خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

المكونات البنائية للموسيقى الأندلسية

. مقالات

عباس الجراري

 

الحديث عن المكونات البنائية، يقتضي منا أن نعرف أولا كيف نشأت هذه الموسيقى في الأندلس؟

يمكن القول أن هذه الموسيقى انطلقت من أنماط الموسيقى التي كانت موجودة في شبه الجزيرة الأييبيرية، أو كما يقول المؤرخونمن الموسيقى النصرانية، أي قبل أن يحل المسلمون ببلاد الأندلس. ثم بعد ذلك، أتيح لهذه الموسيقى المحلية، إذا شئنا أن نعبر، أن تتأثر بالأشكال الموسيقية والغنائية التي كانت تفد من بلاد المشرقومعروف أن المشرق يومئذ، كانت تزدهر فيه حركة الغناء وحركة الموسيقى، سواء في الحجاز أو في بغداد ودمشق كذلك.  وسيفد عدد من رجال الفن ومن نساء الفن على الأندلس  من هنا وهنك، وسيحدث نوع من التداخل ونوع من التطعيم وتبادل التأثر والتأثير بين هذه الموسيقى المحلية، التي سميت عند المؤرخين موسيقى نصرانية. وهذه الأشكال والأنماط التي جاءت وافدة من بلاد المشرق. وهذا التأثير المشرقي في الموسيقى المحلية سوف يتبلور شيئا فشيئا عبر ظواهر مختلفة.

 

المؤرخون يقفون عند محطات معينة بها يؤرخون للتطور الذي عرفته الموسيقى في الأندلس. وربما من أهم هذه المحطات مجئ زرياب إلى الأندلس، زرياب الذي كان تلميذا للموصلي، ولأسباب مختلفة يغادره وياتي إلى الأندلس. يأتي ليقدم للأندلسيين ـ يومئذ ـ بعض النماذج الحضارية، بعض الأشكال الفنية، بحيث يتحدثون عن كثير من التقاليد التي أدخلها.  بعضها يمس الموسيقى والغناء، وبعضها يمس أداء هذه الموسيقى، وبعضها يمس جوانب حضارية تتعلق باللباس وبطريقة حلاقة الشعر وبالأكل …إلخ . تكفينا الإشارة إلى المضراب الذي كان يضرب به على العود، وكذا إضافته وترا خامسا إلى العود الذي كان معروفا في الأندلس يومئذ وكان بأربعة أوتار.

 

زرياب إذن يحل بالأندلس في عهد يمكن أن نقول إنه كانت الأندلس فيه تطبع بالطابع العربي. الدولة الأموية بعد أن انتهى أمرها في المشرق، سوف تجد لها مقرا في الأندلس، وسوف تصبح هذه البلاد مقر الوفود التي تاتي. وكان الخلفاء الأمويون يستدعون العلماء والأدباء والفنانين والجواري المغنيات . هذه محطة. ثم إن هذه الموسيقى، التي هي ذات أشكال مختلفة ومتباينة سوف يهيأ لها فيما بعد (القرن الرابع وبصفة خاصة القرن الخامس الهجري) من يضبطها، ومن يقننها، وهنا محطة أخرى في غاية الأهمية وهي المحطة التي يمثلها الفيلسوف الأديب الفنان الموسيقي ابن باجة الذي سوف يقعّد هذه الموسيقى، وينظّر فيها مستفيدا مما كتبه الفارابي والكندي في المشرق، وسوف يعطي لهذه الموسيقى وللغناء في الأندلس، قالبا معينا وإطارا مضبوطا، بل نظريا كذلك.

 

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن سوف يتشكل الفن الموسيقي في الأندلس  انطلاقا من مكونات محلية ستحدث في الأندلس، فما هي هذه المكونات؟

 

نحن قد عرفنا الأرضية ـ إن شئنا القول ـ التي ترعرعت فيها الموسيقى في الأندلس. هذا أمر تاريخي لم نشأ التفصيل فيه، لكن هذه المكونات التي سيتأسس عليها الفن الموسيقي الأندلسي، على النحو أو على قريب من النحو الذي وصلنا في هذه القرون المتأخرة، ما هي؟

 

هناك مكونات أساسية، نتحدث عن مكونين اثنين منها، نعتبرهما قوام الموسيقى الأندلسية:  أما المكون الأول فهو مكون شعري، وهذا المكون يسير في اتجاهين: اتجاه أول هو الموشح واتجاه ثاني هو الزجل.  وكما نعرف من الناحية التاريخية الأدبية أبدع شعراء الأندلس نمطا جديدا من التعبير الشعري هو الذي يسمى الموشح، وكذلك أبدعوا نمطا آخر هو الذي يسمى الزجل. فما هو الموشح وما هو الزجل؟

الموشح هو قصيدة شعرية ولكنها لا تخضع لوحدة البيت ولا تخضع كذلك لوحدة القافية، ولكنها مقسمة إلى أقسام أو مقاطع، بعضها يسمى "أقفالا" وبعضها يسمى "أبياتا" هذا النظام الذي يسير عليه الموشح، يقتضي أن تكون الموشحة قائمة على مجموعة من الأقفال ومجموعة من الأبيات. الأقفال متشابهة في الوزن ومتشابهة في القافية. أما الأبيات فمتشابهة في الوزن فيما بينها ومختلفة من حيث القافية، ثم إن هذا الموشح، يعنى فيه بالمقطع الأخير الذي يسمى الخرجة. وحين ننظر في الموشحات الأندلسية، نجد هذه الخرجة إما باللغة المحلية الرومانية وإما باللغة العربية العامية، ومعنى هذا أن الأصل في الموشح هو الأغنية الشعبية المحلية التي كانت بالقشتالية أو بالرومية أو ما إلى ذلك. واستدعى الشعراء مقطعا من هذه الأغنية وبنوا عليه الموشحة.

 

لماذا جاءت الموشحة على هذا النمط من التقسيم، فيها اختلاف وتنوع في الأقفال وفي الأبيات سواء من حيث الوزن أو من حيث القافية؟ لكي تكون صالحة للأداء الغنائي. ولهذا لولا التزاوج والارتباط بين الموسيقيين في مجالس الموسيقى والغناء، وبين الشعراء الذين كانوا يضعون الكلمات للأغاني ما كان ليكون الموشح. الموشح كنمط شعري ظهر في مجالس الأمراء والخلفاء والمغنين والمغنيات لكي يكون شعرا صالحا للغناء.

 

أما الزجل فهو كالموشح مع فارق واحد، هو أنه باللغة العامية، وهو أيضا كان خاضعا للغناء ولمقتضيات هذا الغناء والأداء اللحني.  هناك من يرى أن بعض هذه الموشحات، على الرغم من أنها معربة أي جاءت على الوزن العربي وجاءت باللغة العربية الفصيحة، فإنها لا يستقيم لها وزن إلا باللحن، وهذا معروف، تحدث عنه المنظرون والنقاد الذين تحدثوا عن الموشح ومنهم ابن سناء الملك المصري الذي أكد في "دار الطراز" :"إن الموشح أو كثيرا من الموشحات لا يستقيم لها وزن إلا باللحن" وهذا معناه، التداخل الذي كان بين الموشح وبين الموسيقى والغناء، وكذلك بين فنهما والزجل.

 

إذن يمكن القول إن الموسيقى الأندلسية وجدت الإطار أو الهيكل الذي أتيح لها أن تنطلق منه أو أن تغنيه بالنغم سواء أكان هذا النغم محليا صرفا أو متأثرا بما جاء به العرب فيما بعد وما تمخضت عنه حضارتهم وثقافتهم.

 

المكون الثاني للموسيقى الأندلسية مكون نغمي، وهو الذي نسمع عنه كثيرا ونردد الكلمة عنه في كثير من الأوقات. وهو النوبة، نعم النوبة اشتهرت في الأندلس. ولكنها كانت معروفة في المشرق من قبل وكانت معروفة عند العرب. والنوبة ـ قبل أن يصبح لها مدلول متميز في الموسيقى الأندلسية ـ كان لها مدلول من قبل، كان لها معنيان اثنان: المعنى الأول هو "المرة" يعني فلان يغني مرة أو مرتين أو ثلاث مرات. وهذا الاستعمال الأول.

 

أما الاستعمال الثاني فهو النوبة بمعنى "الدور" فيقال فلان جاءت نوبته أي جاء دوره. كان المغنون يجتمعون فيقولون مثلا هذا دور ابن فرناس، هذا دور قمر، هذا دور طرب…إلخ، كل مغن له دوره أي له الوقت الذي يتدخل فيه، هذه هي المعاني التي كانت معروفة في البلاد العربية وفي المشرق وانتقلت إلى الأندلس كذلك.

 

ولكن النوبة في الموسيقى الأندلسية، بعد أن استقر لها كيانها وأحرزت هذا الكيان بحكم العوامل التي سبق الإشارة إليها في البداية، وبعد أن بحث مؤطرون وفنانون في الموسيقى وقعدوها، ومع الهيكل الشعري الذي أصبح مناسبا لأداء جديد أصبحت النوبة تكتسي معنى آخر، هو المعنى المتداول لحد الآن فما هو؟

 

النوبة هي مجموع القطع أو الأطراف أو الأجزاء التي تشكل الأداء الموسيقي في نطاق محدد، هذا العمل متكامل، يعني مجموعاً من المقطوعات ومن الألحان ومن الأنغام، بعضها يكمل بعضا وبعضها يأخذ بتلابيب بعض.  كل ذلك أصبح يسمى "النوبة" وهذا هو المعنى الذي استقر في الأندلس وارتبط بالموسيقى الأندلسية، باعتبار هذه النوبة مكونا نغميا أساسيا.

 

إذن المكون الشعري (التوشيح والزجل) مع المكون النغمي (النوبة) هما اللذان أعطيا للموسيقى الأندلسية بناءها الذي نريد الحديث عنه.

 

هذه النوبات، مرتبطة بطبوع تساير وتلائم مختلف أوقات الإنسان على مر الأيام والفصول .  لكن النوبات التي وقع التأريخ لها والتي انتهت إلينا والتي لم تبق مجرد كلام يقال في كتب التاريخ، هي هذه النوبات التي وصلتنا، والسؤال هو: هذه النوبات التي وصلتنا ، هل هي كل النوبات؟ بطبيعة الحال لا، ليست هي كل النوبات، ولكن هي النوبات التي استطاع الأندلسيون أن ينقلوها، أو استطاع المد الحضاري بين المغرب والأندلس ـ بصفة خاصة ـ أن يحتفظ بها، والمغرب كان له دور كبير في حفظ هذه النوبات وفي حفظ ما ساقه هذا المد على العموم.

 

هذه النوبات ضاعت أو ضاع بعض أجزائها لأنها كانت تعتمد على عنصر أساسي وهو الارتجال الذي يكاد يكون من المميزات الأساسية للموسيقى الأندلسية.  وقد أثر الارتجال حتى في أوروبا وغيرها حيث لم يكونوا يرتجلون، ولكن تأثرا بالموسيقى الأندلسية، استفادوا من قضية الارتجال سواء الارتجال داخل أداء بعض الصنائع أو ما إلى ذلك.  إذن بسبب هذا الارتجال ضاع كثير من التراث الموسيقي الأندلسي القائم على النوبات، ولكن ما احتفظ به المغاربة ـ بالمفهوم الواسع ـ هو هذه النوبات المحددة التي نقول عنها إحدى عشرة نوبة، وهي:

        1 ) الأصبهان.

        2 ) الحجاز الكبير.

        3 ) الحجاز المشرقي.

        4 ) العشاق.

        5 ) الماية.

        6 ) رمل الماية.

        7 ) الرصد.

        8 ) غريبة الحسين.

        9 ) رصد الذيل.

        10 ) عراق العجم.

11 ) الاستهلال.

هذه النوبات ـ ولا أريد أن أطيل بذكر معلومات تفصيلية عنها ـ كل منها تؤدى على طبوع معينة، وهي خمسة طبوع: البطايحي، القائم ونصف، القدام، البسيط، ثم الدرج.

 

نتيجة انتقال الموسيقى الأندلسية إلى المغرب الكبير، تظهر ثلاث مدارس متميزة، كانت هناك المدرسة الإشبيلية التي ازدهرت في ليبيا وفي تونس والتي سيتجلى من خلالها المالوف، ثانياً المدرسة الغرناطية التي ستزدهر في الجزائر، ثم المدرسة التي عرفت في المغرب الأقصى وهي المدرسة البلنسية التي ازدهرت فيه إلى جانب المدرسة الغرناطية.

 

عند الحديث عن هذه المدارس وما نقلت من  نوبات وطبوع، تثار ملاحظة مهمة وهي أن المغاربة لم يقتصروا على ما وصلهم من الأندلس، ولكنهم أضافوا إليه نوبة وميزانا، أما النوبة التي أضافوا فهي الاستهلال، مع أننا نجد الكلام عن الاستهلال في كتب تاريخ الموسيقى وفي كتب التراث الموسيقي، كان بهذا الإسم وكان موجودا  في  القرون الأولى بالأندلس، قبل أن تتشكل النوبة، ويقع الحديث عن الاستهلال مع ابن باجة ـ بصفة خاصة ـ ومع ذلك يقال إن المغاربة في العصر السعدي هم الذين أضافوا نوبة الاستهلال، ويقال إن الذي أضاف هذه النوبة هو علال البطلة. أما الميزان الذي أضافه المغاربة، فهو ميزان الدرج. ويؤكد مغربية هذا الميزان وجود ظاهرة تتعلق بالبراول وهي عبارة عن مقطوعات ملحونة باللهجة العامية المغربية، ليست من الزجل الأندلسي ولا من الموشح ولا من القصيدة الفصيحة المعربة، البراول تكاد تكون كلها قطعا من الملحون.  والذي يثير الانتباه أن أغلب ما ينشد في الدرج ويقال فيه، هو من البراول.

بقي أن أشير وأنا أتحدث عن النوبات وميازينها إلى أن الموسيقى في أعلى مظهرها هي موسيقى "الخمسة والخمسين": يقال مثلا أن السلطان قد نصر وضربت عليه موسيقى "الخمسة والخمسين"، وهذا معناه الموسيقى الكاملة أي إحدى عشرة نوبة مضروبة في خمسة ميازين، وهذه هي موسيقى "الخمسة والخمسين".

 

حين انتقلت هذه النوبات إلى المغاربة ضاعت منهم مع مرور السنين بعض الميازين، وبعض الصنائع، وبعض الطبوع وغيرها بحكم الشفوية والارتجال وتتابع التداول.  ومن ثم أخذوا يفكرون في شئ مهم، وهو تدوين هذه الموسيقى، فاهتدوا إلى تدوين نصوصها الشعرية التي هي المكون الشعري (الهيكل).  وهنا يذكر الحايك التطواني منذ قرنين في "كناش الحايك" الذي جمع فيه النوبات التي كانت معروفة في عهده من خلال نصوصها الشعرية موزعة على الميازين التي تؤدى عليها.

 

بطبيعة الحال، تعرض "كناش الحايك" لبعض التطوير، كما فعل المختار الجامعي إذ وضع تعديلا في الكناش، وهناك كنانيش متعددة، لكن بعضها مختصر وبعضها فيه تعديل. ويبقى "كناش الحايك" التطواني هو الأساس والمرجع.  وقد طبع مترجما إلى اللغة العبرية، واهتم به الإسبان وغيرهم، كما كانت هناك محاولات كثيرة لطبعه منها محاولة امبيركو الذي كان يطبع كل نوبة في سفر، ثم كانت محاولة ازويتن، والمحاولة التي قام بها عبد اللطيف بلمنصور وآخرون. ونظرا لأهمية الكتاب فإن أكاديمية المملكة المغربية منكبة على طبعه وعلى إخراجه إخراجا علمياً، وتم تكليف الأستاذ مالك بنونة، من قبل الأكاديمية، للقيام بهذا العمل تحت إشرافي أي بتحقيق الكناش بعد أن تجمعت لديها نسخ مخطوطة كثيرة.

 

ثم إن هناك ملاحظة أخرى، وهي أن "كناش الحايك" بهذه النصوص التي كانت في أصلها نابعة من مجالس الغناء، يضم أشعارا متصلة بالنسيب وبالغزل وبمجالس الخمر وما إلى ذلك، والسؤال الذي يطرح هو: لماذا ليست هناك موضوعات أخرى؟ إن الأنماط الموسيقية الأخرى التي عرفها المغرب مثل الملحون الذي يتضمن كثيرا من هذه الموضوعات هو نفسه سار في أدائه على ميازين النوبات الأندلسية، الأمداح النبوية، هي أيضا سارت على ذلك، بل إن بعض رجال المديح النبوي قلبوا نصوص الحايك، وكل ما هو في الغزل وفي الخمر وما إلى ذلك، وحولوها بأن وضعوا أشعارا في المديح النبوي، وهذا ما كان معروفا حتى عند الشعراء الوشاحين، لأن التوشيح ـ حين بدأ ـ بدأ بالغزل وبالخمر ولكن بعد ذلك دخل مجال التصوف، وبدأ الشعراء يضعون موشحات في الغرض الصوفي، وأحيانا تكون على نمط موشحة أخرى في الغزل، ويسمون هذه الموشحة "المُكَفِّرْ"كأنهم حين يضعون موشحة يكفرون بها ما كان من قبل، ولهذا توجد لدينا كنانيش من نوع "المكفر"، ولعل أول كناش في هذا المجال هو الذي جمعه محمد أحضري المراكشي وكان معاصرا للحايك أو هو يعد كذلك وكناشه للأسف غير منتشر وغير معروف وكله في المديح النبوي ومقسم حسب النوبات والطبوع المعروفة.