خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

سيد درويش عبقري التجديد في الموسيقى العربية

. مقالات

بقلم أثيل حمدان

 

"طلعت يا محلا نورها "، "زوروني كل سنة مرة"، " سالمة يا سلامة" .. أغان التصقت بذاكرتنا الجمعية العربية، وعانقت مخيلاتنا، وبقيت تغريدات فريدة، تجسد قيمة سيد درويش ونبوغه. لا بل إنها استمرت في الق واستحضار، بدت معهما متوارثة بالجينات، كونها، مع الكثير من أعمال الشيخ الراحل، كانت قريبة تلامسنا بصدقها. وتعكس الواقع بشفافية، لايمان صاحبها بضرورة نقل الموسيقى العربية الى مرحلة الواقعية. وبذا أصبحت هذه الاعمال، بمثابة لبنة الثورة الموسيقية العربية الأولى .

تطرق الكاتب والمفكر الراحل عباس محمود العقاد، في فصل من كتاب أصدره بعد رحيل الزعيم المصري سعد زغلول، الى أثر عبقرية سيد درويش، في تطوير الموسيقى العربية. وكان لمثل هذه الكتابات، دور كبير في تعريف الناس بدور سيد درويش وريادته وحجم ما قدمه، مقارنة بمعاصريه ومن جاؤوا بعده، من أمثال: محمد عبد الوهاب وزكريا أحمد ورياض السنباطى ومحمد القصبجي وكمال الطويل، وغيرهم .

وكثيرا ما كان الملحن المصري الكبير كمال الطويل يتكلم على تميز سيد درويش عن معاصريه، بما معناه أنه وعلى رغم وجود عظماء من الملحنين الذين عاصروا سيد درويش ودرس أعمالهم (مثل: محمد عثمان وكامل الخلعي وابراهيم فوزي )، الا ان وجودهم القوي لم يكن كحضور سيد درويش في المكانة والعبقرية والخلق الموسيقي والتأُثير في الأجيال اللاحقة. والسبب في رأيه، هو ان سيد درويش، هو الذي قام بالثورة الأولى في الموسيقى العربية .

لا يمكن لنا أبدا أن ننسى مدى وطبيعة اعجابنا الكبير بهذه القامة الفنية العربية، حتى ولو ان الاعلام الان لا يوليها كبير الاهتمام. فمن منا يستطيع أن لا يتذكر او يذكر تأثره الكبير بسيد درويش؟ ولا يفوتنا هنا، ما حظي به من تقدير واحترام، من قبل قامات وعمالقة الفن العرب، إذ اولى الرحابنة، اعماله، اهتماماً خاصاً.  وركزوا على فهمهم النوعي لفكر سيد درويش الموسيقى، من حيث استخدام الأساليب العصرية، وذلك كتوظيف التوزيع الجديد والآلات الحديثة وإبراز إيقاعات جديدة، ولكن من دون تدخل في اللحن الاساسي، وهذه هي قيمة الإحساس بالعمل الكبير، وعدم المساس به، تحت أي مبرر كان.

حمل سيد درويش في عقله توجهات جديدة، نتجت عن دراسته موسيقى الشرق والغرب، ووجد ضالته في المسرح الغنائي، لأن فيه وسيلة وفرصة ذهبية للوصول إلى هدفه الذي لم يطمح إليه موسيقي عربي من قبل، وهو التعبير الموسيقي عن مدلول النص، فقد كان هدفه كتابة موسيقى يفهمها الإنسان في أي مكان، عابرا حواجز اللغة، لأن الموضوعات التي اشتهر سيد درويش بتلحينها، في مسرحه كألحان الطوائف والألحان الشعبية، في وقته، امتلأ بها مسرح الخلعي وداود حسني.

ولكن لم يظهر كتاب جدد ليلحن لهم سيد درويش، بل العكس هو الصحيح، إذ ظهر سيد درويش فجأة لكتاب المسرح الغنائي الذي كان منتشرا، ولم يأت به سيد درويش، كما يعتقد الكثيرون، إلا انه أحبه وبذل الكثير من أجله، وكذلك قدم الشخصيات المسرحية ببراعة ونجاح وبأداء ونكهة مميزة تعبر عن كل شخصية فللجندي طريقة في الكلام. وكذلك الخياط والأمير والصنايعي. وكذلك للمغربي والشامي والبيروتي، لكل لهجته الخاصة. وساعده في ذلك، أن النصوص كتبت بلهجات أصحاب الشخصيات وبمصطلحاتها المهنية الخاصة، فنحن نفهم ونشعر على الفور ليس فقط بالصورة العامة للشخصيات بل بأدق تفاصيله .

وأما سبب تفرد موسيقى سيد درويش، كاتجاه جديد قلب الحالة الموسيقية، فهو ذلك السحر الجديد المتمثل في شعور الجمهور، بأن هذه الموسيقى الجديدة، ليست مجرد الحان وانغام، فهي تنطق بالمعنى، ترسمه بدقة واخلاص. فلا داع للصياح في نص غزلي ولا سرعة مع الكلمات الحزينة، ولا بطء مع الكلمات المرحة، ولا رقة في نص يميل الى الحماسة. كل هذا كتب بحيث تنسجم الصور الموسيقية مع معاني الكلمات .

سيبقى الكتاب يسردون القصص وجوانب من مهارة سيد درويش وقدراته المميزة في التعبير باللحن عن الشخصيات أو الشعوب، فهو القادر على تمكين السامع تخيل صور الشخصيات ومواقفها حتى لو لم يشاهدها. وهذا ما استفاد به من الاطلاع على المسرح الاوبرالي، وهذا النوع من الطرح الدرامي الموسيقي، لم يكن واردا قبل الشيخ سيد درويش .

 

صاحب مشروع

اصطدم سيد درويش بإدارات الفرق التي تريد الكثير من الهزل، إلى جانب القليل من الجد، كما تريد تقليص النفقات، فعمل على إنشاء فرقته الخاصة، ليستقل بنفسه وينفذ مشروعه الشخصي البسيط، فهو كان يريد ببساطة، موسيقى أفضل، وكان المسرح هو الوسيط المناسب.

ومن المؤكد أن طموحاته لم تكن مسرحية أو مادية، بل كانت موسيقية بالدرجة الأولى. ولكن اللافت اننا نقرأ عن صديقه ورفيق دربه، بديع خيري، حديثا، مفاده أنه عندما عانت فرقته من مصاعب مادية، كان ينزل في وسط البلد وهو مفلس، فيسمع ألحانه بينما كانت تقدمها الفرق الأخرى، وبذا يعود إليه، حينها، إحساسه بالسعادة، فينسى ما كان فيه من هم وغم، فهو لم يعتبر نفسه محترفا ابدا. ولطالما اعتبر نفسه هاويا، إلى درجة العشق: عشق الفن والجمال والحرية والتعبير. ولم يكن الفن عنده، مهنة لكسب لقمة العيش، إنما رسالة سامية وبمثابة واجب وطني.

فقد كتب مقالات موسيقية في الصحف، لتوعية الجمهور وتثقيفه، واعتبر هذا الميدان، أحد واجباته تجاه المعشوقة الابدية، إذ كان يختم مقالاته، بتوقيع (خادم الموسيقى سيد درويش)، ثم قرر أن ينشر كتابا يضم مدونات ألحانه. واتفق مع إحدى الصحف على نشر الكتاب في حلقات . ومع كل هذا، تمنى سيد درويش أن يفعل شيئا طالما حلم به، وهو أن يذهب إلى أوروبا، وإيطاليا بالذات، موطن عبقري الاوبرا فيردي، كي يستزيد من العلوم الموسيقية، وليقدم ألحانه في أفضل صورة .

وعلى رغم رحيله عن الحياة في سن مبكرة، يبقى سيد درويش عبقريا، لأنه ظاهرة عربية واضحة الملامح، حتى وان أختفى مسرحه الغنائي، فهو موجود في واقعنا الثقافي والفني، فلو سألت مثقفا عربيا، اينما كان في الاقطار العربية، عن سيد درويش، فسيدندن لك احدى أغانبه أو الحانه الشهيرة، مثل: طلعت يا محـلا نورها أو زوروني كل سنة مرة.

ترتكز مدرسة سيد درويش الفنية، على مبادئ أساسية، أهمها اختيار الموضوع والكلمات، ومن ثم يأتي جانب التعبير عن الموضوع والكلمة باللحن،  وكان يختار أنغامه من الجذور الشعبية وتأتي صياغة جمله اللحنية في أبسط صورة ولكن بتراكيب حديثة متطورة وإيقاعات شابة مليئة بالحيوية. فقد توجه سيد درويش بالموسيقى نحو الأصول الشعبية والتحديث، في آن واحد، ذلك لأن الموسيقى كانت تعاني القلة، وذلك من عزف وغناء وتأليف وتلحين، كما انحصرت في الاهتمام بالقوالب الشكلية والزخرفة، بصرف النظر عن الجوهر والمضمون.

ويقول الكثير من الموسيقيين: (كلنا خرجنا من عباءة سيد درويش )، وذلك طبعا، لأنه كان المجدد الأول في العصر الحديث، ولأن التطور الذي أحدثه، كان كفيلا بمد من جاؤوا بعده من الفنانين بمدد لم ينفد بعد. وها هي السنوات تمضي وتمضي بينما تبقى ألحان سيد درويش دررا ثمينة في مكتبتنا الفنية، وها نحن، في طور ذكرى الـ 80  سنة على رحيل الشيخ.  ولا تفوتنا الاشارة هنا، الى أن المتتبع لآثار فن سيد درويش في أعمال الآخرين، لا يجدهم فقط قد ساروا على نهجه، وإنما يجد مقاطع كاملة من أعماله في إبداعاتهم.

رحم الله سيد درويش الذي وضع مقاماً موسيقياً جديداً أسماه "زنجران".  كما ألف أعظم الألحان المسرحية حتى الآن، وكتب عشرة أدوار غنائية من مقامات مختلفة.  إنه رجل مبدع أهدى الغناء للجميع بعد ما كان مقتصراً على المطربين المحترفين .. عبقري ظهرت آثاره الفنية في كل ما جاء بعده من موسيقى.

المصدر : جريدة البيان الاماراتية