أهمية الموسيقى في التربية عند ابن رشد

. مقالات

 

نقلاً عن المفكر المغربي ابراهيم بورشاش

تحتل الموسيقى الترتيب الخامس في سلم العلوم الرياضية، فلها أهمية قصوى في التربية عند ابن رشد إذ هي "عشق للحسن بالذات" ولذلك "لا يضاهي عشقـهـا عند أهلها لذة من اللذات". وابن رشد يجاري أفلاطون في الحديث عن الموسيقى وأهميتها رغم أنه من الفلاسفة القلائل الذين لم يتركوا شيئا في التأليف الموسيقى. في حين نجد الكندي يترك مؤلفات موسيقية منها "رسالة الكندي في خبر صناعة التأليف"، ويذكر الكندي في هذا الكتاب أنه ألف كتابين في الموسيقى كتابه هذا، وكتاب آخر سماه "كتابنا الأعظم في التأليف" الذي ألفه كما يقول "بالقول المرسل الذي يجب أن يقال فيه بتقصي البرهان". ونجد الفارابي يكتب "الموسيقى الكبير"  شهادة على تضلعه الموسيقي علما ومزاولة، "فكان ذلك أمكن له في تعريف المبادئ والأصول ودقائق الصناعة" كما يقول محقق الكتاب. وهو الكتاب الذي تتلمذ عليه ابن باجة الذي صرح أنه زاول صناعة الموسيقى حتى بلغ فيها مبلغا رضيه لنفسه وكان يفخر بأنه يضرب على العود رغم أنه على ما يبدو لم يخلف أثرا موسيقيا. كما نجد ابن سينا الذي خبر الموسيقى يؤلف فيها رسالة يعالج فيها "الكليات دون الجزئيات، معطيا أبعاد الوتر وتنوع النغمات في السلم الموسيقى بأبحاث رياضية بحتة".

يمكن القول إن ابن رشد في حديثه عن الموسيقى تحاشى الجدل الدائر في المجتمع الإسلامي حول الموسيقى والسماع تحليلا أو تحريما وثمن رأسا أهمية الموسيقى والألحان والغناء في تربية النشء وتربية الفيلسوف، ولعل مرد هذا الموقف الرشدي أن يكون امتلأ بمواقف الغزالي الذي دافع في الإحياء عن السماع، وموقف أبي بكر بن العربي الذي دافع عن الموسيقى دفاعا حارا، وموقف ابن حزم كذلك. لعله لم يلتفت إلى المواقف المضادة للموسيقى لأنه يجد لها العذر، كما وجده لها الفارابي من قبله في كتابه في الموسيقى عندما أرجع المواقف السلبية من الموسيقى إلى الابتذال الذي وقعت فيه، وكاد أن يعذر الشرائع في تحريمها، وأنشأ كتابه من أجل تصحيح النظر إلى الموسيقى. وكذلك صاحب كتاب ""كمال أدب الغناء" الحسن بن أحمد علي الكاتبالذي رد الانصراف عن الموسيقى إلى إفراطها في الهزل. ولعل لهذا السبب نفسه كان ابن رشد يدعو إلى رفع مستوى الموسيقى نغما وإيقاعا وقولا ولذا نهى عن اعتماد كثير من أشعار العرب.

فكيف تفعل الموسيقى فعلها في تربية النشء عند ابن رشد؟

 الارتباط بين صناعة الموسيقى والصناعة المدنية أو العلم المدني درس من الدروس يقدمه ابن رشد متابعا في ذلك أفلاطون، وهو الدرس الذي عرج عليه الفارابي في كتابه "الموسيقي الكبير"؛ فبعد أن ذكر هذا الأخير أهمية الأقاويل الشعرية وأثرها الإيجابي في الحياة المدنية وأفصح عما يمكن أن تفعله الموسيقى في الإنسان متى تلبست بالأقاويل الشعرية، أحال إلى المعرفة المنطقية فهم أصناف الأقاويل الشعرية والأشياء التي تلتئم منها ومن أين تصنع، كما أحال إلى الصناعة المدنية معرفة منفعة كل صنف من أصناف الأقاويل الشعرية في الأمور الإنسانية. مما يؤكد الارتباط العميق بين الشعر والموسيقى من جهة وبين العلم السياسي من جهة أخرى في حس الفارابي متابعا في ذلك أفلاطون.

 تدخل الموسيقى في التربية إذن باعتبارها أداة يتوسل بها إلى حمل النشء على العمل بالفضائل، بل إن الموسيقى تحسن أخلاق الرُضع في المهد، فكره الموسيقي هو بداية الانحراف في المدينة. وبقدر الابتعاد عن الموسيقى تفتقد الفضيلة. لذا يدعو ابن رشد إلى استعمال الألحان مع الأطفال وهم أبعد عن سن التمييز. إذ أن هناك طريقين للتربية؛ طريق الأقاويل الإقناعية والانفعالية، وطريق العقاب. والموسيقى ألصق بالطريق الأول الذي "يجري من بين طرق التعليم مجرى الطبع". والنساء، عند ابن رشد، أكثر حذقا من الرجال في فن الموسيقى العملية، إذ الألحان تبلغ كمالها إذا أنشأها الرجال وعملتها النساء.

 أكد أفلاطون في الجمهورية كثيرا أهمية الموسيقى في غرس حب القانون في النفوس، وفي تيسيرها للعقل لإدراك الفضائل، وأكد على أنها تؤدي في النهاية إلى حب الجمال، ولذا سينهى عن الابتداع في الموسيقى لأن في ذلك إفسادا للمجتمع وهو ما سيتابعه فيه ابن رشد.

 إن "الموسيقى [عند ابن رشد] هي هذه الأقاويل المحكية التي يرافقها اللحن والتي يحصل بها لأهل المدينة تهذيبهم، وهذه الأقاويل هي أقاويل شعرية يرافقها اللحن لتكون هذه الأقاويل أقوى أثرا وأكثر تحريكا للنفوس فتؤدي الموسيقى بذلك خدمة للشعر ينفذ من خلالها إلى النفوس ليفعل فيها فعله من التهذيب، وقديما جعل الفارابي الصناعة الشعرية رئيسة الهيئة الموسيقية وأن غاية هذه الهيئة إنما تطلب لغاية تلك الصناعة الشعرية، مما جعله يؤكد في مناسبات العلاقة الوثيقة التي تجمع صناعة الموسيقى بصناعة البلاغة وصناعة الشعر.

 ومن هنا يجب تجنيب الموسيقى الإسفاف فَتُصرف عنها أشعار الغزل، بل كل الأقاويل المحركة إلى اللذات والتي تحث على الكسب وجمع المال. ولهذا السبب نجد ابن رشد يحذر من أشعار العرب لأنها مليئة بالسقط من الأقاويل التي لا تصلح لتربية الحفظة كما يحذر من الأنغام المائعة والمعبرة عن الحزن والخوف داعيا من حيث القول الشعري إلى اختيار الأقاويل المحفزة للصدق المحركة للشجاعة وصواب الرأي والتقوى منبها إلى ضرورة مراقبة الشعراء حتى يتجنبوا محاكاة ما هو خسيس من الأشياء. محذرا "من إحداث أي بدعة في الموسيقى" لأن بذلك ينتقل "الضرر بسهولة إلى المدينة كلها من غير أن يحس بذلك، ولا يبعد أن يتمكن من النفوس شيئا فشيئا إلى أن ينتهي إلى إفساد الشرائع والنواميس"، ففساد الموسيقى هو فساد للنفوس والشرائع إذن.

أما من حيث الإنشاد الموسيقى الذي يتركب من ثلاثة عناصر؛ إيقاع ولحن وقول جار مع اللحن، فإن ابن رشد من حيث الإيقاعات يدعو إلى البحث، في الأندلس، عن الإيقاعات التي تحض على رباطة الجأش أو تميل بالنفس إلى السكينة لأهميتها في التربية كما يحض على التحبيب في الألحان المحركة إلى الشجاعة والفضائل الهادئة، أما القول الجاري مع اللحن وهو القول الشعري فيريده، كما مر بنا، قولا بعيدا عن الإسفاف، لتتكامل عناصر الإنشاد الموسيقى لأن "الألحان الكاملة إنما توجد بالتصويت الإنساني"، وتصبح الموسيقى، كما يريدها ابن رشد، عشقا للحسن بالذات ومرقى من مراقي سلم الفضائل لأن فساد الموسيقى هو فساد للمدينة بأجمعها؛

 لقد أضاء الفارابي بعضا من هذا المعنى عندما أكد أن كثيرا من الأخلاق تابعة للانفعالات النفسية وللخيالات الواقعة فيها، ومن هنا صارت الألحان الكاملة ذات نفع كبير في إفادة الأخلاق وفي حمل السامعين على التلبس بالأفعال المطلوبة منهم وعلى اقتناء سائر الخيرات الإنسانية مثل الحكمة والعلوم، وعلى تقبل القول الشعري الهادف ما دام اللحن شيئا آخر زائدا في معنى الشعر وبهائه. كل هذا ما دامت الموسيقى مرتبطة بالأخلاق أما إذا فسدت الموسيقى فإنها تكون سببا في نشأة الشرور كما أكد ابن رشد.

 إن فساد الموسيقى عند ابن رشد سبب في تولد الشرور. وتفسد الموسيقى عندما تفقد بساطتها وتصبح موسيقى مركبة خالية من الأخلاق مما ينذر بظهور صناعة القضاء التي تخلو منها المدينة الفاضلة. إن صناعة القضاء تظهر عندما تفقد الموسيقى دورها في ترسيخ الفضائل وتهذيب النفوس، مما يشي بالأهمية التربوية للموسيقى في حس فقيهنا الفيلسوف ويبين خطرها الجمالي الكبير عندما تفسد أو يخلو منها كل منطق تربوي هادف.

 لكن الموسيقى لن تؤدي دورها الكامل إلا إذا كانت مصحوبة بالرياضة، فالموسيقى بدون رياضة "تحمل النفس على اللين، وتصيرها ضعيفة وفي غاية الخمول والدعة"، فالتوافق في نفس الفرد لا يتأتى إلا بهما معها؛ الرياضة تقوي النفس الغضبية والموسيقى تهذبها وتخضعها للعقل. بل إن الشجاعة لا ترسخ في النفس إلا بالموسيقى والرياضة معها.

كان ابن رشد حريصا على أن يسمع الأطفال كل ما هو خير، وانتصر للموسيقى انتصارا كبيرا لتربية الذوق السمعي حتى يستمرئ الألحان والإيقاعات والأقاويل التي ترسخ الفضائل. وإن كانت الموسيقى لا تفيد في التهيؤ للممارسة الفلسفية، أو بعبارة ابن رشد غير قادرة عن أن تكسب النشء "القوة … التي بها يستطيع الأنسان أن يكتسب معقولات العلوم النظرية"، ومن هنا حدودها التي تقف عندها.

 دفع حرص ابن رشد على صحة الأبدان والنفوس جميعا إلى الرفع من شأن الرياضة. كما دفعه حرصه على تربية الحاسة الجمالية عند الأطفال إلى أن يؤكد أنه على أطفال المدينة أن يروا كل ما هو جميل من أجل تربية عالية لحاسة البصر لأهميتها في ترسيخ الأفعال الجميلة من جميع الوجوه. من أجل ذلك ينتصر للتصوير ويحث المصورين، رسامين ونحاتين، على نحت الشخصيات الفاضلة وتجنب تصوير الشخصيات الواقعة في حمأة الرذائل للمساهمة في التربية الجمالية والأخلاقية لساكني المدينة وللأحداث منهم على الخصوص.

وأخيرا، انتصر ابن رشد للجمال وانتصر لكل ما هو جميل في تربية الإنسان؛ فالجميل عنده هو الذي يختار من أجل نفسه ويتميز بأنه ممدوح وخير ولذيذ، ومن هنا كانت الموسيقى باعتبارها عشقا للحسن بالذات شيئا جميلا وكان التصوير باعتباره تجسيدا للفضيلة شيئا جميلا، وكانت الفلسفة عنده أمرا جميلا.  ويمكن القول إن كل ما يفضي إلى الجمال، عند ابن رشد، فهو مطلوب في التربية الجمالية لناشئة المدن.  إن ابن رشد يريد لساكنة المدينة من الناشئة "يحاصرهم" الجمال من كل جانب، فيسمعوا ما هو خير، ويروا ما هو جميل، ويمارسوا بالتفكير والرياضة الجمال نفسه، "حتى ترسخ فيهم الأفعال الجميلة من جميع الوجوه" وتبدو هذه المحاصرة عندما يشبه ابن رشد المدينة بالسكنى في مكان سليم يعود بالنفع على ساكنته بما يتولد فيه من أرائج وخمائل وغيرها.