خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الأنماط الموسيقية التراثية المغربية بين الدعوة إلى الوفاء للموروث أو تجاوزه إلى مجالات إبداعية أخرى

. مقالات

 

يزخر المغرب بالعديد من الأنماط الموسيقية التراثية، التي تعتبر ذخيرة فنية حية، ومخزونا ثقافيا وطنيا، من حيث هو علامة وشهادة على مستوى ما بلغه الإبداع الفني في المغرب منذ زمن بعيد، وما راكم المغاربة في هذا المجال من قوالب موسيقية شكلت بدورها رافدا من روافد موسيقى العالم.

وتتنوع الأنماط الموسيقية التراثية بالمغرب بتنوع تضاريسه الجغرافية، ما يؤشر على غنى الخارطة الموسيقية بالمملكة، فمن الموسيقى الأندلسية (طرب الآلة)، والطرب الغرناطي، وطرب الملحون، وفن المديح والسماع، إلى موسيقى عيساوة، والفن الحمدوشي، وفن أحواش، وفن أحيدوس، والدقة المراكشية، والعيطة الجبلية (الطقطوقة)، وفن العيطة، وموسيقى كناوة، والموسيقى الشعبية الحسانية وغيرها ... وهي كلها أنماط تشكل فسيفساء إبداعيا متمازجا، ونتاجا أثيرا متأصلا لشجرة الإبداع المغربي.

ويمكن الجزم بأنه لا يمكن استحضار الخصائص العامة للتراث الموسيقي المغربي وإغفال التباين في الإيقاعات والمقامات، وذلك لاعتبارات متعددة أهمها الغنى على صعيد الأنماط، والتنوع داخل كل شكل، ناهيك عن التعدد اللغوي والثراء الشكلي (آلات ولباسا وطقوسا).

والمقصود بالأنماط الموسيقية التراثية هو كل الأشكال والقوالب الآلية والغنائية، حيث يعرف الباحثون التراث الموسيقي والغنائي بأنه "المخزون الثقافي للشعب، ومادة ثقافية حيوية تعكس، بصورة صادقة، أحواله من خلال الفترات التاريخية التي مر منها، كما يجسد تأثيره في الأمم والمجتمعات التي ارتبط بها بعلاقات متنوعة .. مثلما أن الموسيقى هي تعبير رمزي عن تمثلات الإنسان وتصوراته لذاته وللعالم من حوله".

ويجمع العديد من الباحثين والمهتمين على أن الموروث الموسيقي والغنائي المغربي أصبح عرضة للضياع والاندثار، وأن "الوقت حان لجمع شتاته، وإخراج البحوث الجامعية التي تناولته بالدراسة والتوثيق، والتي ظلت حبيسة رفوف الجامعات والمعاهد العلمية، وتوثيق النصوص التراثية على شكل دواوين، وجعل التراث مادة تدرس ضمن المقررات التعليمية، والبحث عن طرق لتسويق الإبداع التراثي بشكل عقلاني وطرق حديثة".

ومع تأكيدهم على أهمية الموروث الموسيقي المغربي، فإن هؤلاء المهتمين والباحثين يذهبون مذهبين اثنين في تصورهم لهذا التراث وطريقة التعامل والتعاطي معه. فمن داع إلى تأصيله وتطويره وتجميعه والاستلهام منه، إلى مؤكد على ضرورة عدم الانشداد إليه، والتوجه إلى صياغة قوالب موسيقية وغنائية جديدة، تعيد للإبداع الموسيقي المغربي عبقريته، وتذكي جذوته، وتخرجه من مرحلة الجمود التي أدت، في رأيهم، إلى انحسار أفق الخلق والتجديد والابتكار لدى المبدعين المغاربة.

وفي هذا الصدد، يسجل عبد السلام الخلوفي، أستاذ مادة التراث الموسيقي المغربي، ومعد برامج فنية، أن التراث الإنساني بشكل عام، والتراث الموسيقي بشكل خاص، يتعرض في الآونة الأخيرة، لأبشع حملات التنميط والتهجين، ولأشنع هجمات الاستصغار والاحتقار، حيث جندت لهذه الغاية وسائل كثيرة، تستفيد مما تتيحه الثورة التكنولوجية العارمة في مجال الاتصال والتواصل، عبر شبكة الأنترنت وبواسطة الفضائيات التي أصبحت تستنبت كالفطر.

ويضيف أن من النتائج الأولى لهذه الهجمات المنظمة ما أصبح يلاحظ من ابتعاد، الكبار قبل الصغار، عن تراثنا الموسيقي الزاخر، والنظر إليه نظرة ازدراء، عوضا عن نظرة الإعلاء المفترضة، حتى أصبح كل مقبل على أي صنف تراثي يوسم بـ "الرجعي والمتخلف"، ومقابل هذا الاستصغار الملحوظ للتراث حتى في الأوساط المتنورة، يقول الباحث الخلوفي، أصبح يلاحظ احتفاء، غير مسبوق، بكل الصيحات الغنائية الوافدة، والاجتهاد في الترويج لها.

وأكد الخلوفي أنه "لا ينبغي أن تفهم دعوة الإقبال على تراثنا الموسيقي بكونها دعوة مبطنة إلى التخلي عن كل موسيقى وافدة، بل إن إلمامنا بتراثنا، هو المحصن لنا من كل غث نرمى به، ومشجع لنا على كل سمين نستقبله".

وأضاف أن ما يميز المغرب هو الغنى الحضاري والإثني والعرقي، فعلى مدى قرون تعاقبت على هذا البلد حضارات وأجناس وإثنيات، شكلت، بشكل تراكمي، مجموعة من الألوان الفنية، والتعابير الموسيقية، الحبلى بالعديد من التفاصيل، مبرزا أنه يترتب عن التنوع الجغرافي، الذي يزخر به المغرب، تنوع كبير على صعيد الألوان الموسيقية والغنائية والتعبيرية، ذات الطبيعة الشعبية، ولا يقتصر التنوع بين مختلف أنماط المناطق المغربية، بل يمتد إلى وجود اختلافات، على صعيد النمط الواحد، وفي المنطقة الواحدة.

إن مقاربة الفنون التراثية المغربية، في رأي الخلوفي، أمر محفوف بالكثير من الصعوبات، تنطلق من حداثة الاهتمام بهذه الفنون، في ما يتعلق بالجمع والتصنيف واستنباط القواعد، وأساليب الأداء، وكذا تلك النظرة الدونية، التي صاحبت عمليات البحث، التي قام بها الأجانب على الخصوص، أيام الاستعمار، إذ كانوا يعتبرون هذه الفنون فنونا بدائية، وروجوا لهذه الأطروحة بقوة بين المغاربة، بهدف الدفع بهم إلى التخلي عن هويتهم، والابتعاد عن جذورهم، حيث أن هذه الدعاوى وجدت صدى لها داخل المجتمع، حتى بين مثقفيه، فالمتشبعون بالثقافة الكلاسيكية، يقول الباحث أحمد بوكوس "يزدرون الفنون الشعبية باعتبارها فنونا بدائية ... أما الأنتلجنسيا المتنورة فتعتبرها تجليا لثقافة منحطة، من شأنها أن تغلنا إلى اللاعقلانية والتقهقر إلى الوراء".

وفي نفس التوجه، يؤكد محمد التهامي الحراق، الفنان والباحث المغربي في مجال التراث والتصوف والسماع الصوفي، أن الأنماط الموسيقية التراثية تعتبر ذخيرة فنية حية إذا أحسن التعامل معها والإفادة منها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال القول باجتثاث هذه الذخيرة أو نفيها والقطع الصارم معها.

ويقول الحراق، في تصريح مماثل، إنه علاوة عن كونها ذاكرة للوجدان الجماعي، وعن أهمية وظائفها النفسية والاجتماعية والثقافية، ودورها في تشكيل روح الانتماء إلى هوية معينة، فإنها تعد، بفضل تعدد مكوناتها، وانفتاحها على الإثراء والتطوير، منجما غنيا بالمعلومات الحضارية والمعطيات الأنتروبولوجية، سواء منها الخاصة باللباس أو الطبخ أو الغناء أو العادات في الأفراح والأتراح أو مختلف التقاليد التي تعكس وجها من أوجه التاريخ المعاش في تفاصيله الحياتية اليومية، وهي الحياة التي يحضر فيها الغناء كمؤثث فني جمالي واجتماعي واقتصادي وحضاري ونفسي لا غنى عنه لمن يريد التعرف على هوية جماعة معينة، ورصد معالمها الثقافية والحضارية والتاريخية.

ويضيف محمد التهامي الحراق، وهو المسؤول الثقافي والفني لـ "مؤسسة الذاكرين للأبحاث الصوفية وموسيقى السماع بالرباط"، أن النظر إلى هذه الأنماط من هذا الأفق تصبح منبعا ثريا لإلهام أهل الفن من أجل تطويرها، مع المحافظة على روح أصالتها الفنية، وهو تطوير ينحو منحيين:الأول تجديدها من الداخل وهو تجديد يحاول استثمار الآليات الداخلية لتلك الأنماط من أجل تحيين تأثيرها في المتلقي المعاصر وترهين وظائفها المختلفة. أما المنحى الثاني فيروم محاورة تلك الأنماط من خارجها، والعمل على الإفادة من ثرائها الشعري والإيقاعي والتلحيني والأدائي والطقوسي والجمالي في صياغة منجز فني معاصر يتفاعل بإبداعية مع تلك الأنماط، وبالتالي يضمن جودة "النسيان" التي على المبدع أن يتحلى بها في تعامله مع ذاكرته الفنية.

ويقصد الحراق بذلك "نسيان المبدع"، الذي يشترط فيه الاحتفاء بالذاكرة وامتلاكها من أجل التحرر منها، تحرر يعني الهضم وإعادة الصهر والصياغة، بحيث تغدو الذاكرة مادة أولية لا بد منها للإنتاج وإعادة الإنتاج، وذلك في جدلية ترى في التجاوز قمة الوفاء للموروث.جدلية مبدعة تشج ببهاء بين الاتصال والانفصال، متوصلا إلى أنه في المنحيين معا تبقى الحاجة إلى العناية التوثيقية والتجميعية للأنماط الموسيقية التقليدية، ذلك أنه لا إبداع بدون ذاكرة.

ويشاطر الباحث والموثق الموسيقي يونس الشامي من جهته الباحث الحراق رأيه بهذا الخصوص، إذ يؤكد أن الواجب الوطني أصبح يحتم على المهتمين والمسؤولين تسخير جميع الوسائل الممكنة للحفاظ على الأنماط التراثية ووقايتها من المخاطر المحدقة بها لضمان بقائها في المستقبل.

وفي تصريح مماثل، يؤكد الشامي، الذي أصدر إلى الآن ست نوبات من طرب الآلة بالتدوين الموسيقي حفاظا عليه من الاندثار وليبلغ الأجيال القادمة، أن تدوين هذه الأنماط التراثية بالكتابة الموسيقية، إضافة إلى تسجيلها الصوتي، هو خير هذه الوسائل وأنجعها، فهو لا يقيها فقط من الضياع والتحريف المحتملين إذ ظلت تعتمد على الرواية الشفوية في تناقلها، بل إنه يساعد على فهمها وتذوقها ويسهم في التعريف بها وتسهيل نشرها، كما أنه ييسر تعلمها والاستلهام منها، ويضع بين يدي المهتمين والباحثين وثائق عمل لا غنى عنها للتحليل والمقارنة والاستنتاج والاستلهام.

هذا الرأي يتقاسمه معه كل من الخلوفي والحراق، حيث يشدد الأول على أن تدارك هذه الفنون بالتدوين الموسيقي والتسجيل الصوتي والمرئي يعتبر أمرا ملحا، لأن الإمعان في ترك هذه الفنون لقدرها، لن يترتب عنه إلا ضياعها بموت حفاظها وأعلامها ومعلميها. في حين يؤكد الحراق ضرورة العناية بتوثيق هذه الأنماط الموسيقية وتدوينها وتجميع نصوصها وتلاحينها وأنغامها، وتخريج وثائقها العلمية والتعريف بأعلامها ودراسة آثارها ووظائفها الجمالية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية.

وفي السياق ذاته، يؤكد أحمد عيدون، الباحث المغربي في علوم الموسيقى، في مداخلة له في إحدى دورات موسم أصيلة الثقافي، أن الحفاظ على التراث الموسيقي يرتبط بالحفاظ على أحد مكونات الهوية الثقافية، مشددا على ضرورة التركيز على تدريس هذا التراث وإعداد وسائل ومواد تربوية داعمة لتلج هذه الموسيقى التراثية، بصفة مؤسساتية، برامج المعاهد الموسيقية، داعيا إلى العمل على تعزيز البحث العلمي في هذا المجال.

ويحذر عيدون من أن الأنماط التراثية الموسيقية، وبخاصة الشعبية منها، يتهددها خطر الاندثار، على اعتبار أن هذه الأنماط الشعبية، التي يتجاوز عددها في المغرب 70 نوعا، لا يتم تدريسها في المعاهد الموسيقية.

وبخصوص القطيعة مع التراث الموسيقي، يعرب عيدون، في أحد أحاديثه الصحفية، عن قلقه للقطيعة التي ينادي بها مجموعة من الشباب مع الأجيال القديمة، مبدياً تفهمه لأن يكون الصراع فنيا وأن يكون هناك اختلاف، لكن شرط أن لا يبنى هذا الاختلاف على صراع الأجيال. ويقول في هذا الصدد: "لا نستطيع أن نستمر في التجربة أو نؤصل لها ونصل بها إلى مستوى كبير على المستوى العالمي، إذا اعتقدنا أننا نستطيع محو التجارب السابقة، أو ألا نعترف بها. قد يكون من حق الشباب أن يرفضوا الوصاية، لكن عليهم أن يتعاملوا مع التاريخ كصيرورة، وليس كقطيعة".

أما الباحث سعيد المغربي، أستاذ الأنتروبولوجيا الثقافية، فيرى غير ذلك، حيث يعتبر أن مقولة التراث والتعامل معه "قضية فاشلة إن لم نقل متجاوزة"، وأن الانشداد إلى هذا التراث هو "عملية للحد من الطاقة الإبداعية للمبدعين، ولا يوفر لهم مجالا للابتكار الخلاق"، مؤكدا أن "هذا الخلق والابتكار لن يكون نشازا خارجا عن المؤثرات المحلية الذاتية الضاغطة مسبقا على مشاعر المبدع وأحاسيسه الفنية رغما عنه".

ويؤكد المغربي "أن المغرب في حاجة إلى مبدعين قادرين على تلبية انتظارات المغاربة الخلاقة"، ويدعو إلى "تجاوز معوق اللغة الإبداعية التبسيطي والعمل في مجالات أرحب وأوسع دون السقوط في العشوائية أو محاولة التوطين الموسيقي التعسفي الذي يسيء إلى المادة الإبداعية ولا يخدم لا التراث ولا الإبداع على حد سواء".

من جهته، يرى الباحث الموسيقي وعازف العود المغربي ناصر الهواري أنه لا يمكن لأي بلد يريد الحفاظ على هويته وصيانة مقومات وجوده الاستغناء عن التراث عند أي إبداع موسيقي إذ يجب حتماً الانطلاق من أساس الهوية الموسيقية المتمثلة في التراث نفسه لأنه في البدء والختام أصل الهوية ومرآة فن كل بلد.

وبعد أن أوضح الأستاذ الهواري، في هذا الصدد، أن الإبداع لا يأتي من عدم، بل يستنبط من التراث وبخاصة من القوالب التقليدية، باعتبار ذلك هو الهوية الحقيقية لكل مبدع، أكد أن تطوير هذا التراث والأنماط التي تندرج ضمنه يبقى أمرا مستحبا، ليس لمحوه أو لتعويضه، بل لإثراء الإبداعات والاقتباس منه، من أجل خلق آفاق جديدة ورؤيا معاصرة للفن.

وأبرز أن الموروث الفني والثقافي هو مفخرة كل بلد أصيل، وأن ما يروج حاليا في الساحة الفنية ما هو إلا تقليد وإعادة صياغة لتراث أجنبي جرى تطويره في بلد ما، أما في البلاد العربية فهناك شعور بنفور "مبدعينا من تراثنا مخافة أن يتهموا بالمتخلفين أو الساذجين".

إن التوثيق لكل الفنون الجميلة والأنماط الموسيقية التراثية في كل المناطق المغربية، عن طريق الأبحاث والنصوص، والصوت والصورة، أصبح اليوم ضرورة ملحة من أجل الحفاظ على الذاكرة الموسيقية والغنائية المغربية، ودفع أجيال من الشباب إلى التصالح مع تراث الأجداد، وإلقاء أضواء كاشفة على أهم ملامح هذه الأنماط وأبرز روادها وما يتوسلون به من آلات وترية وإيقاعية، والمصطلحات المستعملة في هذه الأنماط التراثية وبنياتها وأدوارها اللحنية.

تلك دعوة موجهة لكل باحث وفنان غيور على تراث بلده، من أجل إنقاذ الموروث الموسيقي التقليدي بمختلف عناصره والحفاظ عليه واستدامته.

المصدر صحيفة الخبر المغربية