خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

عصور مضيئة في تاريخ الغناء العربي

. مقالات

 

عصور مضيئة في تاريخ الغناء العربي

مصطفى الضمراني

 

حالة التجريف والتمزق والتردي التي يتعرض لها تراثنا الغنائي الأصيل نتيجة عوامل كثيرة من بينها الهجمة الشرسة المقبلة من الخارج فيما يسمي بالعولمة وما تتضمنه من اتجاهات موسيقية وغنائية هابطة ومتدنية لا تتوافق مع تقاليدنا وهويتنا العربية.

هي إحدي القضايا المهمة التي ناقشها مهرجان ومؤتمر الموسيقي العربية الذي انعقد في أبو ظبي في نيسان الماضي  بمشاركة نخبة من العلماء والخبراء وأساتذة الموسيقى في الوطن العربي ويبحثون في اجتماعاتهم كيفية الخروج من هذا المنعطف والنفق المظلم الذي تتفاقم فيه هذه المشكلة يوما بعد يوم وتتهاوى معه هويتنا الموسيقية الغنائية خاصة أن قطاعات كثيرة من شبابنا البريء انزلقوا في هذه الموسيقيات الصاخبة والزاعقة ويمارسونها باستمرار خلال حفلاتهم في الفنادق والملاهي دون أن يبصرهم أحدنا بأنهم يضربون هويتهم الموسيقية العربية في مقتل ويدمرون البقية الباقية من تراثنا الموسيقي العربي بأيديهم الذي حافظ عليه الأجداد وتفتح المعاهد الموسيقية العربية أبوابها لنشره وازدهاره.
وقد تلقيت بهذه المناسبة نسخة من البحث القيم الذي يشارك به الملحن والباحث الموسيقي محمد قابيل ويلقي فيه الضوء على المحطات المهمة التي أسسها جيل الرواد في بناء الصرح الموسيقي العربي ونعرض لبعضها في هذا المقال مع بعض مقترحاتنا لدعم رسالة مهرجان أبوظبي للموسيقي العربية وكيفية الاستفادة من معطياته ومن الأبحاث والدراسات القيمة التي يشارك بها هؤلاء العلماء والخبراء في فعالياته وذلك علي النحو التالي:

في البداية أقول إن موسيقانا العربية شهدت أزهى فترات ازدهارها في الأندلس ويطلق عليها الباحث العصر الذهبي لدولة الموسيقى التي أسسها الحسن علي بن نافع الشهير بزرياب ـ الطائر الأسود جميل الصوت- حيث كانت الأندلس الجامعة التي تنشر الفن والموسيقي والغناء الراقي بقوالبه المستحدثة التي تفتح شهية المواطن لسماعها وعشق هذا التراث من الطرب الأصيل.
* سيد درويش: أطلق عليه النقاد لقب أبو الموسيقي العربية ومؤسس صرحها الأول, تجلت عبقريته خلال فترة الاستعمار فكانت أغانيه طلقات رصاص ضد المستعمر ترددها الجماهير وتلهب حماسهم من أجل طرده وتحقيق الاستقلال.

*  أم كلثوم: المحطة الرابعة والمهمة في مسيرة الغناء العربي ويرى قابيل انها جاءت لتلغي كل ما قبلها من غناء هابط كانت تتولاه الجواري والقيان في العصر الجاهلي في حضور الحكام وكان غناءا للتسلية يخلو من أي قيمة غنائية في الكلمة أو اللحن ولا يمكن أن نطلق عليه لقب أغنية بمواصفاتها المطلوبة وارتقت أم كلثوم بالأغنية وارتفعت بها إلى مستوى الفن الكلاسيكي الرفيع الذي يقارن بالموسيقى الكلاسيكية في أوروبا واستطاعت من خلال القصائد الرصينة التي صاغها الشعراء العرب أن تجعل لغتنا الجميلة تجري على ألسنة البسطاء والعامة من أبناء الشعب العربي, وبلغت الأغنية العربية قمتها في عهدها وهو ما أكده الاستفتاء الذي أجرته صحيفة لوموند الفرنسية بين قرائها وأظهر أن قصيدة الأطلال التي تغنت بها لإبراهيم ناجي ولحن السنباطي واحدة من بين عشرين عملا فنيا رائعا تم إنتاجه خلال القرن العشرين على مستوى العالم.

* محمد عبد الوهاب: قام بتطوير موسيقانا العربية بطريقة حديثة وضعتها في مكانة تليق بها فجذبت لسماعها ملايين العشاق العرب الذين أحبوا عبد الوهاب وأطلقوا عليه لقب موسيقار الأجيال طبقا لكلام النقاد وكانت أغانيه لأم كلثوم قمة في الإبداع اللحني خاصة رائعته إنت عمري التي قلبت الموازين وحققت انتشارا غير مسبوق في تاريخ الغناء العربي.

ويعود الباحث مرة أخرى للسنباطي ويتحيز له في هذا البحث ونحن معه عندما أطلق عليه رائد قصيدة الفصحى في التلحين وقوله إذا كان النقاد قد أطلقوا على سيد درويش لقب أبو الموسيقى العربية فإن السنباطي يستحق أن نطلق عليه لقب سيد البنائين للقصيدة الغنائية مستشهدا ببعض قصائده ومنها الأطلال وكذلك مصر تتحدث عن نفسها لحافظ إبراهيم وفي مجال أغنيته العامية تسطع أمامنا طوف وشوف لعبدالفتاح مصطفى ومن أغاني الحج دعاني لبيته لحد باب بيته.

وإذا كان مهرجان الموسيقى العربية في أبوظبي قد شارك فيه نخبة من علماء الموسيقي بأبحاثهم القيمة فنتمني أن تتولي وزارة الثقافة هناك طبعها في كتاب يضاف إلى مكتبتها الثقافية، ونحن مع قابيل بأن مهرجان الموسيقي العربية الذي يقام في مصر منذ عشرين عاما برئاسة د. رتيبة الحفني لديه عشرات الأبحاث والدراسات الموسيقية المهمة التي أبدعها الباحثون العرب ونتمنى أن تتولي د. إيناس عبد الدايم جمعها في كتاب أو في مجلد واحد ليكون باكورة إنتاجها وهي تتولى مسؤولية الأوبرا وتصبح في متناول كل الدارسين والباحثين في موسيقانا العربية في الوطن العربي.