خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

المرشدي يقدم إثباتا بأن الموشح الأندلسي جذوره من اليمن وبن عبد الجليل يعلق

. مقالات

كتبت جريدة الرياض السعودية مقالة ننشرها لاحقاً تناولت إثباتاً توصل إليه المؤرخ والباحث اليمني في الأدب والفن الشعبيين محمد مرشد ناجي "المرشدي يفيد بأن جذور الموشح الأندلسي يمنية.  ولقد آثرت مجلة الموسيقى العربية في هذا العدد الاستئناس بعلم وحصافة الباحث الموسيقي المغربي عبد العزيز بن عبد الجليل (ممثل المملكة المغربية في المجمع العربي للموسيقى) في التعليق على ما ورد في مقالة جريدة الرياض فجاء الرد منه ملفتاً.  لذا ننشر أولاً ما كتبته جريدة الرياض ثم ننشر تعليق الأستاذ إبن عبد الجليل ما يترك باب النقاش مفتوحا لمن يريد المساهمة في إغنائه.

مقالة جريدة الرياض السعودية

الاستاذ محمد العرفج

قبل سنواتٍ خلت جرت معركة صحفية شهيرة بين الأديب والباحث د. عبد الرحمن الرفاعي والمؤرخ د.عبد الرحمن الأنصاري حول علاقة الأدب لدى الشعوب الشمالية والجنوبية، حيث يذكر الأنصاري أن الأدب قد جاء إلى الجنوب متأثراً بأدب الشعوب الشمالية، لكن الرفاعي رد بإثباتات أن الأدب قد بدأ لدى الشعوب الجنوبية ثم انتقل إلى الشمال.

ومن جملة ما رآه الرفاعي أن أصل الموشح الأندلسي يمني، وله كتاب جميل من مطبوعات نادي جازان الأدبي سنة 1402هـ بعنوان "الحميني الحلقة المفقودة في امتداد عربية الموشح الأندلسي"، وكان من مراجعه "شعر الغناء الصنعاني" للمؤرخ د. محمد عبده غانم (1912-1994م) حيث يذكر الرفاعي في كتابه المشار إليه تحت عنوان "حقائق ارتباط الحميني بالموشح، الحقائق التاريخية" أنه في إلقاء نظرة فاحصة منصفة على فني الموشح الأندلسي والحميني في اليمن تتجلى حقيقة الارتباط بين هذين الفنين, وأن الحميني هو الحلقة المفقودة في امتداد عربية الموشح وأن الحميني هو الارتباط الطبيعي لفن الموشح الأندلسي، وهو قول بناه على براهين أثبتت له أن الحميني هو الامتداد الطبيعي والمهد الأصيل للموشح وهذه البراهين ترتكز أساساً على قاعدة لا تحتمل - كما يرى - شكاً أو ريباً وهي: أن الموشحات في الأندلس ابتدعها شعراء يمنيون متأثرون بأشعارهم وأوزانهم الحمينية!. وقد أسهب الرفاعي في شرح أسباب، ذلك نقتبس منها: أن معظم العرب الذين كانوا في جيش طارق ابن زياد يمنيون، وأن أكثر الشعراء ومعظمهم شعراء يمنيون من هذه القبائل من زمن الفتح إلى الاضمحلال، فلو أخذنا المجلد الثالث فقط من نفح الطيب لوجدنا أن نسبة 95% منه شعراء يمنيون!, كما أن الموشح ظهر في الفترة التي كان حكامها يمنيين وعلى أيدي الشعراء اليمنيين، وأنه قد وجدت بعض النصوص التوشيحية قائلها يكشف فيها عن حنينه لموطنه الأصيل بلاد اليمن، وكأن الشاعر كان يحس أنه سيظهر بعد من يدعي ملكية هذا الفن!.

ويورد الرفاعي موشحة طويلة للشاعر الاشبيلي منها:

لا تسمع من كان وكان

وانظر حقيق الخبر والعيان

يحال خيالي رجع ذا الزمن

فأحلى ما يوريك ديار غيبها وأخرج جوار اليمن!

 

وضعف توزيع الكتب المطبوعة في الأندية الأدبية داخل السعودية أدى إلى عدم وصول كتاب الرفاعي إلى اليمن. ومع ذلك فإنه بعد سنوات جاء الفنان والمؤرخ والباحث اليمني في الأدب والفن الشعبيين محمد مرشد ناجي "المرشدي" (1929-2013م) رحمه الله الذي يعد واحداً من أبرز وأهم ركائز الغناء التجديدي الحديث، بالإضافة لدوره البارز والهام والمؤثر بتقديم الموروث والفلكلور الغنائي اليمني بكل تلاوينه وإيقاعاته المختلفة والمتعددة بأسلوب رائع أخّاذٍ ومقدرة فائقة على محاكاة التراث في عدن والذي رحل بعد أن ترك أربعة مباحث هي: "أغنيات شعبية" و"الغناء اليمني ومشاهيره" و"صفحات من الذكريات" و"أغنيات وحكايات".

ألقى المرشدي محاضرتين إحداهما في السعودية والأخرى في البحرين بعد أن مكث عقوداً من الزمن لبحث أصل الموشح الحميني وكذلك الأندلسي، حيث ذكر فيهما أن الموشح الأندلسي امتداد للموشح الحميني، وفي كتابه "الغناء اليمني" وهو المؤلف الوحيد الذي يتكلم على الغناء اليمني ومأخوذ عما يزيد على ثلاثين مرجعاً وكلها من أمهات الكتب العربية مثل "العقد الفريد" لابن عبد ربه و"الأغاني" لأبي الفرج و"مروج الذهب" للمسعودي وكتاب "تاريخ الموسيقى العربية" لجورج فارمر.

قبل ذلك وبالتحديد في سنة 1983م نظّم المرشدي مهرجاناً كبيراً في عدن وبعد جهد جهيد أقيم هذا المهرجان بعد أن اعتمدت ميزانيته من الرئيس الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد والذي يرأس حالياً المركز العربي للدراسات الاستراتيجية في دمشق.  وقد سمّى المرشدي هذا المهرجان "الموشحات والأهازيج اليمنية" ولقيت التسمية وقتها معارضة كبيرة من الوفود العربية.

وكرر المرشدي ما توصّل إليه وبعد قراءته في كثير من الكتب العربية التي تجمع على أن طويس هو أول من أدخل الإيقاع في الغناء العربي، وكان الإيقاع قبله يضرب بعودي خشب مماثلين حتى جاء طويس وابتكر الطبل، ووقّع كل الأغاني التي كانت موجودة في ذلك الوقت، وأن طويساً هذا يمني حتى أن الفنان محمد عبده عندما قرأ كتابه قال: "فعلاً إن هذا يمني وهناك مؤرخون أرّخوا للحجاز التي كان يقيم فيها طويس".

أمسك المرشدي بخيط طويس وتابع هذا الخيط حتى وجد كيف تطوّر الغناء العربي عبر التاريخ، حيث وجد أنه ظهر في تاريخ صدر الإسلام ما يعرف بالغناء المتقن أي المتقن من الناحية الموسيقية.  والغناء المتقن هو الذي يبدأ بالنشيد مستشهداً بفناني صنعاء مثل محمد حمود الحارثي الذي يبدأ بالنشيد غير المصحوب بإيقاع وهو أشبه ما يكون بالموال ثم يدخل الإيقاع الثقيل فالهزج السريع الذي يبدأ معه الرقص، وأن طويساً هو الذي أتى بهذا، فأصبح يلتزم بهذا الغناء جميع المغنين.  واستمر هذا الغناء في  العصرين الأموي والعباسي.  ثم جاء زرياب وكان تلميذاً لإسحاق الموصلي الذي كان أشهر موسيقي في عهد الرشيد.  وحين انتقل زرياب إلى الأندلس أنشأ مدرسة لتلاميذه كانت تعدّ أول مدرسة، ولكن مدرسة طويس في المدينة هي أقدم منها باعتبار أن هؤلاء المدرّسين الذين أتى بهم زرياب هم في الأصل من المدينة المنورة، وهؤلاء المدرّسون يعلمون تلاميذ زرياب الغناء المتقن الذي جاء به طويس.

قدم المرشدي في المحاضرتين اللتين ألقاهما في السعودية والبحرين نماذج تطبيقية حسب شروط المحاضرة، وأتى بخلاصة مفادها أن زرياب كان يعلم الغناء المتقن وليس الموشح، وهذا يخالف اعتقاد جميع الكتاب والفنانين.  وقال بأن الموشح حديث وجاء زرياب في القرن الثالث الهجري وكان يعلم الغناء المتقن الذي جاء به طويس اليمني، ومن الذين قالوا بأنه يمني المؤرخ والأديب المصري المشهور أحمد تيمور (1871 - 1930 م).

وذكر المرشدي أن أول من قال الموشح الشعري هو مقدم بن معافر المقبري، وهو أيضاً من اليمن من معافر التي هي اليوم "الحجرية".  وقد سأله أحد المهتمّين المغاربة: "لماذا تعتقد أن المعافري من اليمن؟! فقال له بأن المؤرخين اختلفوا على الاسم الثالث أما الأول والثاني فليس هناك خلاف بشأنه فالمؤرخ الحضرمي عبدالرحمن بن خلدون (1332 - 1382 م) يقول إنه الفريري، وآخرون يقولون البريري، والبعض قال الغديري وهي كلها أسماء يمنية!.

 

 

تعليق الباحث عبد العزيز بن عبد الجليل

تجمع سائر المصادر الموثوقة على أن الأندلسيين كانوا سباقين إلى ابتكار الموشح. وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون: وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم، وتهذبت مناحيه وفنونه، وبلغ التنميق فيه الغاية، استحدث المتأخرون منهم فنا منه سموه بالموشح، ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا ... وتجارَوا في ذلك إلى الغاية ...، وكان المخترع لها بالجزيرة مقدم بن معافر الفريري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني ، وأخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد، ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر، وكسدت موشحاتهما فكان أول من برع في هذا الشأن عبادة القزاز شاعر المعتصم ابن صُمادح صاحب المرية (المقدمة ـ ط التجارية ـ مصر ـ ص 582 ـ 584 ) .

وقد عني ابن سناء الملك بهذا الفن، فألف فيه كتابه " الطراز "؛ ومما جاء فيه قوله: إن الموشحات ما ترك الأول للآخر ،... وأجلب بها أهل المغرب على أهل المشرق .... وصار المغرب بها مُشرقا لشروقها في أفقه، وإشراقها في جوه ( انظر ص 29 ـ 30 )

وابن سناء الملك ـ نفسه ـ وهو يختم مقدمة كتابه، لا يتردد في البوح بأن الموشحات التي نظمها وضمَّنَها كتابَه " ليست إلا ظلا للموشحات الأندلسية ، وأنها ناقصة عن قدر كمالها "، وعذره في ذلك ـ على حد قوله ـ " أنه لم يولد بالأندلس، ولا نشأ بالمغرب، ولا سكن إشبيلية، ولا أرسى بمُرسية، ولا عبر على مكناسة، ولا سمع الأرغن، ولا لحق دولة المعتمد بن صمادح (ت484)، ولا لقي الأعمى ( التطيلي) (ت بداية ق 6)، وابن بقي (ت 450)، ولا عبادة ( القزاز) ولا (علي بن عبد الغني) الحُصْري (ت488) ".

إن نسبة مقدم بن معافر الفريري ـ أو القبري حسب روايات أخرى ـ إلى أرومة يمنية، لا تعني في شيء أن يكون قد نقل فن الموشح من اليمن إلى الأندلس، وإلا جاز لنا أن ننسب سائر الفنون والصناعات التي انبثقت في الجزيرة الإيبيرية إلى المواطن الأصلية لفاتحي الأندلس والواردين عليها من عرب وبربر. والحقيقة هي أن فن الموشح جاء ليشكل ابتكارا نشأ في أرض الأندلس كنتيجة لتلاقح معارف وفنون متعددة بتعدد الأجناس التي سكنت الأندلس، ومن بينها معارف وفنون المستعربين من أبناء هذه البلاد الأوائل، والتي لا ريب أنها بصمت سائر ألوان الثقافة والفنون بما فيها الموشحات والأزجال، وأساليب التأليف الموسيقي، وأنماط الغناء .

لأجل هذا فنحن لا نجد لدى سائر من ترجموا لعبادة بن السماء الخزرجي ـ وهو من أجمعوا على تفوقه في نظم الموشحات ـ أي إشارة إلى أنه نقل هذا الفن من اليمن إلى الأندلس؛ فأنى للموشح الحُميني أن يكون المهدَ الأصلي للموشح الأندلسي؟ .

ولقد كفانا الأستاذ علي جابر أحمد عضو المجمع العربي للموسيقى عناء البحث عن أصول الشعر الحُميني؛ ففي دراسة له نشرتها مجلة "البحث الموسيقي" التي تصدر عن المجمع ألمح إلى أنه "نشأ في أحضان الزوايا الصوفية التي احتفت بالغناء أثناء طقوسها الخاصة "، مثلما كفانا عناء البحث عن مصادر استلهام هذا الفن حينما ذكر أنه كان من ثمار "استمرار مدينة زبيد كعاصمة للدولة الأيوبية في اليمن ...تأثيرُ ابن سناء الملك (ت608هـ) على الحياة الفنية باليمن، حيث أن أول وشاحي اليمن (أبو بكر بن عيسى بن حنكاش الذي اشتهر في 625) ربما شق طريقه بتأثير من ابن سناء الملك. (مج البحث الموسيقي ـ مجلد 11 ربيع 2012 ص 19 و 23 ـ 24).

وبعيدا عن الجانب الموسيقي البحت ـ وهو جانب لا وجه فيه للمقارنة بين الموشح الأندلسي والموشح اليمني ـ ينقل الأستاذ علي جابر مقولة لصاحب "سلافة العصر" جاء فيها: "لأهل اليمن نظم يسمونه الموشح غير موشح أهل المغرب، والفرق بينهما أن موشح أهل المغرب يراعى فيه الإعراب بخلاف موشح أهل اليمن، فإنه لا يراعى فيه شيء من الإعراب، بل اللحن فيه أعذب ـ وحكمه في ذلك حكم الزجل". ويؤكد مصطفى صادق الرافعي هذه المقولة إذ يقول: "ومن التوشيح ما لا يكون معربا ، وهو اختراع أدباء اليمن ".

ويزيد في تأكيد ذلك قول ابن سناء الملك:  "واللحن ( أي مخالفة القاعدة النحوية ) لا يجوز استعماله في شيء من ألفاظ الموشح الأندلسي إلا في الخرجة" والخرجة ـ عنده ـ "عبارة عن القفل الأخير من الموشح، والشرط فيها أن تكون قزمانية من قبل اللحن ( نسبة إلى ابن قزمان مخترع الزجل الأندلسي )، من ألفاظ العامة، ولغات الداصة ".  وهذا ـ في رأيي ـ من وجوه التفاعل مع الأدب الروماني المحلي حتى لقد استحسن بعضهم أن تكون الخرجات عجمية اللفظ ، وهو ـ أيضا ـ وجه آخر من وجوه الفرق بين الموشح الأندلسي، وبين الموشح الحميني طالما أنه لم يكن في اليمن من السكان غير اليمنيين.