خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الاغنية المغربية العصرية

. مقالات

      في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي بدأت تتبلور في المغرب حركة فنية جديدة تذكرنا بمثيلتها في مصر على عهد سيد درويش. تنشد هذه الحركة لنفسها الحداثة والتمايز عن الموسيقى التقليدية بشقيها الشعبي والأندلسي دون أن تقفز على الرصيد الزاخر لهذا التراث الأصيل، بل وظفته في إبداع أغنية مغربية حديثة سميت منذ نشأتها "بالأغنية المغربية العصرية" تناغمت مع الأنسام المشرقية التي هبت عليها بفضل انتشار الحاكي، ثم على أمواج الأثير مع ظهور الإذاعة، فأثرت فيها تأثيراً واضحاً.

     وكان قد قدم إلى المغرب في أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن الماضي عدد من الفنانين المصريين لما وصلتهم أصداء انتشار الموسيقى الشرقية في أواسط الجمهور المغربي والمكانة الرفيعة التي تحتلها لدى الأسر المغربية.  ومن أبرز هؤلاء: محمد المصري وطاهر المصري ومرسي بركات وسامي الشوا عازف الكمان البارع. وكانت لهم علاقات طيبة مع أعلام الطرب الأندلسي أمثال الفقيه محمد البريهي.  كما حل في المغرب في نفس الفترة بعض الفنانين التونسيين أمثال خميس ترنان ولويزة التونسية وهما من أبرز الأصوات التونسية آنذاك. وكذا بعض الفنانين الجزائريين مثل الشيخ العربي  بن صاري التلمساني وابنه رضوان والشيخ محمد بن قدور بن غبريط.  ودخل الغناء المشرقي حلبة التنافس مع الغناء الأندلسي فاحتل الغناء الشرقي مكانة الصدارة حتى صار اللون الغنائي المفضل. كما يسجل ذلك صالح الشرقي أحد رواد الموسيقى المغربية وأحد أبرز عازفي القانون في كتابه "الموسيقى المغربية".

       ويرتبط الحديث عن البدايات الرسمية للموسيقى المغربية العصرية بمبادرة جليلة للملك الراحل محمد الخامس في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين تمثلت في تأسيس ـ”الجوق الملكي للموسيقى العصرية”.  وأسندت رئاسته للملحن والعازف المصري مرسي بركات الذي كان قد قدم إلى المغرب أيام السلطان المولى عبد العزيز. ، وكان من عناصر هذا الجوق فنانون أمثال أحمد البيضاوي ، ومحمد سميرس ، وعباس الخياطي ، ومحمد القزوي ، والحاج عبد القادر بن صالح . وقد كان مرسي بركات صاحب الفضل في إرساء قواعد التأليف الشرقي وتلقين أصول الموسيقى العربية لهؤلاء المغاربة الذين شكلوا الجيل الأول من رواد " الأغنية المغربية العصرية "

    كانت المبادرة الملكية خطوة مهمة لمرحلة جديدة شهدتها الأغنية المغربية العصرية. وبرز “الجوق الملكي للموسيقى العصرية” كأحسن فرقة موسيقية إلى حدود تلك الفترة ضمت أمهر العازفين والمطربين وتألقت من خلال عروضها في مناسبات مختلفة منها عيد العرش . وسوف تعرف هذه الأغنية بداية ازدهارها عام 1952 مع تأسيس " جوق الطرب العصري "  للإذاعة المركزية بالرباط برئاسة الفنان أحمد البيضاوي ،  و منذئذ ذاع صيتها في مختلف أرجاء المغرب فلمعت بفضل أسماء أصبحت وازنة في الساحة الموسيقية المغربية، كأحمد البيضاوي رائد القصيدة وصاحب الصوت الندي، ومحمد فويتح، والأخوان الخياطي.  وظهر تأثر أحمد البيضاوي واضحاً بالأسلوب الشرقي بينما نهل الخياطي من الموسيقى الأندلسية .

        وما انفكت " الأغنية العصرية " تواصل نجاحاتها  إلى أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، ثم أخذت تتراجع وتتدهور إلى أن ساء حالها وأصبحت أزمتها حادة في التسعينيات ولا زالت تراوح مكانها إلى اليوم.

     لقد جاءت الأغنية المغربية العصرية متميزة عن الموسيقى التقليدية باعتمادها على الإبداع في التأليف والتلحين والأداء بأسلوب حديث دون أن يعني ذلك إحداث القطيعة مع الفن التقليدي. وشكل اللونان الشعبي والأندلسي رافدين كبيرين من الروافد التي نهلت منها الأغنية العصرية.  ويتضمن مفهوم التميز الذي نشير إليه مقولتي التمثل والتجاوز. فقد نجحت الأغنية المغربية العصرية في عهدها الزاهر في تمثل مختلف المشارب الفنية التقليدية والحديثة و في إبداع فن راق وأصيل في آن معا بحيث تضافرت الروافد الشعبية والأندلسية وكذا المشرقية بروح عصرية أكسبت هذه الموسيقى سماتها الحديثة.  والحداثة بالطبع لا تعني التغريب بل الانسجام وروح العصر من منطلق الأصالة والخصوصية. وظهر تأثر أحمد البيضاوي واضحاً في الأسلوب الشرقي بينما نهل الخياطي من الموسيقى الأندلسية.

 

المصدر : منتدى ليل الغربة الالكتروني