خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

كيف خطفت أم كلثوم "إنت عمري" من محمد عبد الوهاب؟

. مقالات

بقلم : مصطفى الضمراني

قال لي الشاعر الكبير أحمد شفيق كامل - رحمه الله - وكانت تربطني به علاقة وثيقة إن ما لا يعرفه الناس أن أغنية "إنت عمري" لم تكن مكتوبة لأم كلثوم ولم يخطر ببالي أن تطلب إلي أغنية لتغنيها في حفلها الشهري الذي تنقله الإذاعة على الهواء مساء الخميس الأول من كل شهر، ولم يخطر ببال محمد عبد الوهاب أيضا أن تكلفه بتلحين أغنية فهي مكتفية برياض السنباطي الذي يجهز لها أغنية افتتاح موسمها الغنائي وأغانيها الجديدة وهو أستاذها الذي تربت على يديه وحفظت ألحانه وعاشت معها سنوات طويلة، ولكن هذه الأغنية كانت لعبدالوهاب ليغنيها بنفسه مثل كل أغنياته التي تغنى بها لكبار الشعراء وعندما انتهيت من كتابتها ذهبت إليه في شقته المطلة على نيل الزمالك فسمع الكلمات التي أعجبته جدا وأمسك العود وبدأ يلحن مذهب الأغنية وأنا جالس أمامه من كثرة إعجابه بالكلام خصوصا المذهب الذي يقول:

رجعوني عينيك لأيامي اللي راحوا

علموني أندم على الماضي وجراحه

واللي شفته قبل ما تشوفك عينيه

عمر ضايع، يحسبوه، إزاي عليا

أنت عمري اللي ابتدا بنورك صباحه

ولم أترك عبدالوهاب إلا بعد أن وضع اللمسات الأولى لمذهب الأغنية واتفقنا على أن يكمل اللحن ويسجل الأغنية لشركة صوت الفن التي يملكها واتفق مع مستشاره القانوني مجدي العمروسي على ذلك ولما اكتملت الأغنية طلب عدم الحديث بشأنها لأي جهة إعلامية لأنه كان شديد الكتمان على كل الأغاني التي يلحنها لنفسه أو لغيره من كبار المطربين والمطربات وانتهى عبدالوهاب من تلحين الأغنية بأكملها وطلب إلى أحمد شفيق كامل الحضور لسماع لحنها النهائي. وبالفعل ذهب إليه شفيق وسمع منه الأغنية التي سجلها على آلة العود بصوته وطلب إليه شفيق إعطاءه نسخة من هذا التسجيل الذي كان يحتفظ به لنفسه في منزله.

وشاءت الظروف أن يتدخل كبار الشخصيات التي تربطها علاقات وثيقة مع أم كلثوم أن يسألوها في أكثر من مناسبة لماذا لا تتعاملين مع الموسيقار عبد الوهاب حتى الآن وأثير حوار طويل من كبار النقاد والكتاب والصحفيين حول عدم تعاملها مع عبد الوهاب الأمر الذي جعلها ترضخ لهذه الرغبات الكثيرة واتصلت بعبد الوهاب تطلب إليه اختيار أغنية لتغنيها في موسمها الغنائي الجديد دون أن يتحدث مع أحد بشأنها وطلب عبد الوهاب إلى أم كلثوم إعطاءه مهلة شهر للبحث عن الكلمات وجلس مع أحمد شفيق لبحث الأمر وكيفية إنقاذ الموقف وجاءت فكرة لعبد الوهاب وهي أنه لن يجد عملا غنائيا ينافس به السنباطي ويدخله الموسم الغنائي لأم كلثوم سوى أغنية "إنت عمري" التي كان كتبها له شفيق ليغنيها بنفسه خصوصا أن اللحن رائع جدا ويناسب أم كلثوم.  ورحب شفيق بالفكرة واستقر رأيهما عليها وبخاصة وأن أحدا لم يعلم بأنها كانت في الأساس أغنية لعبد الوهاب نفسه ولم يبح بها للصحافة ولا لأي مخلوق سوى صاحب الكلمات ومستشار صوت الفن مجدي العمروسي كاتم أسرار عبد الوهاب الذي اقترح بدوره على عبد الوهاب أن يعلن قيامه بوضع لحن جديد لأم كلثوم في الصحف المصرية والعربية وطلب عبد الوهاب إلى شفيق إخفاء التسجيل الذي أعطاه له بصوته على آلة العود ولا يتحدث مع أحد عن حكاية "أنت عمري" سوى أنها أغنية جديدة كتبها أحمد شفيق لأم كلثوم بتكليف من عبد الوهاب وبلغ الخبر الكاتب الصحفي جليل البنداري الذي كثيرا ما كان يطلب إلى أم كلثوم أخذ لحن من عبد الوهاب وأنه سيكون مفاجأة ينتظرها العالم العربي كله.  ونشر البنداري خبر لقاء أم كلثوم بعبد الوهاب في أغنية للموسم الجديد بأنه لقاء السحاب وانتشرت هذه العبارة التي أخذها عنه كمال الملاخ وامتلأت الصحف والمجلات بحدث هذا اللقاء الكبير وبعد شهر ونصف الشهر استمعت أم كلثوم للكلمات وطلبت إلى رئيس فرقتها عازف القانون الأول محمد عبده صالح إجراء بروفات الأغنية في "استديو مصر فون" بالعتبة.  وجاء موعد الحفل وعاش عبد الوهاب في حالة خوف ورعب من دخول هذه المعركة خصوصا أمام رياض السنباطي. وكان البنداري والملاخ يؤكدان له أنه سيحقق نجاحا مبهرا.  وفي يوم الحفل حيث لا مكان لقدم في سينما قصر النيل والجمهور الواسع الذي يتابع الحفل على الهواء جلست أم كلثوم خلف الستار لتجد عبد الوهاب يرتعش ويمسك بالمصحف ويقرأ آيات من القرآن الكريم ويطلب إلى الله النجاح والتوفيق.  وظهرت أم كلثوم على المسرح وبدأت تغني "إنت عمري"، وانبهر الحضور بالكلمات واللحن وطلبوا إعادة كل مقطع مرتين أو ثلاث مرات لتنتهي الأغنية مع الثانية صباحا.  وخرج الجمهور ليحيط بأم كلثوم وسيارتها وعبد الوهاب لايزال باقيا على المسرح يبكي من شدة الفرح وهذا النجاح الكبير لأغنية أم كلثوم التي لم يعلم أحد أنها كانت لعبد الوهاب وأن القدر جعلها من نصيب أم كلثوم وأنها من أجمل ما غنته لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.  وحققت الأغنية أكبر نسبة مبيعات في تاريخ أم كلثوم.

المصدر:  الأهرام الرقمي