خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

من المسؤول عن أزمة الغناء العربي ؟

. مقالات

في الآونة الأخيرة انتشرت من حولنا أغاني هابطة .. كلماتها مبتذلة، وألحانها ركيكة في كثير من الأحيان .. وربما ساعد على انتشار هذا العبث .. انحدار الذوق العام .. واختفاء الشعور بالجمال .. وأخطر ما في الأمر أن تتعود الحواس على كل ما هو رديء .. فيموت الوجدان .. !!

 

ان الأغنية العربية تعيش الآن في فوضي فنية ، بسبب تعرضها لهجمات شرسة ابطالها مجموعة من انصاف الموهوبين اتجه اغلبهم للموسيقى والغناء بحثا عن الشهرة والمال. وهذه الشخصيات الدخيلة ينقصها المعرفة العلمية والذهنية ، والفنية الواعية ، والحس المرهف .. ونتيجة لذلك تدهورت وهبطت الأغنية كلاما ولحنا وأداء !!

 

تساءل الموسيقار محمد عبد الوهاب بعد متابعته في سنوات حياته الأخيرة  لما يقدم من ألحان وأغاني: " كيف يقوم ملحن اليوم بعمل 150 لحن في السنة .. كيف ؟ هذا انتاج غير صحي !!.. وكيف يستطيع هذا الملحن أن يندمج في أربع أغان مختلفة يوميا ؟ ومن بين هذه الأغاني ما يتم تلحينها في الاستوديو. أين هذا مما كانت تفعله أم كلثوم مثلا مع ملحنيها .. أغنية واحدة في السنة .. ومتفقة مع ملحن آخر لأغنية أخرى للعام القادم . حتى تتيح للملحن فرصة عام بأكمله في تلحين أغنية واحدة طويلة .. الى جانب بعض أغاني المناسبات القصيرة ؟ "

ويكمل عبد الوهاب حديثه متسائلا : " وبمتابعتي انتاج الأغاني لاحظت اغفال القائمين بالأغنية عمل البروفات الكافية حتى تخرج الأغنية على أعلى مستوى؟؟ العمل اليوم أصبح كله يحسب بالمال .. البروفة بحسابها ، والتسجيل بحسابه .. أصبحت الاغنية تخضع للعرض والطلب تبعا لقيم السوق من بيع واحتكار .  

 

وملحن اليوم يعتمد على الأجهزة الاليكترونية ، يأخذ الكلام ثم يلحنه ويسجله أولا على جهاز كاسيت صغير ليناوله للمطرب ..  ثم يسجله على النكبة العلمية اللى اسمها "تراكات" .. فاليوم ليس من الضروري أن تجتمع الفرقة الموسيقية مع المغني .. كل ما فيها ثلاث أو أربعة عازفين على آلات " الكمان " يعزفون ويسجلون معا .. ثم يعاد اللحن مرة ثانية بنفس الآلات فيصبح على شريط التسجيل صوت  ثماني كمانجات ، ومرة ثالثة ورابعة وهكذا .. حتى يصبح الصوت .. صوت أوركسترا كبير . ثم يأتي دور الايقاع الذي يقوم بالعزف مع مجموعته الايقاعية ، واخيرا يقوم مهندس الصوت بعمل " ميكساج " .. وعليه لا يوجد أي انسجام بين العازفين والمطرب .."

 

يعتبر البعض أن اللحن هو أساس نجاح الأغنية، فاذا كان جميلا نجحت الأغنية . ويميل فريق آخر الى اعتبار الصوت الغنائي في المرتبة الأولى . ويؤكد فريق ثالث أهمية النص والكلمة . ولكل رأيه ومبرراته ..!!

أكد الموسيقار رياض السنباطى في حديث له ، أن تطور الأغنية سيأتي من خلال احياء فن الأوبريت المتعدد الألوان . 

 

ويعلل الرأي الذي يؤيد أهمية الكلمة في الأغنية . أن الشعر والكلمة لهما أهمية كبيرة عند العرب قديما وحديثا . فالمستمع العربي يفتش دائما عن الكلمة في الأغنية .. ويجعل لها الأهمية الأولى في الاستماع . فالقصائد قديما كانت المنبع الذي يغرف منه الملحنون كلام أغانيهم. والشعر القديم بطبيعة وزنه العمودي يساعد على ايجاد الايقاع الموسيقي المناسب الذي يساعد الملحن في خلق الجو التعبيري لها .

 

ولا بد من وجود انسجام بين ناظم الكلمة والملحن ومثال ذلك التعاون الكبير الذي كان بين الموسيقار محمد عبد الوهاب وأمير الشعراء أحمد شوقي. وعليه خرجت أغانيهما قمة في التعبير . حتى بعد أن تطرق أحمد شوقي في كتابته للشعر المتخصص للتلحين مثال : في الليل لما خلي ـ بلبل حيران ـ وغيرهما كان التفاهم بينهما واضحا.

والسؤال الذي يطاردنا أحيانا : هل يجب أن تكون الأغنية باللغة الفصحى أو العامية المحلية ؟

يقول الشاعرالغنائي عبد الوهاب محمد : لا فرق .. لأن اللغة العربية الفصحى لها عظمتها وجلالها . ولا شك أنها أغنى من العامية بمراحل . فان للمصطلح الواحد فيها مرادفات شتى ، ولكننا للأسف جميعا لا نتحدث بها بل نتحدث بالعامية . والكتابة بالعامية أصعب لأن ألفاظها مجردة وليس لها مترادفات متعددة كالفصحى ..!!

 

وتدور موضوعات أغلب أغانينا العاطفية حول الحزن والشكوى والذل والنواح الى جانب ما ترمي اليه المعاني من الاستكانة ولوعة الحب والحسرة من هجر الحبيب وغدر العزول .

وأصبح الاعتماد الكلي على الأغنية الفردية .. أما الأغنية الجماعية فلا وجود لها هذه الأيام ..

 

العودة الى التراث

لقد أهملنا التراث القديم في أغانينا العربية بدعوى التطور . والثورة على القوالب الفنية لمجرد الثورة ، لا يمكنها أبدا أن تخلق فنا جديدا . فأغانينا وموسيقانا لن تتطور الا اذا عدنا من جديد الى التراث القديم كما فعل الأوربيون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .. حين أضافوا الى تراثهم روح العصر الى جانب ابتداعهم للجديد .

 

ان الغناء القديم كان يتضمن صورا متعددة الجوانب .. وهي التي تعرف في الموسيقى بالقوالب الغنائية منها : الموشح ، الموال ، الدور ، القصيدة ، الطقطوقة ، النشيد ، المونولوج ، الأغاني الدينية ، والأغنية الشعبية . ومن بين هذه القوالب الغنائية ما يمكن تعريفه  بالغناء الكلاسيكي كالموشح والدور والقصيدة .

ومن الأغانى الخفيفة الطقطوقة ، والأغنية الشعبية والموال . ثم هناك الأغاني الدينية ويدخل في اطارها : القصائد الدينية والابتهالات ، والأغاني الصوفية ، والمدائح النبوية وغيرها . كل هذه القوالب الغنائية ثرية بتركيباتها  ، لها قواعد تتبع فى التلحين .

وكل هذه القوالب كانت تؤدى من أجدادنا المطربين والملحنين ..  اما اليوم فقد تلاشت هذه الألوان الغنائية وأصبح ما يؤدى اليوم من غناء  لون واحد ـ من الغناء الخفيف " الطقطوقة " . مع استخدام مقامات لا يزيد عددها عن عدد أصابع اليد الواحدة .. فحتى يومنا هذا لم نستخرج الكنوز الموجودة في موسيقانا العربية . والمطلوب الرجوع الى القديم مع تطويعه بما يتماشى مع عصرنا هذا ، وادخال الجديد من ابتكارات .

 

ومن غرائب الطبيعة : أن أغلب الملحنين العرب اليوم لا يجيدون تدوين النوتة الموسيقية . بالرغم من اهتمام الدول العربية بانشاء معاهد موسيقية فى بلادهم. منها دراسات منتظمة وأخرى حرة . الا أننا نجد أغلب الملحنين لا يقومون بتدوين ألحانهم .. وانما يلجأون الى من يقوم بتدوينها لهم . وهنا يفقد اللحن الكثير من عذريته وجمال لحظات الالهام الأولى .

وبعد انتشارأجهزة التسجيل أصبح الملحن يعتمد على الكاسيت لحفظ ألحانه من الضياع .

 

ومن الواضح أن رقعة المغنيين العرب قد اتسعت في السنوات الأخيرة اتساعا كبيرا .. له ايجابياته وله سلبياته ..!!

في بداية القرن الماضى كانت المسارح الغنائية هي المنبع الذي يخرج لنا الأصوات الجديدة . وانتشرت هذه الأصوات عن طريق محطات الاذاعة في البلاد العربية .. وكانت الأصوات خلال هذه الفترة قوية مدربة أحسن تدريب .. تقدم أجمل الكلمات والألحان .

ومع تطور الحياة وازدهار عهد الميكروفون وانتشار أجهزة الاعلام بمحطاتها وقنواتها .. بدأت هذه السدود تنهار شيئا فشيئا .. فدخلوا بأصواتهم الضعيفة الى أجهزة الاعلام وذاع صيتهم .. وانهارت البقية الباقية من هذه السدود مع انتشار التليفزيون والكاسيت .. والألحان المتشابهة التى تعتمد على الايقاع .

 

لقد شهدت الموسيقى العربية عصورا زاهرة كانت فيها أعلام الموسيقى والغناء : محمد عثمان وعبده الحامولي وكامل الخلعي وداود حسني وسلامة حجازي .. ومن بعدهم ظهر محمد عبد الوهاب ومحمد القصبجي ورياض السنباطي وسيد درويش وزكريا أحمد ومحمد فوزي وليلى مراد .. وفي لبنان ظهرت مدرسة الرحبانية بمطربتها الكبيرة فيروز ، وأسلوبها الجديد في التلحين والآداء .. كما ظهر فريد الأطرش بمدرسته المميزة .. وفي النصف الثاني من القرن الماضي ظهر من الشباب كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي .. وغيرهم . وكان لكل منهم مدرسته الخاصة .. ان هذه الفترة تعتبر بحق عصر الطرب الجميل .

 

وأخيرا اذا أطلق سراح الأغاني من حناجر المطربين والمطربات غير الدارسين للغناء وغير القادرين على أداء مقاماتها العربية .. ستجد الأصوات الشابة الناشئة المدربة فرصة أداء هذا التراث الجميل .. بدلا من تقديم كلمات وألحان رديئة بقدر امكانياتهم المادية .

واذا مارست لجان النصوص والاستماع بالاذاعة والتليفزيون مهامها .. كذلك نقابة الموسيقيين ..

واذا ما ظهر الناقد الواعي القوي ، الذي يكون في المجتمعات الأكثر تقدما كافيا وقادرا على التصحيح ..

فنحن  نفتقد النقد البناء .. الناقد الدارس .. فمن أسباب هبوط الأغنية غياب  هذا الناقد الذي لم  يولد  بعد .

اننا نريد ان نمهد للانسان العربي كي يرتفع بمستواه الهابط فوق كل التفاهات التى يتلقاها يوميا .

 

ان جهازي الاذاعة والتليفزيون دخلا  كل البيوت وغيرا في شخصية الانسان العربي .. اما هبوطا او ارتقاءا .. فعلينا أن نصل بهما الى الجمال . فالعمل الفني اذا توافر فيه الوجدان .. وارتقى فيه الذوق جذب اليه كل الناس ..

ودعونا نعود الى المرحوم الشاعر والزجال بيرم التونسى ومقولته التي تنطبق على أغاني اليوم .. والتي يقول فيها :

ياهل.المغنى دماغنا وجعنا ــــــــــــــ دقيقة سكوت لله

احنا شبعنا كلام ماله معنى ــــــــــــــ يا ليل وياعين ويا آه