خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموسيقى والعودة الى الجذور

. مقالات

الموسيقى تغمر الحياة بايقاع الحركة، وروح التفاؤل والأمل. ولا يوجد انسان موسيقي وآخر فقير في استعداداته الفنية . لأن الانسان يولد موسيقيا في البداية ، ثم تتحول هذه الموسيقى الى طاقات مبدعة في مجالات متعددة للعلوم والفنون، لتثري أوجه الحياة المختلفة بالعمل المنوع. ويظل مع ذلك موسيقيا في مشاعره ونبضه وحركته وايقاعه، حتى ولو تحول الى مفكر أو عالم أو عامل أو صانع. لأن الانسان له قلب ينبض بايقاع دقيق، وأعضاء تتكامل في حركات ايقاعية متعددة ومتناسقة، مادام حيا . كما أنه يتغنى بالحديث الجميل ذي النبرات الرنانة ، والجمل المفيدة والمعلقة، والتعبير الحزين والمرح، والقوي والواهن، والمحب والمخيف. فاللغة موسيقى وايقاع، وهي تعبر عن أوركسترا الجسم البشري بكافة آلاته ونبضاته وعطاءاته.

لقد اكتسب الانسان الأول هذه الحقيقة في نفسه وفي مجتمعه وبيئته. فجعل من الموسيقى قوة هائلة تخفي وراءها أسرار الحياة التي يجهلها. فهي تغمر عالم السحر والأساطير، وهي وسيلة للعبادة والتقرب الى الآلهة، وهي أيضا رموز للحرب والعمل والتضامن، والترفيه والحب والسلم ، وهي كذلك نبض الرقص والحركة، وتعبير عن النمو والحصاد.

وتطور الانسان وزادت مدنيته في بقاع معينة من العالم، بينما بقي الانسان الأول حتى يومنا هذا قريبا من الانسان الذي عاش فى العصور الحجرية الأولى، منحصرا في قبائل معينة في أواسط أفريقيا وفي أمريكا الجنوبية . غير أنه بقي موسيقيا كما كان دائما.

ويظن الكثيرون أن هذه القبائل بعيدة عن فهم الموسيقى الحديثة المتطورة التي تعاقبت عليها العلوم الأوروبية، بعد أن صبت فيها الحضارات القديمة خلاصة تجاربها الرائدة.

وكانت التجربة .. وجاءت النتيجة مذهلة، فقد تذوق الانسان البدائي الموسيقى العالمية المتطورة التي يعجز عن تذوقها الكثير من المتعلمين، بل العلماء المعاصرين من استشفاف نقاط الجمال فيها. فقد قامت جماعة من الباحثين في علوم الموسيقى بتكليف من منظمة اليونسكو العالمية، بعزف موسيقى بيتهوفن الرائعة، من تسجيلات موسيقية حديثة. قاموا بعزفها لجماعة من سكان أمريكا الجنوبية المنتمين لاحدى القبائل البدائية التي لم تختلط بالانسان الحديث الغارق في المدنية. وراقبوا جيدا مدى جدية هذا الانسان البدائي الأصيل، والقدر الذي انفعل به وهو يستمع الى هذا اللون الغريب عليه من الموسيقى. كانوا يستمعون باحترام كبير للأصوات، وبتركيز يندر أن نشهده في أعرق قاعات الكونسير فى أوروبا وأمريكا. وظهرت الانفعالات على وجوههم، وقد أصبحت ملامحهم أليفة مطمئنة متأثرة. هكذا وصل بيتهوفن الى رجال القبائل البدائية، لأنهم أقدر منا على استشفاف معاني الجمال .. ولأنهم لا يمتلكون من الحياة سوى مميزاتها البدائية الأصيلة، ولم تلوثهم المدنية بضجيجها غير الطبيعي المدمر .. كما لم يصبهم جنون العلم الذي يحشد المعلومات في العقول لينسي الانسان الصفاء والجمال، والارتباط بالطبيعة، والجذور البشرية، وليخرج عن ايقاع نفسه الانسانية الى ايقاع الآلة وموسيقى رنين المادة.

ظهرت كتب عديدة في أوربا وأمريكا تبحث في أصالة الموسيقى البدائية، وذلك بعد أن اتجه أعظم المؤلفين الموسيقيين الى تمجيد الايقاع والألحان البسيطة . فقد بنى " سترافنسكى " جزءا كبيرا من موسيقاه على ألحان الانسان البدائي، واستمد أفكاره ونظرياته وتحليله لموسيقى القبائل البدائية الافريقية والأمريكية. وجاءت موسيقاه المتطورة مرتبطة بشكل جذري ووثيق بكل من العلم الموسيقى الموروث من حضارة الموسيقى الأوروبية، والوجدان والنبض الايقاعي النادر للانسان الأول الأصيل.

وفي موسيقى الجاز ، نجد التعبير التلقائي الارتجالي للزنوج الأمريكيين عن حنينهم الى الحرية، بعد أن سلبتهم مدنية الرجل الأبيض حرية الحركة فى مجتمع طبيعي أصيل، يشكلون لبنة طبيعية فيه. ونجد الايقاعات المرتبطة بالرقص التلقائي المعبر عن كافة مشاعرهم وآمالهم وآلامهم، هذا بالطبع الى جانب ارتباطات هذا الفن بموسيقات أخرى. وهذه الجذور البدائية هي التي شكلت روح ونبض الجاز. ولذلك فقد نجح وشاع هذا الفن ودخل الى كافة جوانب الموسيقى التي تمخضت عنها ذروة التقدم الموسيقي في الغرب والشرق.

وكان ذلك التقرب من الانسان الأول بفنونه الأصيلة، وسيلة للتجديد في فنون البشرية الحديثة، بعد أن تحكم العقل في وجدان البشر، وبعد أن استنفذ الانسان الفنان وسائل الابتكار والابداع والتجديد.

ان الحضارة البشرية موجات متلاحقة، فيها الارتفاع وفيها الانخفاض، فيها العودة الى القاع والصعود الى الذروة. وكان لا بد للموسيقى الحديثة من العودة الى الجذور لتستلهم الطريق الى ما هو جديد، والبحث عن وسيلة لنجدة الانسان المعاصر من ضغط العلم والمدنية على ضميره وعقله، دون أن يجد فرصة ليلتقط أنفاسه، أو ليلتقي مع الطبيعة الأم.

فحتى الطبيعة القريبة من المدنية قد شوهتها يد العمران والمدنية بالصقل والتهذيب، فهاجرت الطيور لتغني بعيدا في آفاق الحرية نشيد الحياة.