خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموال في الغناء العربي

. مقالات

 

                          الموال في الغناء العربي

 

الموال من القوالب الغنائية التقليدية ، ويعتبر من الفنون الملحونة التي انحرفت عن الفنون القولية. يعيش الموال ويزدهر على ألسنة الناس المتفكهين والظرفاء ، وعلى ألسنة الشعراء الذين ينظمون الشعر الفصيح .

 

والموال فن غتائي شعبي شائع في أغلب البلاد العربية ... فهو لون من الأدب الشعبي ، يظهر قدرات المغني ومساحته الصوتية ، وامكان التطريب ، والقدرة على الابتكار .

ويؤدى الموال عادة اما بطريقة السرد الالقائي Parlando   أو بطريقة السرد الغتائي Recitative  وكلاهما يؤدى منفردا ، ويعتمد على الارتجال والبراعة في استعراض الانتقالات اللحنية .

والموال يبدأ عادة بعبارة " يا ليل يا عين " لتحضير جو التآلف والتعايش مع المستمعين ، والانسجام مع الطابع المقامي الذي سيغنى منه المطرب .                             

 

اختلفت الآراء حول نشأة الموال وأصله ، فمن قائل أنه قد نشأ في واسط بين عمالها الذين كانوا يتغنون بأبيات يقولون في آخركل بيت منها " يامواليا " أثناء عملهم مثال :

       منازل كنت فيها من بعدك درس ..... يا مواليا

       خراب لا للعزا تصلح ولا للعرس ..... يامواليا

       فأين عينيك تنظر كيف فيها الفرس ... يا مواليا

       تحكم وألسنة المداح فيها خرس ......  يامواليا

 

ومن قائل أنه نشأ ببغداد عندما رثت جارية كانت عند جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي سيدها بهذه الأبيات بعد أن نكب هارون الرشيد البرامكة .. وكانت تصيح عقب كل بيت منها بعبارة " وامواليا " فتقول :

      يا دار أين ملوك الأرض أين الفرس .....   وامواليا

      أين الذين حموها بالقنا والترس .........   وامواليا

      قالت تراهم رمم تحت الأراضى الدرس ...وامواليا

      سكوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرس ...   وامواليا

وهناك من يذهب الى أنه قد سمى كذلك لموالاة بعض قوافيه بعضا . وأيضا لأن أول من نطق به موالي بني برمك .

ان اصطلاح " موال" يطلق في الحقيقة على أكثر من شكل من أشكال التعبير الشعبي الغتائي . ويمكن تقسيم الموال الى نوعين متميزين : الموال البغدادي ويتكون من أربعة أبيات متحدة القافية ومن هذه المواويل :

     يا عم  تاجر بلا مال  يبقى الجد  رس  ماله

     ماشي في أمان الله وحب الخلق  رس   ماله

     يسعى في الخير والطيب والمعروف رس ماله

    اذا كان مالـوش حد يبقى طيـبه رس ماله

_ (و يقصد برس ماله  .. رأس ماله )

 

والنوع الثاني هو ما يعرف باسم " الموال الأعرج " أو " الخماسي " ويتكون من خمس أبيات تتحد قافية الأبيات الثلاثة الأولى مع قافية البيت الخامس . أما قافية البيت الرابع فتختلف اذا ما أحس ناظم الموال أن المعنى الذي يريد التعبير عنه لا يكتمل في اطار الأبيات الأربعة التي كانت هي الشكل الشائع للموال مثال :

    

يا بنـت    ردي     البـاب    باقفـاله

قالـت حبيبي خطر  في الدرب  واقفـاله

دا حبيبي زي عيد رمضان كل الناس واقفاله

وحق النبي اللي الغزالة  استـجارت بيـه

لا زمزم الكاسات وأبات طول الليل واقفاله

 

أما النوع الثالث فهو يتكون من سبعة أبيات ، ويعرف " بالنعماني " وغير معروف سبب هذه التسمية .. فالفنانون الشعبيون يسمونه " سبعاوي " نسبة الى عدد أبياته . وفيها نجد الأبيات الأولى والثانية والثالثة والسابعة متفقة في القافية أما الأبيات الرابعة والخامسة والسادسة فلها قافية أخرى مغايرة للأبيات السابقة .

والموال النعماني هوأكثر أنواع المواويل شيوعا وانتشارا . ومن نماذجه:

 

لو كنت تسمع كلام اللي يحبوك ما تسيب

خد لك أصيلة يا فتى يكون  أصلها  طيب

ان ضاع  مالك تقول  لك  يا فتى  فداك

وان حصلك ضيم تقول لك أشيله  وياك

وان صابك مرض لا تهملك ولا  تنساك

تسعى تجيب لك الدوا وتعيش معاك ع الحلو والطيب

 

هذه الأشكال هي السائدة في المجتمع الشعبي .. وهناك أشكال أخرى لا تعرف تسمياتها .. فقد تصل المواويل أحيانا الى تسعة عشر بيتا أو أكثر .. ويتغنى به بعض المحترفين ، حسب المناسبة أو الظرف التي يتغنى فيها . كذلك نجد المغني في بعض الأحيان يتغنى بمواويل تتكون من ثلاثة أبيات وأحيانا من ستة أو ثمانية أبيات .. وهكذا لأنه يتلقى عادة هبات ( نقوط ) أثناء غنائه ، فيمدح صاحب الهبة ، ثم ينتقل الى غيره وهكذا.. ومن هذه النماذج هذا الموال :

 

              

                ألف ولام وسين زينة الجمع يا سيد

                اليه والـدال بقيـة الاسم يا سيد

               دانت تكرم  عشـان خاطر السيد

( والمقصود بالسيد / السيد أحمد البدوى رضى الله عنه ) 

 

وهناك تسميات أخرى جاء بها الشعبيون أنفسهم .. بتقسيمهم للموال الى مواويل حمراء وخضراء وبيضاء . وهناك من يذهب بالموال الأحمر بأنه موال الحب العنيف . والأخضر هو موال الوصف الهادىء والغزل والمرح . أما الموال الأبيض فلم يحدد اطلاق هذا الاسم عليه والمقصود به .

بينما هناك من يطلق اسم الموال الأحمر على نصوص خاصة بالقتال والفخر والتذكير بأمجاد القبائل والأسر الكبيرة والرجال المشاهير . ومن العنف والدم اكتسب الموال الأحمر اسمه ولونه.

أما الموال الأخضر فيغنى للحب والغزل وذكريات الشباب والأيام الحلوة في البستان والحقل ، وربوع الأهل والأحباب .

فهو موال الحياة السلمية والأرض الخضراء ..

 

ويتميز الموال عامة بأنه ينظم في وزن البسيط " مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن "

ومن النادر ما تخلو مناسبة دون أداء المغني لموال قصصيا مثال : أدهم الشرقاوي ، حسن ونعيمة ، وشفيقة ومتولي ، بهية وياسين ، وموال الطير .. وغيرها  

ويختلف الموال القصصي بطول عدد أبياته يصل أحيانا الى 400 بيت .

 

والفنانون المحترفون هم أشهر من يحفظون هذا النوع من المواويل .. ومن النادر أن يكون غناء الموال القصصي دون مصاحبة موسيقية . فالموسيقى عنصر أساسي وهام في بنائه .. تسهم في التعبير عن المواقف المختلفة التي يحفل بها الموال . كما أنها تعكس الصورة العامة التي يرسمها الموال .

ويصاحب الموال القصصى آلة فردية مثل الناي ، أو الكولة ، أو الأرغول ، أو المزمار .

 

لم تكن للمصاحبة أهمية في أداء الموال وانما كانت تستخدم فقط كتمهيد لطبقة المقام . وكان العازف يستهل الموال بمقطوعة موسيقية تعرف باسم " الدولاب " . وتقوم بعزفها مجموعة آلات  التخت اذا ما كان مصاحبا للمطرب .  ثم تبدأ آلة منفردة بمصاحبة المغني .. تترجم ما يؤديه وترافقه . و الآلة عادة ما تكون القانون أو العود.. تنضم باقي الآلات اليها في اللزم الموسيقية . وكان التخت في بداية ظهوره يضم أربع آلات : العود، القانون ، الناي ، والايقاع. ثم أضيف اليه فيما بعد آلة الكمان .

 

وكان الموال هو بداية كل مطرب في سهرته الغنائية بدءا من جيل الشيخ المسلوب وعبده الحامولى ومحمد عثمان ، ثم من بعدهم الشيخ يوسف المنيلاوي وعبد الحي حلمى .. ثم صالح عبد الحى ، فتحية أحمد ، عباس البليدى ، عبد الغني السيد ، فريد الأطرش ، ابراهيم حمودة ، كارم محمود ، ومحمد قنديل ..

وكان المطرب يتوسط فرقته الموسيقية " التخت" . وباشارة منه يبدأ عازف القانون بعزف تقاسيم في المقام الذي يختاره المطرب للبدء في الليالي والموال . وعندما يتسلطن المطرب يقف ليبدأ غناءه بأداء بعض الليالي ومنه ينتقل الى الموال .

 

والموال من الفنون التي تنظم بالزجل ، وفيها يتحرر المغني من التقيد باللحن .. فهو مرتجل ينزل على المغني كأنه الالهام في اللحظة التي يرفع فيها عقيرة صوته .. أما ايقاعه فغير ظاهر . ولهذا يصفه الكثيرون بأنه دون ايقاع .

 

وظل الموال مرتجلا الى أن جاء محمد عبد الوهاب الذي لم يكتف بتلحين الموال ، بل لحن أيضا الليالي . ولا ينكر أحد فن الموال في عهد عبد الوهاب الذي كان سيد المطريين جميعا في هذا اللون من الغناء .. فقد كان أكثرهم ابداعا فيه تلحينا وأداء وصوتا .

أدخل عبد الوهاب على قالب الموال " الارتجال المقيد " أي المحكم ، مما ألزم كل من يؤديه بالتقيد بما هو محدد في السياق اللحني والمقام المحدد .. ولا يندرج هذا النوع من الموال تحت مسمى " الموال المرتجل " .  

ومن بين ما غنى محمد عبد الوهاب من مواويل :

كل اللي حب اتنصف ـ و اللي انكتب على الجبين ـ وفي البحر لم فتكم في البر فتوني .ـ وأمانة يا ليل تقول للفجر يستنى ـ واشكي لمين الهوى والكل عزالى ـ وسبع سواقي بتنعي .. الى موال " لك يا زمان العجب " الى آخر تلك السلسلة الذهبية من مواويله التي لم يسبق لها مثيل .. ولم يجىء بعدها ما ينافسها ..!!

 

واشتهر المطرب صالح عبد الحي بموال كان يؤديه في الثلاثينيات والأربعينيات في اذاعاته الأسبوعية .. وكان في كل مرة يتصرف في لحن الموال .. مع نقله من مقام لآخر . وتقول كلمات هذا الموال :

فيك ناس يا ليل يشكو لك مواجعهم  

بالله يا ليل ما تبقاش تواجعهم

جريت يا ليل على الخدين مدامعهم

باتوا سهارى بطول الليل نواحين

من خوف يا ليل لا يطول المدى معهم

 

وقد كان الموال الخماسي هو المفضل عند المطربين ، وما زال كذلك عند من يغنون الموال .

وآخر من غنى الموال محمد عبد المطلب .. وكان صوته في شبابه سليم المقامات واسع المساحة .. قوي . فكان الموال لعبته المفضلة ..

كان عبد المطلب في شبابه يتمتع بطول النفس ، فلا يقطع الجملة الغنائية ليستريح ويلتقط أنفاسه . وتغيرت هذه الصورة بعد انتقاله من الشباب الى الكهولة ، فلم يعد قادرا في غناء المواويل وغير المواويل على اتباع طريقة النفس الطويل ، وأصبح مضطرا الى تقطيع الجملة الغنائية الواحدة الى عدة وقفات .. وفي بعض الأحايين كان يدفع الكلمة الى أذن المستمع على قسطين .

قال عنه الناقد الفني كمال النجمى :

" عبد المطلب كان بلا جدال من ملوك الموال .. فلم يعد بين المطربين الجدد ملك ولا أمير ولا وزير .. ولاحتى عمدة أو خفير .. " .

 

وكان عبد المطلب يميل الى غناء الموال الأعرج . كان يفضله على غناء الموال النعماني وغيره من المواويل .

والموال الأعرج هو موال منظوم من خمس قواف متقابلة .. بينها جناس لفظي تام ، الا قافية واحدة منها لا تدخل في هذا الجناس . ومن أمثال هذا الموال الأعرج :

 

ليه الحبيب طال جفاه والحب داعي له

والدمع ع الخد يجري يوم  وداعي  له

يا هل ترى  الهجر منه  فيه دواعي له

حتى  رماني  بسهم اللحظ  في  نيران

وبرضه يحمل أساه والقلب  داعي  له  

 

والموال غناء رجالى .. وتفردت بغناء الموال منيرة المهدية التي اشتهرت بأدائها للموال . الا أنها كانت عندما تغني الموال تقلد المطربين الرجال .. وكانت لا تستطيع أن تأتي بشىء من عندها .

 

ومن بين من اشتهروا بغناء الموال الشعبي ، وبرعوا في ارتجاله : محمد عبد المطلب ، ومحمد الكحلاوى ، محمد العزبي ، محمد رشدي ، شفيق جلال ، خضرة محمد خضر ، محمد طه ، بدرية السيد ، التي تعرف باسم ( بدارة ) ومتقال قناوى ، وأحمد عدوية ...

ومن مشاهير المغنين في الوطن العربي ممن اشتهروا بغناء الموال : وديع الصافي ( لبنان ) الذي اشتهر بمدرسته الغنائية ، صباح فخري ( سوريا) ، لطفي بوشناق ( تونس ) ، ناظم الغزالي  (العراق) ..

وانتهى الموال الآن .. وانقضت مرحلته التاريخية .. باستثناء ارتباط الغناء الشعبي بهذا الفن الأصيل  الى يومنا هذا  .  ويعود اختفاء هذا الفن الجميل من الغناء التقليدي بسبب صعوبة أدائه ، وعدم تنمية قدرات الدارسين له بالمعاهد والمؤسسات الموسيقية .