خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

المطربة زكيّة حمدان: حياتها وأعمالها

. مقالات

 

إلياس بودنتونس

تعدّ المطربة زكيّة حمدانإحدى النّساء العربيّات القلائل اللاّتي استطعن تغيير نظرة المجتمع الشّرقي التّقليدي نحو الاحتراف الفنّي الغنائي في النّصف الأوّل من القرن العشرين.  فعلى الرّغم من ولادتها سنة 1925 بشمال سوريا في مدينة حلب، المدينة المنغلقة إذّاك تجاه نزعات التّحرّر النّسائي والانفتاح على الممارسات الغربيّة على غرار دمشق وبيروت خاصّة، رغم ذلك استطاعت بفضل نشأتها في وسط عائليّ فنّي أن تثير احترام الجماهير لها ولفنّها، وأن تحدّد لنفسها مسارا ملتزما جعل منها إحدى أعلام المدرسة الغنائيّة المصريّة الشّاميّة في أواسط القرن العشرين.

وبالفعل فمنذ بلوغها سنّ الخامسة عشرةفي سنة 1940،بدأ اسمها يشتهر بين أهالي مدينة حلب، إذ أصبحت تستدعى لإحياء أعراسهم ومختلف مناسباتهم الموسيقيّة. وكانت في عملها ذاك تؤثّث وصلاتها من التّراث الحلبي والشّامي المتواتر منذ أجيال فكانت تقدّم بعض الموشّحات العربيّة الفصيحة والقدود الحلبيّة العامّيّة وبعض أغنيات محمّد عبد الوهاب وفريد الأطرش، والأغاني الشّعبيّة الفلكلوريّة الرّاقصة بشكل ملفت للانتباه إذ على الرّغم من الصّبغة الاحتفاليّة للأعراس التي تقدّم فيها هذه الأعمال، كان جمهور الحاضرين يستمعون لصوتها الرّخيم وإعاداتها المنوّعة المطربة بكلّ هدوء وإنصات واع، وكأنّ المشهد في إطار عرض رسمي على خشبة المسرح[1].

وممّا لاشكّ فيه، لم يكن الاعتبار الذي حظيت به زكيّة حمدان وليد الصّدفة، فوالدها حسن سعيد حمدان كان فنّانا معروفا من مؤسّسي المسرح السّوري، خبيرا في ذوق أهالي مدينة حلب وبقيّة مدن الشّام بحكم احترافه للعمل المسرحي في تلك الرّبوع في أواخر القرن التّاسع عشر، وقد أحاطها مليّا من حيث عنايته بتثقيفها لغويّا وفنّيّا فعرّفها بأعلام الموسيقى والغناء، حيث كان يصطحبها في طفولتها إلى النّادي الموسيقي الشّرقي الذي أسّسه أحمد الأوبري وممدوح الجابري لحفظ الموروث الموسيقي والغنائي الشّامي على أيدي كبار شيوخ هذا الفنّ، فتعلّمت غناء الموشّحات والقصائد والأدوار والقدود على يدي الشّيخين علي الدّرويش وعمر البطش، والعزف على آلة العود.  كما درّبها أبوها طويلا في مصاحبتها إيّاه على الحضور الرّكحي ومبادئ الإلقاء الشّعري للقصائد الفصيحة والمحاورات الغنائيّة النّقديّة وما تنطوي عليه من كلمات مفاتيح تهزّ المتلقّي وتثير حماسه إزاء الوضع الاجتماعي المتردّي في الشّام إبّان الاستعمار[2].

اختار الفنّان المسرحي حسن حمدان، لابنته زكيّة حمدان وجهة جديدة منذ عام 1946، حيث كانت مآسي الحرب العالميّة الثّانية تنبع من الشّرق الأوسط، وحين كانت شعوب هذه المنطقة تنتهز اندحار الفرنسيين خاصّة في هذه الحرب للمطالبة بالاستقلال، كانت الوجهة الجديدة الغناء في ملاهي الشّام المعروفة والشّهيرة في النّطاق القومي العربي، وفي النّطاق الأجنبي الغربي ولا سيّما في بيروت، وكان الهدف الأهمّ في هذه الوجهة الجديدة استقطاب الرّأي العام لقضيّة الاستقلال العربي. وقد نجحت زكيّة حمدان بفضل ما أوتيت من مواهب تعبيريّة أن تجعل من هذا الإطار الملاهي الذي عملت فيه مسلكا جدّيّا بما فرضته على الذّوق العربي في بيروت خاصّة من غناء متقن لألوان عربيّة تقليديّة حفظتها وعرضت منتقياتها لها ما يصيب العامّة إذّاك. فبغنائها في الملاهي، أخذ نجمها يتألّق في دنيا الطّرب بسبب صوتها الرّخيم القادر، وهي تتميّز بشخصيّة واضحة في الأداء تفصح عنها وهي في هذا تختلف عنسائر المطربات، وقد غنّت في بداياتها بعد أن تمرّست بالأعمال التّراثيةأعمالاً من ألحان الفنّانين المصريين الكبار مثل قصيدة "الكرنك" لمحمّد عبد الوهاب و"أنا في انتظارك" للشّيخ زكريّا أحمد و"ياظالمني" لرياض السّنباطي، وبعض الأغاني الأخرى التي كانتتغنّيها كوكب الشّرق أمّ كلثوم، فطبعتها زكيّة حمدان بطابعها وأكسبتها الصّفات الفنّيّة الخاصّة بها، وكلّ هذه الأغاني وغيرها مسّجلة في إذاعتي دمشق وبيروت[3].

كانت زكيّة حمدان توّاقة إلى الخروج بفنّها عن الموروث الغنائي الذي اشتهرت به مدينة حلب، وكانت تراقب محاولات بعض الملحّنين الجادّة في المونولوغ الرّومنسي الذي بلغ شأواً بعيداً في مصر، وما زال في بداياته في سوريا. ولمّا كان المونولوغ من أصعب فنون الغناء العربي، المستورد صيغة، فقد انصرفت إليه بهدف التّلوين الغنائي إلى جانب قوالب الغناء العربي الأخرى كالموشّح والدّور والقصيدة فأبدعت فيها كلّها.  ويقوم فن المونولوغ في قالبه الفنّي على السّرد الموسيقي والغنائي اللذين لا يتكرران في سياق الغناء.

ظلّت زكيّة حمدان تزداد شهرة من سنة إلى أخرى حتّى مفتتح خمسينيات القرن الماضي. ورغم بقاءها وفيّة للتّراث الغنائي الشّامي والحلبي، ورغم ترديدها لأشهر القصائد التي نجحت في الشّرق آنذاك ولا سيّما قصائد رياض السّنباطي لكوكب الشّرق أمّ كلثوم، فقد توجّهت زكيّة منذ بداية خمسينيات القرن الماضي وجهة أخرى محاولة الحصول على رصيد غنائي خاصّ بها.  وبالفعل وبعد تجربة خمس وعشرين سنة، تمكّنت خلالها من تداول الموروث الطّربي الفلكلوري والمستحدث تبنّاها ثلّة من الشّعراء الغنائيين السّوريين، وقد عرفوها وعرفتهم عن قرب إذ كانت تتردّد على الأندية الأدبيّة العديدة في بيروت ودمشق وكانوا كذلك يستمتعون بفنّها المميّز في الملاهي التي تعمل فيها. وكان من بين هؤلاء الشّعراء: مدحت عكاش، ونوفل إلياس، وجلال زريق الذين نظموا لها قصائد لا تخرج مضامينها عن فنّ المونولوغ الشّاعري.  ومع الشّعراء خصّص لها الملحّن وعازف الكمان القدير خالد أبو النصر اليافي الذي لازمها حتّى وفاته، بعض الألحان في قالب المونولوغات الرّومانسيّة الشّائعة الصّيت آنذاك، فقد كان ملحّنا متتبّعاً للحركة الفنيةفي مصر، ملمّاً بالقيمة الفنّية للمونولوغ، يعرفخصائص صوت هذه المطربة وإحساسها ورسوخ قدمها أداء وتعبيراً بحكم ملازمته لهاكعازف للكمان في فرقتها، فقد عمد إلى إعطاء فن المونولوغ الشاعرية التييتطلبها والجماليّة الموسيقيّة التي قامت عليه، وتمكّن في الألحان التي أعطاها للمطربة أن يجمع بين السّرد الموسيقي المعبّر وبين الغناء بخصوصية خارقة،فجاءت الألحان مطابقة لمضامين القصائد ـ المونولوغ ـ موسيقيّاً. وكانت تلك القصائد التي لحّنها شبيهة الخطّ بتلك التي صاغها رياض السّنباطي لأمّ كلثوم، فقد تشبّعت زكيّة حمدان بذلك الخطّ إلى درجة أصبحت تجالس ملحّنها وتناقشه في علاقة اللّحن بالمضامين الغنائيّة للقصيدة. وكانت القصيدتان الشّهيرتان "خلقت جميلة" من نظم "مدحت عكاش" و"سليمى" من نظم نوفل إلياس،باكورة عمله معها سنتي 1951 و1952.  وأسرف في إغراقها بالألحان الرّومانسية الحادّة.وعندما غنّت هاتين القصيدتين، زادت شهرتها أكثر فأكثر فقرّرت زكيّة حمدان الإقلاع عن العمل في الملاهي والتّفرّغ للتّعامل مع المسرح القومي بدمشق وكذلك الإذاعة السّوريّة الوليدة آنذاك.  وفي هذا السّياق، سجّلت في فترة الخمسينيات والستّينيات رصيدا كبيرا من الأغاني التّراثيّة الفلكلوريّة الشّاميّة والموشّحات والقصائد والأغاني الوطنيّة والأدوار التي لا تزال مرجعا لهواة التّراث الغنائي العربي في خزينة الإذاعة السّوريّة[4].

ظلّت زكيّة حمدان تعمل كمطربة محترفة طيلة ثلاثين سنة أخرى بين 1955 و1987م. واختارت منذ مستهل ستّينيات القرن الماضي مدينة بيروت مركزاً لإقامتها ونشاطها الفنّي، ومنها كانت تنطلق إلى مدن الوطن العربي وعواصمه التي كانت تتعاقد معها أو تدعوها للغناء لتحيي مناسبة وطنيّة أو ما شابه ذلك.   وتعاملت مع الملحّنين اللّبنانيين مثل ميشال خيّاط وعفيف رضوان والأخوين الرّحباني وبخاصّة أنطوان زابيطا التي تدين له زكيّة حمدان بالفضل في وصولها إلى تلك المرتبة الرفيعة فيالأداء الفني، لأنّه تعهد موهبتها منذنشأتها في حلب، فظلّ يتابع مسيرتها فيثريها كلّ مرّة بلحن شجيّ يزيد من إعجاب الجماهير وتقديرها لهذه المطربة[5].

وأبرز الأعمال التي غنتها زكية حمدان إلى جانب قصائد "خلقت جميلة" و"سليمى" و"ناسي هوانا" و"لماذا تخلّيت عنّي" لخالد أبو النّصر موشّح "ربّ ليل" للسان الدّين بن الخطيب وأغنية "مساكب الورد" من ألحان ميشال خياط، وموشّح "يوم جددت ليالينا" لأنطوان زابيطا، وقصيدتي "ويحك يا قلبي" و"يا قلبي غنّي" للملحّن عفيف رضوان وأغنية "أعياد الثّورة" الوطنيّة من نظم أسعد السّبعلي وألحان شفيق أبو شقرا.  كما غنّت زكيّة حمدان أغنية ليبيّة "البارح منام اللّيل بين أيديه" وموشّح "يا غضيض الطّرف" وعدّة أغان تراثيّة قديمة مجهولة الشّاعر والملحّن وهي: "أراك" و"إلى ضفاف القلوب" و"أنا يا عود" و"أنا من لبنان" و"أنت وأنا"و"أيا منيتي قلبي يهيم" و"شوف القمر سهران" و"الله معاك" و"هات من دمعك نغما" و"هل صفّي روحك" و"يا حلو" و"يا عاشقي"[6]...

دلّت زكيّة حمدان في حفلاتها الغنائية الشّهيرة التي أحيتها في مختلفمسارح ودور اللّهو في حلب ودمشق وبيروت طوال سنين الأربعينيات والخمسينياتوحتّى الستّينيات، عن طول باعها وتمكّنها من الأعمال التراثية من موشّحات وأدوار وقصائد وقدود حلبيّة وما إلى ذلك. ويمكن القول على ضوء تلك الحفلات المسجّلة التي تضمّها مكتبات الإذاعتين السّوريّة واللّبنانيّة، إنّ موضع زكيّةحمدان الفنّي يأتي في الصّدارة بين المطربات العربيات في هذا الفن الصعبالوعر المسالك، وبخاصّة في نوعي العرض الصّوتي الحرّ، والمقيّد بالتّلحين، فهيتعي تماماً وتعرف المواطن التي يمكن استغلالها للانطلاق منها إلى المقاماتالقريبة من المقام الأصلي والمقامات الأخرى البعيدة، والتي كانت تلجأإليها لتظهر مقدرتها وتفوّقها قبل أن تعود إلى مقام الأغنية الأصلي الذيانطلقت منه. كما أطلق على المطربة زكيّة حمدان لقب "أمّ كلثوم الشّام" لشهرتها بتقديم روائع أم كلثوم.

يعتبر الرّصيد الغنائي الخاصّ بالمطربة زكيّة حمدان رصيدا محدودا مقارنة بغيرها من مطربات ما بعد استقلال سوريا، إلاّ أنّ هذه المحدوديّة تلمّح إلى التزامها بخطّ موسيقي تعبيريّ متّزن ورصين، جعلها لا تقدم على أيّ عمل إلاّ متى درسته دراسة مليّة في حدود مشاركته في إثراء السّاحة الفنّيّة. ولا أدلّ على ما أشرنا إليه من أنّ جلّ الملحّنين الذين تعاملوا معها آمنوا بقدراتها وخاصّة بكفاءتها التّواصليّة لا سيّما بالنّظر إلى المضامين الشّعريّة التي كانت تنتقيها بنفسها أو ينتقيها لها هؤلاء الملحّنون ومن بينهم روّاد المدرسة المصريّة الحديثة رياض السّنباطي ومحمّد عبد الوهاب، وكذا رائدا المدرسة اللّبنانيّة الأخوين الرّحباني. كما يتجلّى في الجدول الآتي للأعمال التي غنّتها زكيّة حمدان إلى أواخر سنة 1987م تاريخ وفاتها في الكويت حيث اشتغلت أواخر أيّامها بعقد احتراف مع الإذاعة والتّلفزيون الكويتي.

واليوم بعد رحيلها يجمع متتبّعو رحلتهاالفنيّة على أنّها صنعت بصوتها وفنّها تاريخ الغناء العربي الرّومانسي والتراثيفي القطرين العربيين السّوري واللبناني طوال ثلاثين عاماً من احترافهاللغناء ما جعلها تتربّع على عرش مطربات عصرها، واعتبرت أيضا بحقّ، مثل المطربة "ماري جبران"، سيّدة مطربات بلاد الشّام خلال النّصف الأوّل من القرن العشرين.

جدول الأغاني التي أدّتها المطربة زكيّة حمدان

القالب الغنائي

العنوان

الشّاعر

الملحّن

الموشّح

ربّ ليل

لسان الدّين بن الخطيب

ميشيل خيّاط

يا غصن نقى

أمين الجندي

أمين الجندي

يوم جددت ليالينا

قديم

أنطوان زابيطا

 

 

القصيدة

خلقت جميلة

مدحت عكاش

 

خالد أبو النّصر اليافي

آه رأت سليمى

نوفل إلياس

لماذا تخلّيت عنّي

نزار قبّاني

ناسي هوانا

قديم

يا بيتنا

ويحك يا قلبي

محمّد علي فتّوح

عفيف رضوان

يا قلبي غنّي

مارون نصر

الكرنك

أحمد فتحي

محمّد عبد الوهاب

 

 

الأغنية

أنا في انتظارك

محمود بيرم التّونسي

زكريّا أحمد

يا حلاوة الدّنيا

مساكب الورد

مسلم البرازي

ميشيل خيّاط

من كتر حكي البشر

رشيد نخلة

أعياد الثّورة الوطنيّة

أسعد السّبعلي

شفيق أبو شقرا

يا ظالمني

أحمد رامي

رياض السّنباطي

يا زورق الحب

الأخوين الرّحباني

الأخوين الرّحباني

الدّور

يا حبيبي كان فؤادي يحنّ إليك

قديم

داوود حسني

 

 



[1]- الشّريف (صميم)، الموسيقى في سورية أعلام وتاريخ، دمشق، منشورات وزارة الثّقافة، 1991، ص 170.

[2]- الشّريف (صميم)، المرجع السّابق، ص 173.

[3]- البوّاب، (سليمان سليم)، موسوعة أعلام سورية في القرن العشرين، دمشق، دار المنارة، 2000، ص 70.

[4]- مبيّض، (عامر رشيد)، مئة أوائل من حلب، أعلام، معالم أثريّة، صور وثائقيّة، حلب، دار القلم العربي، 2004، ص 1731.

[5]- البوّاب، (سليمان سليم)، المرجع السّابق، ص 85.

[6]- بن ذريل )عدنان(، الموسيقى في سوريا البحث الموسيقي والفنون الموسيقية منذ مئة عام إلى اليوم، دمشق، دار طلاس،2/ 1988، ص 140.