خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموسيقى العربية بين الشفاهية وتكنولوجيا الاعلام المعاصر

. مقالات

  1.  

    بين الشفاهية و تكنولوجيا الإعلام المعاصر عنوان محاضرة للمؤلف والباحثحسان طه تتناول علاقة الموسيقى بالإعلام انطلاقا من البحث في طبيعة الموروث الموسيقي العربي المفتقر إلى "آلية تفكير علمية في البحث"، وهو ما يعيده المؤلف إلى "سكون الفكر العربي بشكل عام والهوة الكبيرة التي مرت بها الموسيقى من نهاية العصر العباسي أي حوالي القرن العاشر إلى بدايات القرن العشرين".

    ونظرا لما وصلت إليه المحاضرة من نقاط جديرة بالتأمل والدراسة نعيد نشر ملخص عنها لفتح باب الحوار.

    يبدأ المؤلف محاضرته بمقدمة تبين ارتباط: الكينونة الإنسانية عبر تاريخها الطويل, بمفهوم الأخر وكيفية التماهي معه، وافتراضها حالة من التواصل والتفاعل والاتصال, باتجاه التأثير والتأثر، مشيراً إلى إن عملية التواصل الإنساني مرت عبر التاريخ برحلة طويلة, بدأت من التواصل شفاهة في نفس المكان ونفس الزمان, إلى كسر المكانية من خلال البريد والبرق, إلى التهاتف من خلال الهاتف, إلى وسائل الاتصال المسموعة والمرئية من خلال الإذاعة والتلفزيون, إلى شبكة الانترنت, وكسر حاجز الزمان والمكان إلى الوجود الافتراضي".. كل ذلك.."أثر على طرق التفكير الإنساني, وساهم في طرق تشكل الثقافات الإنسانية, ومن المؤكد أن الحضارات التي وعت أهمية الانفتاح على الآخر, كانت هي الأعمق والأكثر حيوية, وقدرة على البقاء والتجدد.

    ويقول "طه": "السؤال الآن, ما هو موقع الإنسان العربي بكل ثقافته وموروثه ضمن هذه التغيرات؟ هل يكون فعالا ومساهماً في بناء الثقافة الإنسانية المعاصرة؟ أم يكون حيادياً؟ كيف يتقبل تكنولوجيات التفكير العلمي المعاصر؟ هل يقع أسير فكرة الهوية والموروث في زمن كسر المكان والزمان وتعدد الثقافات؟ في رأيي الشخصي لدى هذا الكائن الآن فرصة للنظر إلى نفسه من خلال الآخر, لتحريك السكونية في آليات تفكيره, وهذا التحريك لم يعد اختيارياًً وإنما قسرياً كفعل له علاقة بمسألة صراع البقاء على المستوى المادي والمعنوي (ثقافياً - فنياً) وعلى روحانيات الكائن البشري ووعيه الوجودي".

    وبعد المقدمة يتناول المؤلف :"التراث الموسيقي العربي من منظور أكثر أكاديمية" حيث يذهب إلى أن الموسيقى العربية تفتقر إلى آلية تفكير علمية في البحث في الموسيقى العربية, وهذا نتيجة عدة أسباب منها سكونية الفكر العربي بشكل عام, والهوة الكبيرة التي مرت بها الموسيقى من نهاية العصر العباسي أي حوالي القرن العاشر إلى بدايات القرن العشرين والتي أدت إلى ابتعاد الموسيقى عن العلم والبحث فخرجت من حركة التاريخ الموسيقي في العالم ومدارسه الفنية المتعددة التي ارتبطت بحالة مركزية أوروبية. ويذكر "طه" إنه يمكن تقسيم التراث الموسيقي العربي من منظور أكاديمي إلى: التراث الموسيقي الشعبي الحامل لخصوصية الشعب، والناتح والمرتبط بالعادات والتقاليد, والذي يشكل أرضية موسيقية ثقافية بما يحويه من قوالب غنائية وآلات بسيطة الصناعة (المجوز، المزمار البلدي، اليرغول).  وهو بحاجة إلى وعي لحمايته وأرشفته وضمان عدم المساس به.

    النوع الثاني من التراث الموسيقي هو تراث الموسيقى التقليدية المعتمد على موسيقى لها قوانينها الخاصة, وقوالب موسيقية آلية وغنائية متطورة (بشرف، سماعي، دولاب، قصيدة، موشح، دور) وهي قوالب تتبع أسس المقامات العربية وتحريرها المقامي, وتحتوي ثروة إيقاعية كبيرة في طريقها إلى الضياع إذا لم يصار إلى إعادة إحيائها والاستعانة بطرق متطورة لحفظها وإعادة أرشفتها علماً بأن معظمها مدون لكن يفتقر إلى الدقة, وفي رأيي الشخصي لا يكفي تدوين الإيقاعات العربية والشرقية كتابياً فقط, لأنه لا يمكن التعامل معها على أساس الكم كحالة الإيقاعات الغربية وإنما على أساس الكيف (أي أن كيفية عزفها وضغوطها الخاصة هو أهم من الحالة العددية التي تحكمها ).  من هنا تبرز أهمية تكنولوجيا التسجيل حيث يمكن حفظ هذه الإيقاعات و(المقامات طبعاً) من موسيقيين في أعمار متقدمة في السن لأنهم على دراية بأساليب عزفها وغنائها لتصبح فيما بعد في أيدي موسيقيين أكاديميين يبحثون فيها (مع الاستفادة من تكونولوجيات الكومبيوتر وبرامجه) وفي أساليب الأداء الخاصة بالموسيقى العربية وخصوصية إيقاعاتها ومقاماتها.

    وينتقل المؤلف إلى: الثقافة العربية وتكنولوجيا المعلومات، حيث يشير إلى التداخل بين منظومتي الثقافة والمعلومات, ليخلص ثانية إلى سؤال "أين الثقافة العربية الآن من تكنولوجيا المعلومات؟"

    ويصل الباحث حسان طه إلى محور محاضرته: الموسيقى العربية بين الشفاهية والإعلام كحالة توثيقية، فيقول إن الشفاهية وعدم الدقة في التدوين، أضاعت إرثاً موسيقيا يمتد لأكثر من عشرة قرون, مع الإشارة إلى كتب مهمة كمراجع للبحث الموسيقي منها كتاب الموسيقي الكبير للفارابي.  ويمكن اعتبار هذه المراجع بدايات لآلية فكر عربي موسيقي ربط العلم بالموسيقي, لكن الحلقة الزمنية الضائعة (ق 10- ق20 ) أوقعت الموسيقى العربية في شرك التحريف والتشويه والاختلاط بموسيقات اقل تطورأً.  وساهمت الاكتشافات العلمية في بداية القرن العشرين وتطور وسائل الأرشفة الصوتية الممغنطة (الاسطوانات - أشرطة البكر الصوتية - الكاسيت ) في كسر شفاهية الموسيقى العربية وحفظها ربما من الزوال, حيث يمكننا الآن العودة إلى موروث معظم الموسيقيين العرب الذين عاشوا في بداية القرن العشرين مثل( سيد درويش), لكنها ساهمت من جهة أخرى في استمرار عدم تدوين الموسيقى العربية.

    الموسيقى العربية بين الإبداع ووسائل الإعلام العربي

    لابد من القول أن الموسيقى العربية هي أسيرة غنائيتها, بكل مراحل الإبداع التي مرت بها اعتبارا من بداية القرن العشرين بحكم ارتباطها بالنص الشعري العربي.  ومع أن الغناء العربي له جماليته وله أصواته التي جاد بها من أمثال أم كلثوم (في رأي الشخصي القصائد التي غنتها أم كلثوم للشيخ أبو العلا محمد ساهمت في تحرير الغناء العربي من تأثيرات الأداء التركي ) فان الموسيقى العربية فقدت الكثير من حالاتها الإبداعية, من خلال اقتصارها على الغناء فقط, ولابد من القول أن المتلقي العربي بكل شرائحه (العامة والنخبة) لا ينظر إلى الموسيقى إلا من وجهة نظر الطرب والترفيه التي ساهمت في ترسيخها وسائل الإعلام.  وعملت هذه الحالة على قتل الإبداع الموسيقي الآلي, بحجة أن الجمهور العربي يميل إلى الغناء والطرب (السلطنة) .. وكمثال يمكن أن نرى حالتين، الأولى عزف العود عند المطرب فريد الأطرش وقد راجت إعلاميا لارتباطها بالغناء, وأعتبر فريد الأطرش من أهم عازفي العود في الوطن العربي والحالة الثانية آلية عزف العود في المدرسة العراقية ومؤسسها الشريف محي الدين حيدر وتلامذته جميل بشير ومنير بشير التي تميزت بالتعامل مع آلة العود بأسلوب علمي أكاديمي, وأدت إلى تطوير عازف عود متمكن فنياً وتقنياً يستطيع أن يؤدي موسيقى آلية صرفة, وقد ظلت هذه المدرسة في الظل بسبب إهمالها من قبل الإعلام, وحتى لو سمعها المستمع العربي العادي, فيجدها بعيدة عن مزاجه الغنائي لأنه لم يهيأ للاستماع لهذا النوع من الموسيقى التي تعتمد على حالات آلية صرفة فيها جانب تأملي وحالات درامية وجدت صداها في الأذن المدربة, وهذه مهمة إعلامية كبيرة على الإعلام العربي أن يسهم فيها وتحديداً من خلال التهيئة للتجارب الحديثة وبناء قاعدة سمعية لها. فالإعلام يروج للسائد الغنائي فيساهم في تشكيل ذوق الجمهور مغفلاً فكرة الموسيقي الأكاديمي ومعتماً عليها وفكرة الموسيقى الآلية العربية وفكرة العازف الموسيقي الإفرادي، ومكرساً بالتالي فكرة أن العزف يعني مرافقة الغناء.  

    إن عدم المساهمة في تطوير حالة نقد موسيقي أكاديمي طرح التراث حالة متحفية مقدسة وحالة سياحية ترويجية في وقت كان من الضروري الغوص في أعماق هذا التراث وبالتالي العمل على تحريك سكونيته وفهم الموسيقى كحالة ثقافية بمدلول فكري وجمالي وفلسفي وأخلاقي ومعرفي ومعلوماتي.  من هنا نجد أن مفهوم الثقافة في الدول العربية ينطوي فقط على الأدب والشعر!  

    لقد أدى ترويج السائد إلى تراكم كم هائل من التفاهة الغنائية العربية الهابطة والهادفة إلى الكسب المادي تحت عنوان الأغنية المعاصرة التي باتت حالة من عدم الاتصال السليم بالآخر لأنها تروج لأمور بعيدة عن الموسيقى العربية ما يلغي قابليتها لتكون معاصرة بمفهوم أكاديمي نابع من دراسة خصائصها.  ويرى الباحث طه بأن لا حل إلا بالثقافة القائمة على الوعي والمنفتحة على الآخر, علماً أن معظم وسائل الإعلام العربية تتكلم عن رداءة الأغاني العربية المعاصرة, وهي مع الأسف المروّج الوحيد والأخطر لها!

    وتختتم المحاضرة بالقول: إن القدرة على خلق أرضية إعلامية عربية فاعلة ومتفاعلة تبدأ من العمل على الكائن العربي نفسه وعلى آلية استخدامه للعقل والعلم، والانفتاح على نظريات التفكير الجديدة، والاستفادة من تكنولوجيا المعلومات والإعلام لحماية الثقافة والتراث الموسيقي.