خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

مسرح الأخوين رحباني حمل هموم الإنسان والوطن والأمة

. مقالات

هاشم قاسم

شَكلت فيروز على امتداد نصف قرن تقريباً حالة في سياق ظاهرة موسيقية وغنائية ضمتّ علامات مهمة كسيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي ومحمد القصبجي وزكريا احمد والاخوين رحباني.

منذ أن اكتشفها كبير ملحني الأناشيد الوطنية محمد فليفل حتى الآن لعبت دوراً كبيراً في رفع مستوى الأغنية العربية أداء وتعبيراً وجمالاً.

كثيرون لحنوا لفيروز في بداياتها، نذكر منهم سليم الحلو ومحمد محسن ونقولا المنّي وتوفيق الباشا وخالد أبو النصر، إلا أن عاصي رحباني كان الوحيد الذي اشتغل على صوتها تدريباً وصقلاً.  وعلى هذا الصعيد يقول منصور رحباني: جعلناها، أي فيروز، "تغنّي الألوان الأوروبية الصعبة في البداية، ثم الألوان الشرقية الصعبة، وجميع الألوان، ومع كل الفرق الموسيقية.  وكانت بذكائها تساعدنا وتساعد نفسها على الوصول. ومن هنا أصبحت لفيروز خبرة كبيرة من الصعب أن تتأتى لمطربة أخرى غيرها."

 واذا كان صوت فيروز قد تميّز بنبرته الرومنسية، الا أن الأداء الجيّد والمتقن كان العامل الحاسم الآخر. فهي، وبما قدّمه الرحبانيان نصاً وموسيقى استطاعت تخليص الأغنية في لبنان، وفي معظم البيئات العربية من التكرار والسذاجة والأغنية المحدودة الإمكانات التعبيرية.

وبهذا المعنى قاد الرحبانيان وفيروز تياراً موسيقياً غنائياً تفوق في كتابة شعر الأغنية، وإحياء التراث الزجلي بعمق وشفافية ومهارة، وإطلاق المسرح الغنائي العربي الذي بدأت خطواته الأولى مع سيد درويش.

 

بين الحداثة والتراث

أغنية فيروز جزء من مسيرة الحداثة في الموسيقى العربية، إنما الحداثة المنطلقة من العناصر الحية في التراث الموسيقي العربي. فمنذ أن غنت فيروز "راجعة " و"عتاب" في خمسينيات القرن الماضي (1952) شقت طريقاً للأغنية العربية القصيرة.  ويقول محمد عبد الوهاب في هذا السياق: "إن اغنية وقّف يا اسمر موازية للقصة القصيرة". ولعل عبد الوهاب أراد القول أيضا إن أغنية فيروز قطعت مع الأغنية الطويلة التي امتازت بالتكرار  والتطريب المفتوح.  ويصبّ في هذا السياق معظم أغاني فيروز في مرحلة ستينيات القرن الماضي، التي امتازت بالتقشف والصيغة المنضبطة والتوليفة الآتية من بعض صيغ الأغنية الغربية، بالإضافة إلى توليفات اتخذت من الأغنية الشعبية اللبنانية مادة لها. وعلى سبيل المثال نذكر "تحت العريشة سوا" التي تشبه لحن "ع الروزانا" الشعبي...

أطلت فيروز لأول مرة في مهرجانات بعلبك الدولية سنة 1957 في عمل "أيام الحصاد" الذي غنّت فيه "لبنان يا اخضر حلو"، "ودنيتنا الصخر الوعر". وفي سنة 1959 أطلت للمرة الثانية في "المحاكمة" التي غنت فيها:  "ما في حدا" و "يا قمر انا وياّك". وهكذا كرتّ سبحة أعمال الرحابنة على مسرح معرض دمشق الدولي ومهرجانات بعلبك  الدولية ومسرح البيكاديللي. واللافت في مسيرة أغنية فيروز أن الأغنية الدرامية العربية أطلتّ عبرها ومن خلالها.

 

بين الفولكلور والكلاسيكية

كما غنّت فيروز للضيعة اللبنانية والى حد بعيد للقرية العربية. ففي "جسر القمر" قدّمت الضيعة العربية في نموذجها اللبناني، مخاطبة الناس بلغة صوتية وشعرية تدعو إلى الحب والتسامح ووحدة المجتمع والناس عبر طابع فني جاذب وساحر.

وإذا كان هناك من نص موسيقي وغنائي لامس ملامح الضيعة وأبرزها، فهو اغنية فيروز التي حملت في طياتها كل ما يتعلق بعين الماء والمعصرة، والطاحونة، والساحة العامة، وتلال القرية.  ولم تقتصر أغنية فيروز على الدور التسجيلي في إطاره الموسيقي والصوتي الباهرين، بل هي دعت إلى العمل والزراعة وسقي المزروعات في أجواء الأزجال والمواويل وفنون القول.

في هذه الضيعة، وانطلاقاً منها ولدت أحاسيس كانت تحفّز شباب لبنان والمشرق العربي وتدفعه إلى طرح الأسئلة المتعلقة بالأحلام والمستقبل.

واذا لم نقل إن أغنية فيروز شكلّت حافزاً نهضوياً، فهي على الأقل ساهمت بفعالية في إيجاد مناخ ثقافي وفني دعا إلى الحوار والتحرر، كما دعا إلى البناء والوحدة بغض النظر عن الرومانسية التي طبعت هذه الأغنية.

من أغنية الضيعة، ومن أعمال الرحبانيين ذات الطابع الفولكلوري، ولدت أغنية فيروز الفولكلورية الموضّبة  التي أعيد توليفها بطريقة فنية سقط منها الخفيف والسهل والمغرق في الشعبية. وعلى سبيل المثال نذكر "يا حنيّنة " و"قالولي كن" و"يا طيرة طيري يا حمامة "، ولدت الاغنية التي قدمت نموذجا فنيا متقدما في الغناء العربي ككل في مرحلة الستينيات كأغنيات "انت وانا"، "بكوخنا يا ابني" لميشال طراد "ومشوار" لسعيد عقل "ودقِّت على صدري" لعبد الله غانم، وأغنيات "نـحنا والقمر جيران"، و "يا قمر أنا وياك"  و "يا ريت" للأخوين رحباني.

واذا اضفنا غناء فيروز للقصيدة العربية الكلاسيكية مثل "سائليني يا شآم " و "جادك الغيث" وغيرهما، فان صورة الأداء تصبح شبه شاملة.  ففي "سائليني يا شآم" لسعيد عقل دفق حسي تاريخي ومناجاة مهذبة ومصقولة حررّت الأغنية من المباشرة والتطريب المفتوح، وفي الوقت نفسه نقلتها إلى مرحلة الأغنية الحديثة بناءً وأداءً. وبالطبع، فان النص الشعري والأداء والمادة الموسيقية، بالإضافة إلى الاستخدام الدقيق والعلمي للكورس شكلت العناصر الأساسية التي بنيت عليها أغنية فيروز.

وفي أغنيات "مشوار" و"يا ريت" و"بكوخنا يا بني" وغيرها يحضر الأداء الجديد أسلوباً ومعالجة صوتية.  فالأغنيات المذكورة وعشرات غيرها ما زالت النموذج الأول ذا البنية المتكاملة للأغنية القصيرة الخفيفة المتولّدة من تآلف النص الشعري والصوت والمادة الموسيقية.  ولهذا دخلت هذه الأغنية البيئات العربية الناهضة التي تفتّش عن بنى وأشكال جديدة.

 

صوت يضيف الى اللحن

امتازت أغنية فيروز بالتصويرية الشعرية واللحنية، وبصوت قبض على معظم العُرب الصوتية ذات العلاقة بهذه الحالة بالضبط في محاولة إبداعية حققها الأخوان رحباني للامساك بدواخل الذات على المستوى الصوتي. وفي هذا كله كان  صوت فيروز أكبر من الآلة الموسيقية، وأكثر إحاطة بالمناخ التعبيري والنغمي في بعدهما الدرامي.

إن صوت فيروز، في هذا السياق، يضيف إلى اللحن  "يلّحن اللحن" بحسب الشاعر أنسي الحاج. فإذا كان قويا ، أي اللحن، زاده أبعادا لم تكن فيه. ويمكن القول أيضا إن صوت فيروز في أغنية الرحبانيين أساسي من حيث انه "مضمون فني كامل"، والجملة لأنسي الحاج. "لملمت ذكرى لقاء الأمس بالهُدب" و"مشوار" و"ياريت" و"انت وانا" وعشرات أخرى أغانٍ يضعف فيها الإيقاع حتى حدوده الدنيا. ولنقل إن الإيقاع يختفي لصالح الحالة الصوتية الدرامية البسيطة. فمعظم الأغاني المذكورة اختفى منها الضرب على وحدة زمنية صوتية تقوم عليها الأغنية، كما كان شائعا، وما زال في معظم الغناء العربي.  وهذا يعني أن الزمن على المستوى الصوتي واللحني دخل لعبة جديدة تقوم على المعالجة الصوتية الدرامية التي كانت تعلو وتنساب وتتصاعد، ومن ثم تتدرج هبوطا تبعا لطبيعة النص الشعري والمادة الموسيقية والصوت نفسه في آن واحد. ومن البديهي القول إن هذا النوع تقدّم الأغنية العربية وتجاوزها من حيث أن الحالة الموسيقية الدرامية أصبحت في الأساس والقاعدة.  وجدير بالذكر أن تحوّل الأغنية العربية الراهنة (الإيقاعية المقلدة الهابطة) إلى الإيقاع في الدرجة الأولى هو خط ينأى ويبتعد عن الغناء الدرامي الذي أكدته التجربة الموسيقية  والغنائية الجادة في لبنان ومصر.  وهذا ما يضع الأغنية العربية الراهنة التي تحتضنها وترعاها وسائل الإعلام المرئية في سياق ارتدادي واضح له أسبابه وأهدافه.

في "طليت ع بعلبك " و"رحيل الآلهة" والبعلبكية عموما قطع فنية مصاغة بدرامية عالية إن من حيث النص الكلامي، أو من حيث الموسيقى والصوت.  فالتلحين نـحا نـحو التأليف. وهذا النوع من التأليف شكل، بالإضافة إلى صوت فيروز والنص الشعري أساساً في نمو المسرح الغنائي وتشكله، ما نقل الأغنية من مجرد غناء يحاكي خصال الحبيب الجسدية والبعُاد، إلى وضع الغناء في سياق جدلية اجتماعية وسياسية وإنسانية واسعة.

صوت ثائر

"عطر الليل" و "غربة" و "زاد الخير" و "بائعة البندورة" عناوين متعددة، أما المضمون فواحد من حيث الارتباط بالأرض والدفاع عن الناس في إطار يمسك بالنص الشعري والموسيقى ويطوعهما لضروراته الأدائية. وكأن هناك تزاوجا بين صوتها والموسيقى الدرامية، أو الموسيقى التي تقوم على جزء مهم من الدرامية والتصويتات الدرامية. وفي هذا يمكن القول إن غناء فيروز قام أساساً على قاعدة الشفافية والقبض الماهر على النص الشعري من خلال صياغة صوتية فريدة واستثنائية. إنه الغناء المحكم بصوت يقوم على الامتلاء بشفافيات الموسيقى والشعر من دون الوقوع في التطريب المفتوح، فالمسرح الغنائي لا يحتمل أساساً الغناء التطريبي المفتوح، ولا يقبل الارتجال الذي يقود إلى النشاز والارتباك.

المسرح الرحباني كان مسرح فيروز بالدرجة الأولى فحولها تمحورت الأحداث والمواقف والأفكار.  ومواقفها وأدوارها كانت المرآة التي عكست الرؤية الاجتماعية والسياسية للأخوين رحباني. والمسرح الرحباني كُتب نصه لفيروز من حيث اللغة المناسبة ومواقع فيروز الأخلاقية المناسبة.

إن صيحة فيروز من خلال أدوارها في أعمال الرحابنة (عطر الليل، غربة، زاد الخير، أو غيرها) كانت تغير بشكل مفاجئ سيرورة الأصوات، وإن موقفاً ثائراً منها كان يزعزع هيبة الحاكم ويقض مضجعه. هكذا كانت في "صح النوم"، وفي "فخر الدين" و "ناطورة المفاتيح" وغيرها.

الغناء الفيروزي لم يكن محصوراً بالغناء المسرحي الغنائي. فهي غنت للمدن العربية. وهي خاطبت من خلال هذا الإرث الحضاري والتاريخي واستنطقت النواحي ذات الدلالات النهضوية.  هكذا يمكن أن نقرأ أغنياتها لبغداد ودمشق والقدس وبيسان وعمّان والاسكندرية والقاهرة وبيروت. ولا يعني أن هذا النوع من الغناء ارتبط بالناحية الظرفية أو المناسبية بقدر ما ارتبط بهواء التحفّز والأمل وحركة التململ والنهوض. وهذا ما استجاب له العرب في أمكنتهم وبيئاتهم كلها لمدة تزيد على أربعة عقود من الزمن.


تجربة فيروز في أغنية المدينة، وأغنية الضيعة أو الريف، والأغنية الوطنية، فريدة في الغناء العربي لأنها قامت على الشفافية، وعلى التقاط الجواهر الثمينة لتقدمها بصياغة صوتية متفردة. فهذا الصوت تعامل مع التطريب الداخلي العميق ذي الطابع الأثيري أي التطريب المفتوح على الذات الداخلية والجماعية في حالات الغبطة الرصينة والمعاناة المتماسكة والفرح العميق. ولهذا لبّت فيروز بأغنيتها الأذن المصقولة والمثقفة والمرهفة، فزادت من صقلها وإرهافها وجعلتها أكثر شفافية.

 

فلسطين في البال


في إطار أغنيتها لفلسطين، يقول الشاعر محمود درويش :"قدم الرحابنة فنيا لفلسطين ما لم يقدّمه الفلسطينيون أنفسهم.  ولقد أشهر الفلسطينيُ هويته الجمالية بالأغنية الرحبانية العربية حتى صارت هي إطار قلوبنا المرجعي، هي الوطن المستعاد وحافز السير على طريق القوافل".

إزاء هذا الكلام الصادق والصحيح تكر سبحة الأغاني الوطنية الفلسطينية من "راجعون" وهي العمل الغنائي الأول إلى "سنرجع يوما" التي امتازت برومانسية وطنية وحُلمية جاذبة تنضوي على تعلق بالأرض، إلى "زهرة المدائن" و "القدس العتيقة" و "جسر العودة" و "أجراس العودة" وغيرها.

لقد حمل صوت فيروز في أغانيها للقدس وفلسطين قلق العرب وأحلامهم ورؤاهم النقية. ففي كل أغنية أعادت صقل الوجدان وتوليده وشحنه بالوعي، بالإضافة إلى الإيقاعات المبعثرة والتناثرات في صوت واحد، وفي اتجاه واحد.  وها هي ترتَّل:


"لأجلك يا مدينة الصلاة أٌصلّي

لأجلك يا بهية المساكن

يا زهرة المدائن

يا قدس

أصلّي".


وإذا حاولنا قراءة متأنية لأغنية فلسطين الفيروزية الرحبانية نجد أمرين مميزين:

الأول: العنصر الموسيقي، أي إن فيروز أدت أغنيات فلسطين بشكل عام، كما أدت الأغاني المتعلقة بلبنان بإتقان لأساليب الغناء المتطورة إلى جانب إتقانها للمقامات الموسيقية الشرقية.

الثاني: العنصر المضموني، أي إن النص الكلامي والموسيقي كمضمون جاء ثورة على الحزن الخارجي، بالإضافة إلى الاستعانة المتقنة بالابتهال والمناجاة.

كثيرون من الشعراء كتبوا لفيروز لسبب أساسي هو تعفف صوتها وارتقاؤه، بالإضافة إلى قدرتها على الأداء الدرامي الذي تحتضنه  القصيدة الجيدة.  واللافت أن هذا الصوت وجد نفسه في مرحلة   كانت الأشياء تندفع فيها نـحو التعبير في أعلى درجات الاعتمال والتأثر والانفعال.

لذلك، وجدنا فيروز تغني الأجمل والأغنى من نتاج الشعر العربي القديم والحديث والمعاصر. وربما تكون فيروز من بين المغنيات العربيات الأكثر إقبالاً واختياراً للقصائد العلامات، أو للشعراء الذين تركوا بصماتهم على الشعر العربي.  فمن نصوص الأخوين رحباني التي شكلت الثقل الأساسي كما ونوعا في أغنية فيروز إلى أبي نواس وعنترة وجرير وإبن سناء الملك والأخطل الصغير وإيليا أبو ماضي ونزار قباني وجبران خليل جبران وأحمد شوقي وسعيد عقل وبدوي الجبل يمتد شريط من الغنى اللغوي والتجارب الإنسانية والفنية ما جعل أغنية فيروز تحتضن جزءاً مهماً من شخصية الأدب العربي في أبهى تجلياته.