خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

ظاهرة التعبير في الموسيقى العربية

. مقالات

 

 الاستاذ المهدي بن أحمد

لغة: عَبَرَ الرّؤيا يَعبُرها عبرا و عبارةً وعبّرها :فسّرها واخبرها بما يؤول إله أمرها.[1]

اصطلاحا: التعبير عموما هو ترجمة فكرة وتبليغها باستعمال لغة ما, بحيث  تصبح هذه اللغة محملة بالدلالات. ودقة التعبير تستوجب انتقاء جيد للعبارة التي تقدم المدلول بصفة واضحة من جهة، وكذالك تولد في السامع أو في القارئ ما نرجو إثارته فيه, تجاه هذا المدلول من حالة تفاعل نفسية وعاطفية من جهة أخرى.

ويمكن أن تتجاوز وسائل التعبير لغة الكلام لتمتد إلى كل ما يمكن أن نستعمل من رموز، وإلى كل ما فيه دال ومدلول دون أن يتغير معنى هذا المصطلح، بحيث نستطيع أن نبلغ رسالة، ونعبر عن مشاعر وأحاسيس وأفكار عن طريق الرسوم أو الحركات والإشارات... ولعل من أقدم أشكل التعبير التي عرفها الإنسان هي الرسم والرقص وذلك بالرجوع إلى بقايا أقدم الحضارات كالحضارة الفرعونية والبابلية وغيرها والتي اعتمدت الرسوم على جدران الكهوف والأهرام لتعبر عن معتقداتها ومشاغل الإنسان في تلك الفترة، إلى جانب الرقص الذي يجعل الإنسان منذ أقدم العصور يعبر عن انفعالاته و هواجسه وفي شكل أعمق يجعل الرقص الإنسان يعبر عن وعيه بوجوده المادي  .

وكان الرقص مرتبطا بالإيقاع الذي يعتبر من أول مظاهر الموسيقى، كذلك يمكن تصنيف محاولات تقليد أصوات الطبيعة كأولى مظاهر التعبير الموسيقية.

التعبير في الموسيقى العربية:

تعتبر فكرة التعبير عن الفكر بواسطة الموسيقى فكرة حديثة نسبيا، فقد كان ينظر لهذا الفن كأداة توليد لحالات التعاطف من خلال التعبير عن حالات الحزن و الفرح وغيرها من الحالات النفسية للإنسان .

فقد برزت المدرسة التعبيرية في الموسيقى كتيار فكري غربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ومع ما لحق العالم العربي من تطورات و ما عرفته الموسيقى العربية من تفتح على الغرب وحالت التثاقف التي عرفتها خاصة بعد زيارة العديد من الموسيقيين العرب لبلدان الغرب انتشر التيار التعبيري في الموسيقى العربية.

والتعبير بالموسيقى يقوم على عناصر عديدة تتشارك وتتكامل مع بعضها، فالباحث سعيد اللحام مثلا يقسم عناصر اللغة أو التعبير الموسيقي إلى: "الإيقاع، اللحن، التوافق الصوتي، الصوّر، القالب، المؤلف والعازف."

كل هذه العناصر تتشكل مع بعضها البعض لتسهم في عملية التعبير في الموسيقى.

كما يقترح الباحث علي عبد الله تحديدا آخر لعناصر التعبير فيقول: "الإيقاع أو الزمن، اللحن أو تنوع الطبقة، والتوافق أو التضاد النغمي الذي يتحقق بنسيج كونترابوني أو بنسيج هارموني والطابع أو اللون الصوتي (الجرس الموسيقي) والتدرج الديناميكي."

وعلى ضوء ما سبق باتت الموسيقى من أهم الفنون المعتمدة في التعبير عن عدة حالات نفسية ورؤى فنية يقول الدكتور الباحث ثروة عكاشة: "تبدأ الموسيقى من حيث تبطل قدرة الألفاظ على نقل المعاني والأفكار بصدق وشفافية."

فالعبارة الموسيقية تصل إلى الأعماق بالتأثير الحسي والإيحاء إنها بلا مدلول محدد كالكلمة ولكنها تترك للمتلقي مجالا واسعا للتأمل والتحليل والتأويل علاوة على أنها لغة عامة يحس بها الإنسان أينما وجد.

والتعبير بالموسيقى هو تعبير عن الجانب الشعوري عند الإنسان يخاطب بالفنان خيال الآخرين .

يقول الباحث عزيز الشوان  في هذا السياق:

 "إنه تعبير حر غير ملزم بتحقيق هدف محدد أو مطلب خاص ولكن هذا التعبير يأتي تحت تأثير حدث معين أو ظروف خاصة انفعل بها الفنان فأفرز تعبيرات إنسانية تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان ومن هنا قيل إن الموسيقى لغة عالمية لا تحتاج لمترجم أو شرح."

*التعبير في الموسيقى الآلية الصرفة:

 

كانت الموسيقية العربية قديما تقوم على الوظيفة السمعية التطريبية، أما في عصرنا الراهن وبانتشار التيار التعبيري خاصة في المؤلفات الموسيقية الآلية وما شهدته من تطورات على مستوى القوالب الآلية الصرفة حتى باتت هذه الأخيرة أسلوبا قائما بذاته يعبر عن معان وأفكار وانفعالات ونعتمد في ذالك على الجانب السمعي.

من رواد المدرسة التعبيرية الموسيقية العربية محمد القصبجي الذي كانت له تطلعات هامة في مجال الموسيقى الغربية وكان له الفضل في إدخال التعبير في العزف مثل مقطوعة ذكريات، وكذلك الأخوين منير وجميل بشير ومحمد زين العابدين وجميعهم مثل تطور المدرسة التعبيرية في التأليف والعزف على آلة العود.

فقد سعى عدّة موسيقيين من العصر الحديث إلى تطوير طرق العزف والتلحين كما طوروا الآلة أورغانولوجيا. كل هذه التطورات كان من ورائها إبرازا مقدرة الآلة على القيام بالوظيفة التعبيرية، يقول الأستاذ الباحث محمد زين العابدين في هذا المعنى: "ونضع في هذه الغاية أن تطور تركيبة آلة العود قد يجعله من أكثر الآلات إمكانية على التعبير." كل هذا ساهم في تطوير القوالب الآلية الكلاسيكية في التأليف لآلة العود مثلا، نظرا لكونها كانت تقوم على غاية واحدة وهي التطريب وإثارة الانفعالات البسيطة.

يقول الباحث عزيز الشوان:

"وفي المرحلة الكلاسيكية ارتبط المؤلفون بالأشكال الجامدة على حساب الانطلاق في التعبير العاطفي والحرارة البشرية والخيال الفياض، ثم تخلص الرومنطيقيون نوعا ما من قيود القالب أو الشكل وقواعد الإنشاء السائدة في سبيل تعميق المضمون وتجسيد مشاعر المؤلف، لقد بحثوا عن نظام جديد داخل نطاق الحرية واعتبروا أن التقيّد بالقوالب الكلاسيكية نوع من العجز لا يسير عليه إلا الضعفاء."

فلو استمعنا مثلا لبعض المؤلفات الكلاسيكية من بشارف أو سماعيات لوجدناها تخلو من أي بعد تعبيري ماعدا غايتها الأساسية وهي التطريب. بالتالي وخاصة بعد ما شهدته آلة العود من حالات التثاقف خاصة في أواخر القرن العشرين خاصة مع بعض المصاحبات الأركسترالية وكان من أهم روادها أنور ابراهم ومحمد زين العابدين حيث اتخذت آلة العود بعدا تجريديا تعبيريا خالصا.

وبناء على ما تقدم يمكن القول أن الموسيقى العربية وخصوصا الآلية قد بدأت بالتحرر من القوالب الجامدة، وبالتالي تجاوزت غاياتها السطحية المتمثلة في التطريب إلى أبعاد أكثر عمقا كالتعبير عن أفكار و رؤى والترميز إليها من خلال الموسيقى.