خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

أثر الموسيقى الوطنية في ثورات الشعوب

. مقالات

الموسيقى والأناشيد الوطنية في جميع النهضات والثورات الشعبية هي أصدق ترجمان، وأفصح معبر عن المشاعر والأحاسيس التي تمر بها الحشود الثائرة والجماهير الغاضبة، المتوثبة إلى نصر مأمول، ووطن يراد له أن يتبوأ تحت الشمس سمو المكانة وعزة الكرامة.

ومنذ أقدم المدنيات كانت الشعوب الراقية تتوج فتوحاتها ووقائعها الحربية، وانتصاراتها الرائعة بالموسيقى والأناشيد، تكلل بها هامات الأبطال، حيث تؤلف من جمهورها الحاشد صوتا واحدا مؤلفا من مئات ألوف الأصوات رجالا ونساء، كهولا وأطفالا، يهزون الروابي والجبال من حولهم بأهازيج النصر في مقدم البطل المنتصر محاطاً بجيشه المظفر.

وقد جرت هذه الأمم القديمة على تلقين أبنائها وبناتها الأناشيد والأغاني الوطنية كما تلقن الأدعية والتراتيل الدينية. وحين تدعي الأمة للجهاد لانقاذ حق أو رد عدوان كانت هذه الموسيقى وتلك الأناشيد أقوى سلاح معنوي يشتد به أزر الكتائب المناضلة، لتمضي قدما إلى حومات الوغى، وقد ألهمتها تلك الأناشيد أسمى معاني التضحية والايمان.

ومع هذه الأناشيد انتشر الغناء الجماعي الذي كان يشارك بالغناء في وحدة واحدة دفاعاً عن الأوطان.  

لقد كان العرب يتبارون بالقصائد ويتناشدون الأشعار مفاخرة واستنفارا للقتال قبل تشابك الرماح والحراب.  وكانت جموع النساء من خلف الكتائب والصفوف يغنين الأناشيد فيستثرن بها نخوة الرجال، ويبعثن في عزائمهم نارا أقوى من السيوف وأحد من الحراب.

وقد تطورت الموسيقى مع قافلة الزمن الدائبة في سيرها، فما كادت تلوح النهضات القومية المختلفة في العصر الحديث حتى لعبت الموسيقى والأناشيد الدور الخطير في اذكاء الثورات، وإيقاد جذوة الوطنية .

وانك لا تكاد تسمع بنهضة أمة وثورة شعب أو قيام دولة الا والنشيد هو الاعلان البارز  والاطار الواضح، والصوت المدوي بمعاني تلك النهضات والثورات والحركات. فكما يكون للأمة شعارها المميز، وعلمها الخفاق، وحدودها المعينة، يكون لها كذلك نشيدها الوطني الذي يبرز شخصيتها، فتعرف به، بل لعله هو الذى يسبق الى ايقاظ الشعور والتعبير عن الأماني، والدفع الدائب نحو العلا والمجد. هذا إلى جانب أناشيد تؤلف وتلحن خصيصا لهذه المناسبات..  

وما من نشيد ظفر بمكانة عالمية، ونال شرف التخليد، إلا لأن ثورة أنجبته، ونهضة أرسلته، وأمة رددته، فكان صدى لما يجيش به القلوب وتختلج به العواطف.

الموسيقى والأناشيد أصبحت حقيقة مسلمة بها عند جميع الأمم في تشريعاتها وتقاليدها المرسومة .. فأصبحت الموسيقى ركنا أساسيا في بناء الجندية، فما من جيش الا وله فرقته الموسيقية التى تلازمه في السلم والحرب، تؤدى عملها الدائم في الحياة اليومية، والتدريب المستمر للجندي، وتقف إلى جانبه حتى تعزف نشيد الفداء والنصر.

وقد نهضت دولنا العربية فظهرت آثار هذا النهوض في جميع نواحي الحياة، حاملة في ثناياها شعار القوة والتضحية والبذل في سبيل العزة والكرامة.  وهذه النهضة لا بد لها من الموسيقى المعبرة عنها، المسايرة لها، فما الموسيقى الا توقيع يهز المشاعر، ويحفز على الاقدام .. وعمل تؤديه الحناجر والآلات الموسيقية أفرادا وجماعات.

أن هذه الحركة المباركة تطالبنا بتجنيد المواهب الفنية لتقوم بأداء الأهازيج والأناشيد الوطنية.

                                                        د/ رتيبة الحفنى