خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

اتجاهات البحث في الموسيقى السودانية

. مقالات

 

 

اتجاهات البحث في الموسيقى السودانية

 

بتصرف عن موسوعة السودان الرقمية

 

تعكس إتجاهات البحث في الموسيقى السودانية بعضاً من أنواع تعريفات وإتجاهات البحث المتعلقة بـ (علم موسيقى الشعوب)عموماً. فقد جاءت أولى الإشارات إلى الموسيقى السودانية في كتابات الرّحالة والمبشرين الذين كتبوا عن السودان وأهله واصفين عاداتهم وتقاليدهم. وقد جاء وصف الموسيقى السودانية في هذا الإطار. وفي حين اقتصر دور الرّحالة على الكتابة في الجانب الوصفي للموسيقى التقليدية في السودان، تقدم المبشرون خطوة عليهم فخرجوا من مرحلة الوصف وتسجيل الإنطباعات الى التحليل والنتائج.  فجاء تركيز الباحثين من الغربيين والسودانيين على الآلات الموسيقية ولا سيما تلك التي تستخدم في موسيقى السودان التقليدية.

 

وركزت بعض الدراسات على مقارنة الآلات الموسيقية السودانية بتلك المشابهة لها في الشرق الأدنى وأفريقيا محاولة توضيح الأصول الخاصة بها ومناطق انتشارها. والمثال على ذلك ما ورد في الورقة التي قدمها الباحث كاستيل في ندوة الفلكلور والتنمية الوطنية التي نظمها قسم الفلكلور في معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية في جامعة الخرطوم سنة 1981م.  وقد تضمنت الورقة دراسة لبعض الآلات الموسيقية في جنوب السودان.

 

واكتفت كتابات أخرى بوصف الآلات الموسيقية في السودان مع تزويدها بالرسوم التوضيحية كما في كتاب الآلات الموسيقية التقليدية بالسودان الصادر سنة 1958م.  ونحت الدراسات الحديثة للموسيقى السودانية بعامة والموسيقى التقليدية بخاصة منحىً يتوافق مع الإتجاه السائد في العالم وهو دراسة الموسيقى في ضوء سياقها الإجتماعي الثقافي. وركزت بعض تلك الدراسات مثل دراسة آرثر سيمون لموسيقى النوبيين على الدور الاجتماعي للموسيقى.  ونظرت بعض الدراسات الى نظم الموسيقى متمثلة في الشكل والسلِّم الموسيقي والأبعاد الصوتية بأعتبارها حقائق ثقافية.  وترى تلك الدراسات أن البناء الموسيقي يمثل جزءاً واحداً من الكل الثقافي، ولذلك فإنه لا يمكن فهمه إلا بالرجوع الى بعض الظواهر الثقافية إلتي هي جزء منه، ومثال ذلك دراسة جيرد بومان حول الموسيقى عند الميري 1977م.

 

وتواصلت مسيرة دراسة الموسيقى التقليدية في السودان حتى ظهرت دراسات جمع أصحابها بين منهج علم موسيقى الشعوب ومنهج الفلكلور. وقد تمكن بعض أصحاب هذه الدراسات من تقديم بحوث ذات معنى بحكم تدريبهم في علم الموسيقى وفي مناهج علم الفلكلور ونظرياته، ومثال ذلك كتاب الموسيقى التقليدية في مجتمع البرتا في جنوب النيل الأزرق 1988م. وأشار مؤلف الكتاب د. علي الضو أن الموسيقى التقليدية لا يمكن فهمها فهماً متكاملاً بالنظر اليها كبناء صوتي فقط، وفي نفس الوقت لا يمكن تجاهل هذا البناء الصوتي، فالتحليل الموسيقي ينبغي أن يشتمل على تحليل العلاقة بين النظم الصوتية والبيئة الإجتماعية التي من خلالها ولها يحصل الإنتاج الموسيقي.  وتؤكد الدراسة على العلاقة الوطيدة بين الموسيقى وأحداث المجتمع الذي تؤدى فيه.

 

يتضح من هذا العرض أن الكتابات المشار اليها تعكس نوعاً من التدرج يبدأ بالحديث عن الموسيقى السودانية بأعتبارها جزءاً من العادات والتقاليد وينتقل الى المنهج الوصفي للآلات ومقارنتها فالحديث عن المناسبات التي تمارس فيها الموسيقى وصولاً الى المنهج الذي يهتم بالواقع الإجتماعي الثقافي للموسيقى إلى جانب البناء الصوتي. وقد فضّل أصحاب المنهج الأخير إستخدام مصطلح الموسيقى التقليدية مفضلين إياه على مصطلح الموسيقى الشعبية، وكان رأيهم أن إطار مصطلح تقليدية في كتابات الغربيين كثيراً ما يعني القديم واستمرار هذا القديم في الحاضر.  ويعتمد اعتبار الأمر تقليدياً أو غير تقليدي على رؤية الفرد والزمان الذي يطلق فيه مثل هذا الحكم.

هذا وقد وجدت الموسيقى التقليدية إهتماماً من جانب بعض المؤسسات الأكاديمية في السودان، وأوضح مثال على ذلك الجهد الذي يقوم به قسم الفلكلور في معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية في مجال الموسيقى التقليدية.  فقد أحس هذا القسم منذ الثمانينيات من القرن العشرين بالحاجة الى مشروع يعنى بالموسيقى التقليدية لأسباب من بينها تأثير أساليب الموسيقى الحديثة على الموسيقى التقليدية. وتبلور هذا الإحساس في تصميم مشروع جمع  الموسيقى التقليدية في السودان وتوثيقها وحفظها.   وجرى تنفيذ هذا المشروع بتمويل من مؤسسة فورد الأمريكية  فقامت عمليات جمع واسعة للموسيقى التقليدية من مختلف أنحاء السودان مستخدمة أجهزة التسجيل الصوتي وأجهزة الفيديو والتصوير الفوتوغرافي. 

وأنشئ في إطار هذا المشروع سنة 1994م أرشيف للموسيقى التقليدية مزود بأحدث وسائل الحفظ.  وأنتج الأرشيف خمسة أشرطة كاسيت للموسيقى التقليدية الخاصة بغرب السودان وشرقه وجنوب النيل الأزرق وموسيقى الصوفية وموسيقى النوبا. ويجري العمل على إنتاج ألبومين صوتيين لموسيقى جنوب السودان وشماله.  وأتاح الارشيف فرصاً طيبة للباحثين في مجال الموسيقى السودانية بعامة والتقليدية بخاصة بالإضافة الى احتوائه على تسجيلات للموسيقى التقليدية من ثقافات أخرى حصل عليها عن طريق الإهداء والتبادل.

 

وما زال الأرشيف يؤدي دوره في مجالات الجمع والتوثيق والحفظ والنشر وإنتاج الموسيقى التقليدية في السودان.