم إذ ينبني على مجموعتين كالآتي: وقتان قوي وضعيف وأربعة أوقات أولّها قوي، فالقسمة الثلاثية فيه لا تبرز الأوقات القوية والضعيفة التي تميّز هذا الإيقاع. لذا وجب كتابة النص بطريقة مختلفة تنطلق من التركيبة الذاتية للإيقاع، ونضع بدليل الإيقاع: 8/6 (8/2+8/4)  وبذلك تبرز خليتا الإيقاع.

* النمـوذج الثانـي:

دوّن في كتاب الموشحات الشرقية في مقاييس 4/6، قسمت فيها الأوقات إلى ست سوداوات أو ما يعادلها، مع العلم أن أداء اللحن لا يطابق هذا التقسيم الزمني بل بني على التقسيم الثلاثي الذي يعتبر أساس الموازين المركّبة، فإذا غيّرنا طريقة الكتابة بتحويل كلّ وقت من الأوقات الستة، التي يحتويها كل مقياس، إلى أوقات مركّبة (ثلاثية) تصحّ القراءة أو العزف.

إن الفارق في طريقة تدوين النموذجين ليس شكليا بل يمسّ الجوهر ألا وهو البنية الذاتية لكلّ إيقاع.

لقد انعكست القضايا التي أشرنا إليها على تدوين الموسيقى العربية الإسلامية، فتعدّدت طرق الكتابة خاصة فيما يتعلّـق بالمقامات والإيقاعات التي لا نجد لها مقابلا في الموسيقى الأوروبية، لذا بات من الضروري إقرار الترقيم الموسيقي الأوروبي كأداة لتدوين الموسيقى الشرقية مع توحيد المصطلحات والرموز المتعلقّـة بالعوارض الدالة على المسافات الخارجة عن الأبعاد وأنصافها والتي نجدها متداولة في موسيقى بلاد العرب والفرس وفي الهند وتركيا وحتى في بعض مناطق الصين، وإخضاع النصوص الموسيقية إلى تقسيم زمني في إطار مقاييس تتماشى والأنظمة الإيقاعية العربية الإسلامية.

ومن الإشكالات الأخرى التي تعترض تدوين النصوص التي تؤدى غناء صعوبة وضع المقاطع التي تغنى على مختلف الدرجات الصوتية باعتبار أن طريقة الترقيم تكون من الشمال إلى اليمين في حين تكون الكتابة العربية في الاتجاه المعاكس، وهو ما حدا بعدد من الموسيقيين في أقطار عربية وإسلامية إلى تغيير اتجاه التدوين الموسيقي بحيث يصبح من اليمين إلى الشمال...

الخـــاتــمــة:

وخلاصة القول أنّ الموسيقى التقليدية التونسية ما زالت تبحث عن حلول لإشكاليات تتعلّق بنقلها من جيل إلى جيل وبطرق عرضها بما يساعد على ضمان استمرار تداولها ويجعلها أكثر نفاذا إلى قلوب الناس ووجدانهم باعتبارها تحمل إرثا عريقا ومنطلقا لنهضتهم.  وتتعرّض هذه الموسيقى كسائر الموسيقات المتداولة في الأقطار العربية الإسلامية، من مشارف بلاد الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا مرورا ببعض مناطق آسيا الوسطى، إلى صعوبة تدوينها، فهي في حاجة إلى نظام محكم يضمن محافظتها على خصوصياتها اللحنية والإيقاعية، وهو عمل لا يمكن أن يقوم به شخص بمفرده، مهما أوتي من علم، بل يحسن أن تتولاّه لجنة من الخبراء العرب والمستشرقين ممّن اهتمّوا بهذا المجال، ليواصلوا العمل في مجال توحيد المصطلحات وإقرار نظام لتدوين الموسيقى العربية الإسلامية بطريقة تضمن لها أوفر حظوظ الابتعاد عن التشويه، هذا إذا أجمع الموسيقيين والباحثون على جدوى التدوين كأفضل وسيلة لحفظ التراث ولكن أي تراث ولأي جهة ولأي رواة؟...