خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموسيقى والتغيير

. مقالات

عناية جابر

التغيير في المجتمعات يصبح ضرورة لا غنى عنها عندما يصل المجتمع الى مأزق لا يعود ينتج نفسه من جديد في شروط عادية.  وهذا يحدث في المجال السياسي عندما تتأزم المؤسسات ولا تعود تستطيع إدارة الصراعات على نحو سلمي.  لكن متى يمكن الكلام على ضرورة التغيير في المجال الفني؟  ما هي المعايير أو المؤشرات التي يمكن اعتمادها بثقة لكي تُطرح عملية التغيير الفني.

طبعاً من السهل هنا القول إن شروط التغيير هي هي في كل الحالات، وإنه يمكن الدلالة على التأزم الفني انطلاقا من تعطل الأطر والأشكال التي يعتمد الفن عليها للبروز. غير أن الحقيقة تقتضي الاعتراف بأن الأمر أيسر كثيرا في مجالات الإجتماع والسياسة منه في المجال الفني.

مناسبة هذا الكلام ظاهرة تكاثر حاملوها مؤخراً يدافعون عن أطروحة التجديد في الموسيقى العربية منطلقين من عجزها برأيهم عن التعبير عن المشاعر والأحاسيس الحديثة في العالم. الأهم في هذه الظاهرة هم المقلّدون كالعادة الذين يتجهون نحو التجديد دون تكليف أنفسهم عناء الإطلاع على ما سبق تجديده متّكلين في ذلك على نظريات العارفين.

كثيراً ما نسمع منذ فترة عن وصول الموسيقى العربية إلى مأزق لم يعد يمكن معه إنتاج أي جديد فيها. الانفتاح والتجريب في المجال الفني ضرورة مستحبة.  غير أن البون شاسع جداً بين التجديد والتقليد.

ليس هنا المجال للكلام على الجانب التقني من الموضوع، لكن تكاثر الفنانين الذين يلجأون إلى استعمال آلات موسيقية غربية في اعمالهم متخلّين نهائياً عن آلاتنا المعروفة، كما إلى قوالب ومقامات وإيقاعات غربية تدعونا الى التساؤل إن كان هذا النوع من الفنون ينخرط في سياق تجديد موسيقانا أم انه اعتراف ضمني بعجز موسيقانا الكلي عن اللحاق بركب العصر الحديث وبوسائل التعبير المعاصرة.

الانتقال الكلي من مناخ الموسيقى العربية إلى مناخات ليست جديدة تماماً في الموسيقى الغربية يقود إلى مناخ فكري يقف خلف هذا النوع من التأثر والتثاقف والتلاقح. مناخ فكريّ لا يقف عند حدود تأزم الموسيقى العربية كموسيقى بل يمتد إلى أبعد من ذلك.  فالتخلي عن كل ما يميّز موسيقانا لتبني قوالب الآخرين قد يعكس رؤية قيمية.  وهو ليس فقط حكم قيمة أعلى أو أدنى- بل هو تخلٍ عن ضرورة التجديد.

لن ندخل عملية تقويم مفصلة لكل فنّان يتبنى مثل هذه الطروحات فهم كثر ولا يمكن جمعهم في توصيفة موحدة تتيح قراءة واحدة وبسيطة.  أعمالهم تتفاوت بالتأكيد من الساذج التجاري إلى العالم المعقد.  ما يهمنا في هذا الإطار هو معرفة الأسسس التي انطلقوا منها لمعرفة مظاهر الأزمة. استطالة أزمة التأليف والكتابة بالموسيقى المحلية لعقود طويلة مثلاً؟ هجر الجمهور العربي المستمع لهذا النوع؟ تناقض الحياة السريعة مع بطء الإيقاعات العربية وطول أغانيها؟ عدم تحمل الإذن المعاصرة للتنوع الهائل وغير المحدود للمقامات الشرقية واختصارها بمقامين وحيدين تسهيلا.

إذا اعتمدنا هذه المعايير كسبيل للدلالة على الأزمة العميقة التي تستدعي مثل هذا التجديد فلا شيء فيها يشي فعلاً بضرورته. فالتوقف عن الكتابة والتأليف ـ على فرض توقفه- بالموسيقى العربية لم يلاحظ إلا لأسباب السوق ومتطلبات التجارة الحديثة وبعض المتعهدين. ناهيك أن التجديد فيها من خلال احترام روحها ومقاماتها لم يتوقف يوماً رغم كل ما يقال هنا وهناك. من السيد درويش مروراً بزكريا أحمد والسنباطي وصولا الى محمد عبد الوهاب وتجارب الأخوين رحباني ووديع الصافي حتى لا نذكر غيرهم.

وبالرغم من إغراق السوق ومنذ سنوات طويلة بعدد هائل من المغنّين والمغنّيات والأغاني التجارية فلقد اثبتت برامج المسابقات الفنية الأخيرة على شاشات التلفزة أن الناس ما تزال تختار الأصوات الجميلة التي تغنّي لأم كلثوم وأسمهان وليلى مراد وغيرهم من الجيل القديم. ألا يشكل هذا دليلاً على فشل الموجة الجديدة التي تفرض فرضاً بالنتيجة على أذواق الجمهور في محاولة لمصادرة ذوقه وتراثه؟

تعلق الجمهور بموسيقاه إلى هذا الحد يؤشر ربما على تعلق الجمهور بروحه ومناخه الثقافي الخاص به والذي يشكل مخزونه التراثي. وما بني على قرون لا يمكن هدمه بعقود وبهذه البساطة. ثقافة الهامبرغر لا يمكن نقل تجربتها إلى عالم الفن عند الشعوب بهذه التلقائية. الثقافة عند الشعوب ليست وليدة الأنظمة الإقتصادية ولا السياسية حتى تذهب معها وتتغير بتغيرها. الثابت طبعا لا يصمد أمام الزمن. وما صمود موسيقانا خلال دهور إلا دليل على تجددها وتطورها الدائم.

تقليد موسيقى الآخرين ونقلها والترقيع بها مع ما يرافقه من تحقير معلن أو مضمر لموسيقانا هو في أغلب الظن أكثر من انبهار غير مبرر بموسيقى "الرجل الأبيض" لأنه المسيطر والقوي. أما الكلام على التلاقح بين العالمين فينفيه التلاقح باتجاه واحد ولا يطال إلا موسيقانا وحدها. وحتى يكون التجديد تجديداً لا بد من التخلي عن السعدنة الموسيقية والتبحر في تراثنا الموسيقي ودراسة كافة أشكاله وقوالبه التعبيرية الخاصة به للإنطلاق منهما كشرط واجب نحو عوالم جديدة خلاقة.

لكل شعب تراثه وطريقته الخاصة في الاستمتاع الفني ولكل شعب حتما جمالياته الخاصة وموسيقاه الحلوة الجديرة بالإحترام والسمع، فلماذا عولمة الموسيقى وجعلها باطوناً مسلحاً؟

المصدر: القدس العربي