خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

باحث جزائري بفجر قنبلة موسيقية وينفي وجود زرياب

. مقالات

 

فجّر مؤخرا باحث جزائري «قنبلة» بالقول إن الموسيقار القديم زرياب لم يكن إلا "وهما". وهو ما أثار النقاش مجددا حول هذه الشخصية التي ينسب إليها التراث الموسيقي الأندلسي والمغاربي. إذ يعتبر زرياب واضع المقامات الـ24 المعروفة لهذا النوع من الموسيقى، التي تسمى محليا "نوبات". وطرح بهذه المناسبة سؤالا في غاية الأهمية: هل بني التراث الموسيقي المغاربي على "وهم"؟

الفنان الموسيقي الجزائري المعروف محمد بوليفة، يذكر حادثة طريفة وقعت معه بداية ثمانينات القرن الماضي في العراق. ويروي أنه عندما كان يدرس الموسيقى هناك، تحدّى أستاذه العراقي الذي عاب عليه حينها عدم تمكنه من الغناء وفق المقام العراقي. يقول بوليفة: "أخذت معي شريط كاسيت (من الجزائر) فيه موسيقى أندلسية وقارئ له، وقلت لهم تعالوا لأسمعكم تراثا جزائريا". ويضيف: "أسمعت الأستاذ العراقي ما غناه الفنان دحمان بن عاشور (من أشهر مطربي الأندلسي في الجزائر المعاصرة)، وبعدما سمع، قلت له إن ذلك هو تراث جزائري، وإن فيه نبض زرياب الذي عاش في الأندلس، فقال لي: إن ذلك صعب. وحينها أجبت بأن المقام العراقي أيضا صعب علي من ناحية الأداء.  قلت له: أنت كموسيقي يمكن لك عزف الأندلسي عندما ندونه لك، لكنك لن تستطيع غناءه".

إنه زرياب، المرجع في هذه الثنائية التي يتجدد معها جل المشرق والمغرب وإن بشكل مختلف، مع أن زرياب نفسه مشرقي المنبت والمنشأ، لكن القصة المتداولة عنه تقول إنه لم ينجح على النحو المعروف ويتحوّل إلى أسطورة حقيقية، إلا عندما اضطر إلى الهجرة قاصداً المغرب والأندلس تحديدا. وقد هاجر بسبب التهديد الذي تلقاه من أستاذه إسحق بن إبراهيم الموصلي الذي علمه أصول الموسيقى ولم يكن يتوقع أن التلميذ سيتفوق على الأستاذ، لكنه تغلب عليه بالفعل في حضرة الخليفة العباسي هارون الرشيد، فضاق صدر إسحق بزرياب وهدده بالقتل. وما كان من الأخير إلا أن رحل وبدأ حياة جديدة في مكان آخر. وقد اختار زرياب الأندلس، معيدا بذلك حكاية عبد الرحمن الداخل أو صقر قريش الذي فر بجلده من بطش العباسيين ليعيد تأسيس الدولة الأموية بشكل آخر في الأندلس.

ولأن الدولة الأموية في الأندلس كانت في صراع مع العباسيين، لم يتردد الخليفة عبد الرحمن الثاني في استقبال زرياب على أعلى مستوى ومكنه من تبوء المكانة التي يستحقها. وتمكن الأخير من وضع لمسته على الموسيقى العربية بإضافة وتر خامس للعود. وكان أول من افتتح الغناء بالنشيد، ومن عزف بالريشة بدلا من قطعة الخشب، وابتكر مقامات كثيرة لم تكن موجودة قبله وعددها 24 مقاما (وتسمى عند المغاربة نوبات). وهي أساس الموسيقى الحضرية الأندلسية والمغاربية المعروفة إلى الآن والتي ضاع نصفها تقريبا بمرور الزمن، قبل ظهور علم الموسيقى الحديث الذي حفظ ما تبقى منها.

زرياب الذي لم يكن مجرد فنان عابر مهما كانت عبقريته، هو بالفعل "أيقونة" الموسيقى الأندلسية المغاربية التي طالها شك على مر القرون، نتيجة لما سماه باحثون بالـ"ثغرات" وتناقضات في قصته مع بعض الوقائع التاريخية المحددة.  لكن جاء الآن من ينفي وجود زرياب جملة وتفصيلا. إنه الباحث الجزائري عبد الملك مرواني، الأستاذ بالمعهد الجهوي لتعليم الموسيقى بمدينة قسنطينة (الشرق الجزائري)، الذي ذهب صراحة للقول إن البحوث التي أجراها "تؤكد على أن الفكرة التي تشكلت عن زرياب لم تكن سوى من نسج الخيال الصوفي".

والباحث عبد الملك مرواني الذي ألّف في هذا الصدد كتابا بعنوان "زرياب والموسيقى العربية ما بين الأسطورة والحقيقة" قال إن أبحاثه توصلت إلى أن الحكاية المتداولة بشأن زرياب يكتنفها الكثير من الثغرات. وقال أيضا: "إن ما ورد حول كون زرياب قد تعرض إلى مؤامرة حاكها ضده أستاذه إسحق من أجل قتله (لا أساس لها من الصحة)". وأضاف أن الهدف من هذا الكتاب هو "استعادة الحقيقة التاريخية ورد الاعتبار لآل الموصل (إسحق ووالده إبراهيم) الذين انتهكت حقوقهم بأقاويل حيكت من العدم وروجتها التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال".

وقال مرواني إن كتابه "دليل متواضع من 173 صفحة، مقسم إلى خمسة فصول رئيسية تفسح المجال أمام الباحثين لتسليط الضوء على مسار كامل من تاريخ الموسيقى والفن المغاربي الذي لا يزال إلى غاية الساعة مدفونا تحت أنقاض مملكة النسيان وعدم اكتراث الباحثين".

وبالمختصر، فإن الباحث عبد الملك مرواني يقول إن حكاية زرياب هي مجرد "وهم صوفي"، وهي النتيجة التي صدمت الكثير من الباحثين في التراث الموسيقى الأندلسي والمغاربي الذين بنوا كل أبحاثهم حول هذه الشخصية.

الباحث في التراث الموسيقي الجزائري الحضري والأندلسي فوزي سعد الله، هو صاحب كتاب صدر نهاية سنة 2011 تناول تاريخ الموسيقى الأندلسية. وعلى الرغم من أن سعد الله انطلق في مؤلفه من زرياب، فإنه لم يتفاجأ بالنتيجة التي توصل إليها الباحث عبد الملك مرواني. ويقول فوزي سعد الله: "الجدل حول مشوار الفنان الكبير زرياب ليس جديدا، بل سبق أن ظهرت مؤلفات ودراسات تنكر عليه المكانة التي أعطته إياها مؤلفات التاريخ الإسلامي وكتاب (نفح الطيب) للمقري بشكل خاص. وليست المرة الأولى التي يُشكَّك فيها فيما يُنسب لزرياب من وضعه قواعد الغناء الأندلسي بالنوبات الـ24 المعروفة التي فُقِد نحو نصفها عبر القرون ولم يبق منها سوى النصف الآخر يُعمّر في بلدان المغرب العربي"، ويضيف سعد الله بالقول: "الذين أنكروا فضل زرياب على الموسيقى العربية الأندلسية قالوا إن أشهر إنجازاته، على غرار النظام الموسيقي الأندلسي القائم على النوبات وإضافة الوتر الخامس لآلة العود وغيرها من الإنجازات، مجرد (أسطورة) تناقلها الرواة والمؤرخون. هؤلاء لم ترق انتقاداتهم إلى قرائن قادرة على حسم هذه المسألة نهائيا، وإنما عرضوا تناقضات هنا وهناك تطرح علامات استفهام مشروعة ما زالت الإجابة عنها بعيدة المنال في ظل ما توصلت إليه البحوث والدراسات حتى الآن".

من جهة أخرى، يوجد كثير من الباحثين الذين يتمتعون بمصداقية كبيرة على المستوى الدولي ما زالوا (بحسب سعد الله) متمسكين بزرياب كحلقة أساسية في سلسلة الفنانين الكبار الذين صنعوا مجد الموسيقى العربية ولم يعتبروه "أسطورة" حتى الآن. وبالتالي لا يمكن نفي مشوار كمشوار زرياب بمجرد وجود بؤر غموض أو بضعة تناقضات فيما بلغنا من سيرته. وبناء على ذلك، يقول سعد الله: "تمسكتُ، شخصيا، في كتابي حول تاريخ الموسيقى الأندلسية في الجزائر، الذي صدر بداية أيلول/سبتمبر، بزرياب كمحطة أساسية في تطور الغناء العربي في مجمله وبإنجازاته المعروفة تاريخيا، في انتظار ثبوت أنه مجرد (أسطورة)، كما يقول المشككون، مع إشارتي للبؤر الغامضة في مشواره الفني".

وبخصوص المقامات (النوبات الموسيقية التي تشكّل التراث الموسيقي الأندلسي)، التي ينسبها الباحثون إلى زرياب ومآل هذا الافتراض لو كان زرياب "وهما" كما يقول مرواني، يؤكد فوزي سعد الله أن القول بذلك: "يعني ضمنا الطعن في (عبقرية) الإنسان المغاربي، والأمازيغي بشكل عام، وأن البلدان المغاربية لا فضل لها في ذلك وإن كل الفضل يعود للمشرق وللنظام الغنائي البغدادي والدمشقي وأسلوب المدينة المنورة. وهذا لا يدغدغ العواطف الوطنية لهذه البلدان التي خرجت منذ بضعة عقود فقط من ربقة الاستعمار. وهي بحاجة إلى تعزيز الحس الوطني لدى شعوبها".

من جهة أخرى، يستند بعض الباحثين الذين توصلوا إلى مثل هذه الاستنتاجات إلى كون جزء كبير من التراث الغنائي العربي الأندلسي المعروف اليوم، كما هو الشأن في الجزائر، ظهر بعد سقوط غرناطة عام 1492م، وأحيانا بعده بقرون، أي خلال العهد العثماني. ويتضمن هذا التراث مؤثرات محلية واضحة. لذلك هم يتساءلون: أين زرياب من كل ذلك إذا كانت هذه الأغاني لا علاقة لها بالأندلس؟ وأين هي النوبات الـ24، التي لا توجد قرائن مادية بحسبهم على أنها وُجدت فعليا؟ لكن هذه الملاحظات لا تكفي لنسف كل ما تم التعارف عليه حتى الآن حول النوبات الموسيقية الأندلسية التي قد يكون زرياب واضعها كما قد يكون مجرد مكمل لبلورة نظام تراكمت عناصره عبر الأجيال فوضعه في قالب محدد ومؤطر بشكل واضح ودقيق يتماشى مع تقاليد وأذواق زمانه. زيادة على ذلك، كون جزء كبير من التراث الغنائي العربي الأندلسي في الجزائر أو المغرب أو تونس أو ليبيا من إنتاج محلي لا يتناقض مع دور زرياب كمؤسس لنوع غنائي تحول إلى مدرسة قائمة بذاتها، وبنت الأجيال اللاحقة إنتاجها الغنائي على منواله ليصبح غناء مغاربيا بروح وقوالب أندلسية. علما بأن البلدان المغاربية جزء من المجال الحضاري الأندلسي الذي أصبح منذ عهد المرابطين والموحدين مجالا مندمجا مغاربيا - أندلسيا على المستويات الثقافية والاقتصادية، وحتى الديموغرافية.

ويخلص فوزي سعد الله إلى القول إنه لا يزال متصالحا مع ما جاء في المراجع الإسلامية عن دور زرياب في تاريخ الموسيقى العربية "إلى أن يتوفر ما يسمح بالانقلاب عليه من المعطيات والحجج القوية".

وفي كل الحالات، لا يزال الجدل قائما بشأن هذه الشخصية المثيرة التي تقترب من الأسطورة لكنها الأسطورة التي لا تعني الوهم في كل الأحوال.

المصدر صحيفة الشرق الاوسط اللندنية