خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

في غيبوبة العقل الموسيقي العربي المعاصر

. مقالات

ما الذي يجعل العقل الموسيقي العربي المعاصر مصابا بالانفصام (شيزوفرينيا) المزمن الذي يبدو أن لا شفاء منه.  وهذه حالة معقدة جدا أفضت إلى كوارث ونكبات أصابت الحياة الموسيقية العربية، خاصة «ويا للمفارقة» مع وجود الجامعات والمعاهد الأكاديمية التي تخرّج المئات من الموسيقيين سنويا الذين سرعان ما يأكلهم الإهمال والنسيان، وكأن عليهم أن يدفنوا حلمهم ومشروعهم النبيل بمباركة ومساندة هذا العقل الذي لم يعد قادرا على استنباط الحلول ومواجهة الواقع المأساوي لهذا الفن.

إنها غيبوبة موصوفة فرضتها عوامل كثيرة من أهمها،كما يرى العديد من البحاثة العرب، الخروج التدريجي عن مسار الدور والرسالة، وإعلاء مناخات التقليد والتبعية، بما أدى لاحقا  إلى هذا الانفصام المر، وبالتالي الانفصال عن الواقع الموسيقي العربي الذي يحوي بين ضفتيه تقاليد وأنماطاً يصعب حصرها نالها الإهمال والتهميش والإقصاء، وهنا يكفي المرء أن يقرأ كيف توالت هذه الأزمات منذ أكثر من قرن دون أن تلوح في الأفق خطة استراتيجية واحدة قابلة للتحقيق تضع هذا الفن في مداراته الإبداعية المنشودة على الرغم من كل الذخر الإبداعي المديد الذي حققه العقل الموسيقي العربي القديم.  وهذا بحد ذاته يطرح أسئلة مريرة عن تأبيد هذا الانفصام وترسيخه على مدى حقب وسنوات، وإلا كيف نفسر حالة التناقض المرعبة التي تسود اليوم المشهد الموسيقي العربي عندما يئن تحت وطأة العابر التجاري، على الرغم كما أسلفنا من وجود المكانات الأكاديمية التي من المفترض أن تحمي هذا الفن وتحصّنه من الوقوع في براثن الروح الاستهلاكية التي تسود العالم.  فما نفع المؤتمرات الموسيقية العربية وتوصياتها ومقرراتها ما لم توجد قابلية لتنفيذها وجعلها تثمر وقائع وحقائق جديدة تضع هذا الفن النبيل في مساره الإبداعي الحداثي المنشود؟  وما جدوى اللغة الأكاديمية العالية إن كانت ستذوي وتذوب في مستنقع البعد الاستهلاكي الرخيص؟  إنها تساؤلات ملحة أفرزتها التحولات الكبيرة التي طرأت على مناخات الكتابة والممارسة وهي تحولات نالت كما نعلم من خصوصية الإبداع في هوية هذا الفن، كما أثّـرت في قراءة ومواكبة الثورات الموسيقية الباذخة التي قامت في موسيقات الشعوب بعد أن اجترح موسيقيوها معالم الطريق المنشود انطلاقا من النقطة التي توقف عندها المؤسسون والرواد العظام الذين حموا بوعيهم وروح انتمائهم إلى اللغة الموسيقية الإنسانية العالية الإرث القديم عبر تناوله ومحاولة تجديده وترسيخه كأحد معالم الفكر الإبداعي الذي هو في النهاية قاسم مشترك ورافد حقيقي للسفر الثقافي والحضاري الإنساني، الذي تشرفت كل الأمم ببناء معالمه وروحه الكلاسيكية العالية.  ولعل متاهة العقل الموسيقي العربي تبرز اليوم وبشكل فيه الكثير من العجز والإحباط، عبر التناقض الحاد ما بين أروقة هذه المكانات الأكاديمية ومناهجها الكلاسيكية العظيمة وبين المكانات الإعلامية التي نبتت كالفطر السام بما تستبيح وتهمش اللغة الموسيقية التي تؤنسن الحياة وتجعلها ممكنة في مواجهة كل البشاعات والنكسات الروحية والوجدانية التي تصيب الإنسان، فما يُدّرس في الجامعات والمعاهد العليا لا يجد طريقه مع كل الأسف إلى مسارب الإعلام وقنواته التي تبث الكثير من القبح والرداءة عبر الإصرار على تسليع هذا الفن كبضاعة تجارية تخضع للعرض والطلب كأي سلعة عابرة للعقول، وهنا يقف العقل الموسيقي العربي تائهاً وعاجزاً عن استنباط الحلول الناجعة، التي من شأنها أن تحدث توازنا ما بين هذين النهجين المتضادين، اللذين نراهما يتماشيان في مسار حياتي واحد في كافة هذه الموسيقات إلا الموسيقى العربية المعاصرة التي بات البعد التجاري الرخيص يحركها ويقودها ويهيمن عليها.  ومع ذلك لا بد من القول إنه وعلى الرغم من حالات الإحباط واليأس التي تنتاب الموسيقي العربي اليوم إلا أنه نجح ولو بحدود ضئيلة في مواجهة الرداءة والسطحية التي تحاول السير على أنقاض كل ما هو جميل وجليل في هذا الفن، ولهذا علينا ألا نلوم هذا الموسيقي الذي تكبله عقبات عديدة لا تنتهي وسط حصار إعلامي خانق للغته الأكاديمية والمعرفية، وهو حصار يأخذ أبعادا وأشكالا مختلفة تبدأ بتأمين لقمة عيشه وصولا  إلى توافر منصات إعلامية ونقدية تساهم في تقديمه والدفاع عن مشروعه الموسيقي البديل، بما يتيح أيضاً للمتلقي أن يستعيد بعضا من عافيته السمعية التي خطفتها الأعمال الحسية التي تعلي الغرائز وتشرعنها، نعم هذه القضايا المصيرية هي في حقيقة الأمر قواسم مشتركة عند كل الشعوب وتحديدا لدى الشعوب الفقيرة النامية التي تحاصرها وتهمين عليها سطوة الآخر اقتصاديا وإعلاميا وغيرها، وهو ما يجعلنا نؤكد أن الصراع طويل وممتد  إلى آخر المدى، مابين اللغة الموسيقية الروحية واللغة الموسيقية الاستهلاكية المريضة  إلى حد الموت تعبيرياً وجمالياً، والتي على الرغم من سطوتها على مقاليد هذا الفن بفعل المال الفاسد الذي يتمدد بشكل كارثي ينذر بتحولات خطرة خاصة على تشكيل ذائقة جديدة ومغايرة للأجيال بما يعني انقطاعا كليا عن موروث هذا الفن وإرثه الإبداعي العظيم، هي على الرغم من كل ذلك أعجز من أن تحتل مكانة ما في الذاكرة الجمعية العربية التي تربت ونشأت على حقائق موسيقية وغنائية لها مكانتها الإبداعية وفرادتها الفكرية، ومن الصعب جداً محوها واقتلاعها لأن البديل هنا ينهل من بئر الاستهلاك العابر التي لا ماء إبداعية فيها، بل زبدٌ سرعان ما يذوي وينطفئ كما تخبرنا به نتاجات اللغة المعولمة، التي باتت تجتر خيبتها وانكسارها على المستوى القيمي والجمالي، بعد أن وصلت إلى مرحلة الفراغ الروحي والوجداني، ولهذا لا بد من أن يستفيق هذا العقل من غيبوبته التي طالت كثيراً في سبيل عودة الروح والحياة إلى موسيقانا التي كانت وما تزال رافداً إبداعياً راسخاً للثقافة العربية في كل أزمنتها الإبداعية الخالدة.

المصدر: صحيفة الوطن السورية