خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

د. رتيبة الحفني : وديع الصافي رسم هوية الاغنية اللبنانية الخالصة

. مقالات

 

لا نغالي إن قلنا بأن صوت وديع الصافي أقوى أصوات الرجال في العالم العربي بلا استثناء، إذ أن مداه ديوانين ونصف الديوان تقريبا - أي 18 مقاماً أو نغمة.  ويهبط بصوته من أقصى الحدة إلى أقصى الغلظ بسهولة متناهية.  صوته ضخم جذل وفي الوقت نفسه رقيق رشيق، وصفه الناقد الفني كمال النجمي بأنه "صدى مركب لا صدى بسيط" ويوافق قول بعض أهل التصوف القدماء "يثمر حالة من الوجد في القلب".  ويعبر الوجد هنا عن حالة السامع لصوت المطرب.

ووديع الصافي من المطربين الكبار الذين أثروا الفن الموسيقي العربي بإنتاجهم، له بصمته الخاصة في تاريخ الغناء العربي المعاصر.

وفي الفترة التي ظهر فيها وديع الصافي كان في لبنان وسوريا وفلسطين عدد من الأصوات الجميلة أمثال: صابر الصفح ومصطفى كريدية وفؤاد زيدان ومحمد غازي.  ومن النساء كانت نور الهدى ولور دكاش ونازك وزكية حمدان ونهوند وعفاف وسهام رفقي، والأخيرة اشتهرت باللون البدوي الذي كان شائعاً في بادية الشام. إلا أن كل أغاني هؤلاء لم تحمل في طابعها سمة الأغنية اللبنانية، إذ كان اللون المصري في الكلمة واللحن هو الغالب.  وكان هؤلاء المطربون والمطربات يرددون أغاني محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وسيد درويش وزكريا أحمد وفريد الأطرش. وتنبه وديع الصافي لهذا الأمر فطرق أبوابا ونوافذ جديدة فى الغناء العربي الأصيل على الرغم من إعجابه الكبير بالغناء المصري وبمحمد عبد الوهاب.

ومن الواضح أن وديع الصافي استوعب الفن المصري ونهل منه، كما ردد في بداية حياته الفنية العديد من أغاني سيد درويش وزكريا أحمد وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب .

اطلع وديع على كل هذه الأغاني وأداها باقتدار. إلا أنه وبفضل قدراته الخلاقة وإحساسه المرهف، استطاع أن يخط لنفسه طريقاً جديداً ويخترع أدواته بعيدا عن النقل والتقليد أميناً لوطنه وبيئته.  فبدأ رحلته مع تراثه الفولكلوري الذي أعطى أغانيه شخصيتها المحلية، وتعرف اليوم باللون الغنائي اللبناني .

أدرك الصافي أن الغناء الشعبي المعروف في لبنان من ميجانا وعتابا وأبو الزلف والمعنى والقرادى والشروقى لم يكن وقفاً على لبنان وحده، فهذه الألوان الغنائية معروفة أيضا في سوريا وفلسطين والأردن والعراق إذ أن التراث الموسيقى واحد فى منطقة بلاد الشام والعراق.

وشارك وديع الصافي زملاءه من أقطاب الموسيقى اللبنانيين في تشكيل التيار الغنائي اللبناني ورسم هوية الأغنية اللبنانية الخالصة، ومن أبرز هؤلاء: زكي ناصيف وفيلمون وهبي وعفيف رضوان والأخوان رحبانى.

كانت البداية عام 1938 عندما نزل وديع فرنسيس ابن الخامسة عشرة من القرية إلى بيروت ليتقدم باختبار أصوات في إذاعة لبنان التي كانت تعرف يومذاك براديو الشرق. وكانت اللجنة مؤلفة من ألبير أديب مدير الإذاعة والموسيقيين محي الدين سلام والد المطربة نجاح سلام وميشال خياط وسليم الحلو، بالإضافة إلى الشاعر غنطوس الرامي. وفاز وديع بالمرتبة الأولى ولقبته  اللجنة بـ "الصافي" بعد أن لمست في صوته صفاء مذهلاً.

بكى وديع يومها لأنه كان يود الاحتفاظ باسم العائلة كجزء من اسمه الفني، وكيف لا وهو ابن الجبل الفخور بجذوره.

بدأ وديع يدرس علم النغم على يد كبار الأساتذة، وتعلم العزف على آلتي العود والكمان.  وإلى جانب حلاوة صوته بدأت تتشكل لديه بذرة التلحين الأولى فكانت هذه الأبيات باكورة ألحانه:

يا مرسل النغم الحنون

هيجت في قلبي الشجون

جس الوتر

إنى بشر

آلف الشقاء

على الغناء

يمحو الشجون

يا مرسل النغم الحنون.

 

وفى عام 1944 سافر وديع إلى القاهرة ، ليجتازمن جديد تحدياً جديداً في حياته الفنية.  كان يتطلع إلى الشهرة ولا سيما بعد نجاح زميلته الفنانة نور الهدى في أفلامها السينمائية وتجربة محمد سلمان الذي كان قد سبقه الى القاهرة بسنة واحدة. سافر بصحبة نور الهدى ليقف أمامها بطلا فى فيلم مع الفنان الكبير يوسف وهبي. لكن خلافا شب بين نور الهدى ويوسف وهبي فكان أن دفن المشروع ولم يتم تصوير الفيلم.  فعاد إلى بيروت وبدأ يغني في كازينو "نجيب عطية " بمكافأة قدرها ثماني ليرات لبنانية. وكان عاصى رحبانى عازفاً للكمان يتقاضى ليرة وربع الليرة.

استمر وديع يعمل في هذا الكازينو محاولاً تأمين أهله بعيشة كريمة وكان المبلغ ضئيلا لا يكفى متطلبات الأسرة فبدأ يفكر في الرحيل إلى خارج البلاد.  وكانت رحلة الاغتراب الأولى في عام 1946 يوم سافر إلى البرازيل ولم يكن يملك غير ليرة واحدة تنازل عنها لأخته التي كانت تبكى فراقه على رصيف الميناء.  وفي البرازيل مكث وديع ثلاث سنوات يقدم فيها حفلات غنائية. وكان حنينه لوطنه كبيراً حيث عاد إلى وطنه عام 1950 وتزوج وبدأ كفاحه من جديد.

التحق بالعمل في كازينو "منصور" بعشرين ليرة لبنانية.  وخلال هذه الفترة خرج وديع بأغنيته  "ع اللوما" التي لاقت نجاحاً كبيراً فانهالت عليه الحفلات وزاد أجره.

كان وديع يتباهى بأنه ريفي ولم تستطع المدينة الكبيرة "بيروت" أن تقلل من عشقه للحياة في الريف، فظل يتنقل بفنه من قرية إلى أخرى، يغني للسهول والوديان والجبال، فردد أغنيته الشهيرة:

الله يرضى عليك يا ابنى

ضهرى انكسر والهم دوبنى

خود ليلى بنت ضيعتنا

بترتاح معها وما بتتعبنى

 

بنت المدينة بدها خدام

الا ع ريش نعام ما بتنام

ليلى يا ابنى ان جارت الأيام

بتعيش ع الزيتونة والجبنة

 

وفى الخمسينيات تعرف وديع على المطربة نجاح سلام التي اشتهرت كثيراً بأغانيها ومنها: "على مسرحك يا دنيا" و"يا عربجي خفف سيرك" وهما من تلحين نقولا المني و"يا جارحة قلبي" من تلحين سامي الصيداوي و"رقة حسنك وسمارك" من تلحين أمير البزق محمد عبد الكريم.

أحب وديع صوت نجاح سلام إذ وجد فيه المنطقة الصوتية التي تلتقي مع صوته فسجل معها بعض الأغاني ف الإذاعة.   ومن أشهر هذه المحاورات الغنائية معها: "طل القمر ورفيقتي طلت معه " و" يا حبيب الروح يا أحلى حبيب ".  كما عملا معاً لاحقاً في إحياء مهرجان "نهر الوفاء" الذي أقامه على نفقته الخاصة عام 1965.

وشارك  وديع فى مهرجانات بعلبك مع مجموعة من الفنانين والملحنين اللبنانيين.  وكان أول هذه المهرجانات عام 1957.  واضطر للسفر والهجرة من جديد عام 1958 نتيجة اندلاع ثورة شعبية في لبنان.  وبعد عام أقعده المرض فى "بنما" ومنعه من مواصلة الغناء حتى فرغ الزاد، فاضطر وديع إلى الاستدانة ليسدد مصاريف الإقامة وتكاليف العودة.

وعند وصوله إلى بيروت، أسرع الأخوان رحبانى للتعاقد معه للغناء مع الفنانة  فيروز فى مهرجانات بعلبك.  وفى العام التالي شارك وديع في مهرجان "موسم العز" مع الفنانة صباح التي كانت في أوج عطائها وشهرتها.

ويمكن القول بلا تردد بأن وديع الصافي صاحب مدرسة في الغناء تخرج منها الكثيرون.  وخصت المؤسسة اللبنانية للإرسال (ال . بي . سي) في أحد برامج مسابقات الهواة التي كانت تبثها فقرة وميدالية للأداء الصافي.  وعم أسلوب وديع الصافي في البلدان العربية مثل سوريا والأردن وتونس.

وغنى وديع باللغة العربية الفصحى فأبدع ومن أبرز قصائده "الليل يا ليلى يعاتبني" و"لو يدري الهوى لو يدري" و "هل تذكرين ضيعتىي".

أحب وديع الشعر وتذوقه، ومن شعر المتنبي لحن وغنى قصيدة مطلعها:

ما لنا كلنا جوىً يا رسول

أنا أهوى وقلبك المتبول

كلما عاد من بعثت إليها

غار منّي وخان فيما يقول

كذلك لحن وغنى قصيدة لأبي العلاء المعري الشهيرة:

ألا فى سبيل المجد ما أنا فاعل

عفاف وأقدام وحزم ونائل

وغنى أيضا للبهاء زهير وإيليا أبو ماضي وسعيد عقل.

ويعد وديع الصافي أفضل من نطق العربية الفصحى من المطربين العرب. فمخارج الحروف لديه جذلة وصحيحة .

لحن الصافي أغلب أغانيه.  وأي ملحن غنى الصافي من أعماله كانت شخصية ذلك الملحن تذوب في حنجرته.  وفي هذا قال محمد عبد الوهاب معقباً على تلحينه لوديع أغنية "عندك بحرية يا ريس": ألحن له إيه ؟  أى حاجة يقولها .. حلوة.

وشارك وديع بصوته في المناسبات الوطنية فغنى لفلسطين وأطفال الحجارة:

حييت يا طفل الحجارة

يا ذا البراءة والطهارة

حجر يجابه مدفعاً

أجدى من الخطب المثارة

أضحيت في عرف الدنى بطلا

يقاتل عن جدارة

فاضرب بما يخزي العدا

وبما لديك من الجسارة

ويتم تحرير البلاد

على يديك بالحجارة

إن وديع الصافي على عظمة صوته ليس مطرباً عظيما وحسب بل انه أحد أهم محركات النهضة الموسيقية اللبنانية.