خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

سحر النص الفيروزي... أغنية : دقيت... طل الورد عالشباك

. مقالات

سحر النص الفيروزي... أغنية : دقيت... طل الورد عالشباك.... ومفردة الموت

حكيم العبادي

 

للنص الفيروزي المُغنّى قيمة ادبية وفنية وفلسفية واخلاقية عليا... ومن الظلم الفادح مقارنته بالنصوص الغنائية الشائعة في عالم الغناء العربي باي شكل من الاشكال.... الا القليل النادر جداً منها... والذي يعد على اصابع اليد الواحدة.. فالنص الفيروزي يتم انتقاؤه او كتابته بمنتهى الحرص والدقة والصبر... فما يقدم لصوت فيروز الذي صار في مفهوم الناس كرنين اجراس الكنائس وقدسيتها... يجب ان يخضع لشروط اخلاقية ومعايير فنية وانسانية خاصة تجعله تراتيلا للصلاة... سنتناول في هذا المقال اغنية: (دقيت.. طل الورد عالشباك)... للكبير الرائع سعيد عقل ونتناول تباعا سحر النصوص في هذه الاغاني. 
في هذه الاغنية يلتقط العملاق سعيد عقل مشهدا قصيرا جدا.. لا يتعدى الثواني.. من فيلم ماريا.. ليصنع واحدة من اجمل واعذب واكثر الاغاني اثارةً للشجن واعمقها سحرا وفنا وصناعةً ادبية... ولكي نفكك هذا النص ونتذوقه كما تفرض معايير الجمال... لا معايير النقد الادبي الجاف.... دعونا نعود الى القرن التاسع عشر.. قبل اقل قليلا من 150 سنة من هذا التاريخ... حيث كتب روائي كولومبي رائد في فن الرواية الرومانسية ، رواية رائعة يتيمة، لكنه اشتهر بها وصار من العمالقة.. هذا الروائي هو جورج ايساك... و الروايه هي ماريا.. وهي رواية عن قصة حقيقية لابنة عم له وحبيبها الذي كان من اولاد عمها ايضا.... دعونا نلخص الرواية اولاً، فهذا ما لا بد منه لفهم الاغنية.. كتبت الرواية باللغة الاسبانية بين عامي 1864 و1867.. ولم تترجم للعربية.. ولم يكتب جورج ايساك بعدها اي شيء لسوء الحظ.... كانت ماريا طفلة قروية رائعة الجمال... تعيش في قرية بعيدة عن بوغوتا.. كان شعرها ذهبيا ًكالشمس بجديلتين طويلتين رائعتين.. وكان ابن عمها ايفرين اكبر منها قليلا... كانا يحبان بعضهما حبا شديدا ولا يتحملان البعد عن بعضهما دقيقة واحدة.... وكان دائم المداعبة لجديلتيها الطويلتين ويحبهما بشكل عميق.... كانا طيلة يومهما معاً، اما في بيتها او في بيته او يمرحان بين المزارع.... وكان الشيء الوحيد الذي يعكر صفاء وجمال هذه الحياة البسيطة هو اصابة ماريا بالصرع.... لذلك يقرر ايفرين ان يدرس الطب ليتمكن من علاجها في المستقبل.. وهكذا كان.. سافر ايفرين لدراسة الطب.. اولا في بوغوتا وفي مراحله الاخيرة في لندن.. وكان يزورها في العطلة.. ويمر على بيتها اولا قبل ذهابه لبيته لرؤية والدته الوحيدة. كانت ماريا تتنبأ بمواعيد عودته حدساً وتعرفها حساباً... لذلك كانت تنتظره خلف شباك غرفتها المفتوح. كان دائم الوصول في اوقاته، لا يتأخر ابداً، ولا تتأخر بدورها عن انتظاره ابداً. وفي احدى المرات اهداها مجموعة من نباتات الورد.. فزرعتها في شرفة النافذة وازهرت بعد حين. وكانت الورود ورأس ماريا الذي يطل من بينها من فتحة النافذة، اول مشهد تلتقطه عيناه عند عودته الى القرية. وفي سنته النهائية.. وهو على وشك ان يتخرج ويحقق حلمه بعلاج حبيبته والزواج منها... وبعد ان قضى في لندن ثلاثة شهور عاد في اجازة... وعند اقترابه من الشباك الذي كان مفتوحاً، كانت المفاجأة.. شاهد الوردود ولم يشاهد ماريا... ولانه يعلم انها لا يمكن ان تتأخر عن انتظاره مهما كان السبب، ادرك ماذا حدث.. ومن دون تفكير.. احتضن الورود ذاهلاً وهو ينشج بالبكاء.. ونزعها من مكانها واشواكها تمزق ذراعيه.. وأخذ يجري مخترقاً طرقات القرية نحو المقبرة... وهناك، حيث تجمع اهل القرية حول القبر الطري الجديد... يصلون على الميت.. اخترق صفوفهم... ودون ان يسأل عمن يكون الميت حتى !!!!.. سقط منهاراً على التربة الندية.. وزهوره بين يديه، ومن بين الدموع التي تتجمع في عينيك وانت تشاهد المشهد.. ترى ام حبيبته ماريا تقترب منه... وتقف عند ظهره وهو جاثٍ.. وتمد يديها من خلف ظهره لتعطيه شيئاً كانت تحمله بين يديها..... تسلمه جديلتي ماريا اللتين قامت بقصهما قبل موتها، واعطتهما لامها لتسلمهما لحبيبها حين يعود.. تنتهي الرواية ولا احد يعرف اين ذهب ايفرين.. فقد هجر القرية ورفض العيش فيها. 
انتجت هذه الرواية للسينما ثلاث مرات... وكانت الثالثة محاولة مكسيكية في عام 1972.... وكانت افضل المحاولات وانجحها في مقاربة الرواية.... وقد نجح المخرج نجاحا كبيرا في تصوير المشهد الذي يشكل ذروة النص وهو مشهد الشباك الفارغ واحتضان الورود... كما نجح نجاحا رائعا في المشهد الذي يشكل ختام الرواية، وهو مشهد المقبرة والمفاجأة المؤثرة الحزينة بتسليم ايفرين جدائل ماريا.... للاسف لم يشتهر الفيلم كثيرا لانه مكسيكي.. ولا يضم أحداً مشهوراً.... لا من الممثلين ولا صانعي الفيلم...... ولغته التي مثل بها هي الاسبانية..... لكنه من اجمل الافلام واعمقها اثراً في النفس بحق.... نعو د الان للاغنية التي تتكون من ثلاثة مقاطع.. حيث يقول المذهب:
.
د ِقـَّيـْتْ..... طـَل الورد عالشبّاك........ وَيْنها ؟؟؟؟.... تلـَبـّك ما عاد يحكي
ماتت ؟؟... لشو تخبّر؟؟..... أنا ويـّاك.... أنـّا وياك
وحدنا يا ورد رَحْ نبكي
في المقطع الاول.. المذهب كما يسمى اصطلاحاً... استطاع الكبير سعيد عقل ان يحكي لنا عقدة الرواية... واهم مشهد فيها.... فاستطاع بمنتهى السحر ان يمهد ويوجز ب 24 كلمة قصيرة فقط.... كل العقدة في النص وينقلنا مباشرة الى ذروة النص ليحكيه كاملا ومن دون مقدمات.. يكفي ان تسمع هذا المقطع بكلماته القليلة، لتدرك كل شيء.. وكيف فوجيء الحبيب بغياب حبيبته... وسأل عنها الورد، العارف بسرهما وقصتهما.. والخائف عليهما... ولربما اوحى بانه حبيب آخر للفقيدة، بدليل انه سيبكي لموتها مع الحبيب... ويشاركه لوعة الفقدان.... والغريب في عبقرية سعيد عقل انه استخدم كلمة واحدة فقط وهي : دقيت..... ليشرح لنا كل الماضي.... فليست هناك اية حاجة لان يقول لنا ما علاقة الاثنين؟؟؟... ولا داعي ليقول لنا ما دور الورد؟؟ ولا داعي لنفهم ماذا جرى؟؟ ولا ما معنى غيابها؟؟... كل ما علينا هو ان نعرف انه دق فنعرف انهما كانا يحبان بعضهما... وكانت تنتظره عند حضوره... وكان الورد يشاركها في اطلالتها.. وإن اطلالة الورد من دونها تعني شيئا غير معهود... وان هذا الشيء لا يمكن ان يكون الا الموت... لانها لا يمكن أن تتأخر عن عن إنتظاره لأي سبب ٍ آخر. 
اما كيف استخدمت كلمة الموت بمعناها اللغوي كظاهرة بيولوجية.. فهذا حديث اخر... فهذه الاغنية حين غنيت لاول مرة في مسرحية : ( ناس من ورق ).. عام 1972... اثارت ضجة بين الاوساط الثقافية... وتسائل الكثيرون كيف استخدمت فيروز.. مطربة الجمال والحياة والعذوبة... لفظة الموت في اغنيتها..... فقد وردت لفظة الموت في اغاني فيروز مرات عديدة ولكن بمعان اصطلاحية كما في اغنية عندي ثقة فيك لزياد رحباني... حيث تقول: (بيكفي شو بدك يعني انو موت فيك).. وكما هو معلوم فان العرب يستخدمون هذا التعبير للدلالة على شدة الحب.... وقد تتغير العبارة من لهجة الى لهجة ففي لبنان موت فيك.. وفي العراق اموت عليك... الخ... كما وردت العبارة في حوار مسرحية زنوبيا... وفي ترانيم الجمعة الحزينة، في الام الحزينة ترد عدة مرات... حيث يتكرر العجز (فليكن موت ابنك حياة لطالبيها) 6 مرات... لكنها لم ترد ابدا كما وردت في هذه الاغنية... ولما كان من الضروري استخدامها.... فهي الوحيدة التي ستوضح لنا معنى كلمة (فـِلـَّيـْتْ) في المقطع الثالث.... فليس اقدر من سعيد عقل على ازالة كراهية المفردة.... وليس اقدر من الساحرة فيروز على ان تبعث فيها الحياة.... وتجعلها بصوتها الملائكي الساحر... نقيضا كاملا لعالم الموت المليء بالوحشة والوحدة والظلام والالم..... فتشع فيها اضواء العذوبة والجمال والهيمان... وتصبح البوابة التي ستنطلق منها دعوة سعيد والرحابنة وفيروز الانسانية للبشر... والتي سنسمعها في المقطع الثالث... تؤدى الاغنية بطلة المسرحية.. المهرجة التي يكون اسمها ماريا ايضاً... حيث لا تغفل عبقرية الرحابنة وعقل وفيروز، عن اي تفصيل مهما كان صغيراً.... 
ننتقل الى الكوبليه الاول... ونسمع: 
انت و انا يا ورد..... وحدنا.... بهونيك ليلة برد 
حكيت لنا حكاية الحلوايه... فايق وشو طالت... حكاية الحلواية 
قالت : حلوة انا ...... خلصت الحكاية 
يكمل الكبير سعيد عقل في هذا الجزء روايته... وينتهي ما اراد جورج ايساك ان يقوله في الرواية.... وما اراد الفيلم ان ينقله للمشاهد.... وفيه تتجلى ثانية عبقرية هذا الساحر سعيد عقل.... ويعطينا درسا في الكتابة... ويعلمنا واحدا من اسرار الابداع الادبي.... ويعلمنا ما معنى البلاغة.... وما معنى الايجاز.. وما معنى التكثيف.... اقرأو ثانية ما كتب... وكيف استطاع ان يقول ما لا يقال و بكلمة واحدة فقط ، طويلة جداً حيث يتذكر العاشق طولها ويُذكّر الورد (المُخاطب – الشاهد) بهذا الطول.... ودافئة حيث بعثت الدفء والحياة في ليلة البرد..... لكنها كانت: (حلوة انا) فقط... يا لهذا الطول.... ويا لهذا الدفء.. وتنتهي الحكاية... وتنتهي معها رواية جورج ايساك والفيلم المكسيكي ونقل سعيد عقل لها. 
اما ما يتبقى فهو الكوبليه الثالث... روح سعيد عقل... وعقله... وخلاصة الفن الرحباني... وصلاة فيروز وابتهالها... وما يشكله النص الفيروزي من دعوة انسانية للمحبة والسلام والاخلاق والقيم والخير والجمال..... الكوبليه الثالث يمثل رؤية سعيد عقل... المنسجمة مع افكار عاصي الرحباني... والتي لا تغني فيروز الا امثالها... ولا تبحث الا عن كلمات حين يسمعها الناس، يسمعونها وارواحهم تصلي... وتبتهل... وتذوب.... وتحلق في عوالم من الروحانية والصوفية والجمال.... لنسمع الكوبليه: 
و دقيت عالشباك بعد سنين..... سنين
شفتو انفتح كيف شكل ؟ ؟ بـَعـْدَكْ هـَوْن ْ؟؟
قال : علمتني حلوة الحلوين.... إن فـِلـَّيـْتْ.... أترك عطر في هالكون
يا الله... كيف يلومون من يبكي حين يسمع فيروز.... كيف يلومون من يسمع صوت فيروز بالموسيقى التي اختارها او لحنها الرحابنة... وهي تقول كلاماً كهذا و يذوب.. ويهيم... ويحلق في عالم لا نهائي من العشق والصوفية والحنين.... هنا يقول لنا سعيد عقل ما الغاية من وجود الانسان.... وما هي فلسفته.... وكيف يكون الانسان انساناً..... ينقل لنا على لسان الحبيب... انه جاء ثانية ودق الشبك بعد سنين.... واستغرب وجود من يفتحه!!!!..... لانه كان يظن انه سيغلق الى الابد بعد موت ماريا.... لكنه انفتح !!.... يا للغرابة !!!!.... ها هو يحمل عطر الورد.... وينثره في ارجاء الكون..... ويتسائل سعيد عقل :... كيف حصل هذا ؟؟؟؟.. كيف انفتح الشباك ؟؟.... من اين جاء كل هذا العطر والورد ليس في مكانه ؟؟؟ وماريا ميتة... ؟؟؟؟.... فيسمع الجواب الرهيب : لقد علمتني حلوة الحلوين..... ان الانسان اذا مات.. عليه ان يترك عطراً جميلا ً في هذا الكون..... ان يترك ذكرى حسنة..... ان يترك خيرا ينفع به الناس..... كلمة ً.. علماً... شيئا ً جميلا ً ما...... هذا هو الانسان الذي تخاطبه فيروز.... وهذا هو الكون الذي سيتركه عشاق الجمال الذين يسمعون فيروز ويهيمون بها.... ويفهمون ما تقول.... انها تريد ان يكون العالم مستودعا ً للعطور التي يتركها الماضون... ويعيشها القادمون بعدهم.... هذه الرسالة الرائعة التي لم يفهما البشر.... وخلفوا من القمامة اكثر مما خلفوا من العطروالجمال الانساني.... كما يريد سعيد عقل وكما يريد الرحابنة.. وكما تريد فيروز.. وكما تفرض الحياة

.