الموسيقى الفلكلورية تعكس الثقافات : العزف على إيقاع طبائع الشعوب

. مقالات

زينة العظمة

كثيرا ما يقال إن الموسيقى لغة عالمية. ويصح ذلك على أغلب أنواع الموسيقى ليس لأنها تحمل بطبيعتها الصرفة لغة إنسانية مشتركة، إنما لأننا جعلناها تحاكي إيقاعات أجسامنا وأصواتها وجعلناها تردد بالصوت علاقات وحالات اعتدناها في أنفسنا وفيما حولنا. الموسيقى في أبسط حالاتها إعادة خلق لانفعالات وحالات بشرية عن طريق الصوت.  فلأننا مثلا في بعض حالات انفعالنا نتنفس وبالتالي نتكلم بسرعة وبصوت مرتفع، يصعب لموسيقى سريعة الايقاع وصاخبة الصوت أن تنقل لنا حالة من الهدوء. ولأننا في لحظات هدوئنا لا نستخدم نبرة صوت حادة، فإن النبرة الحادة سواء في الغناء أم في الآلات الموسيقية، تنقل لنا انفعالا غير هادئ.  لأن الموسيقى تنقل لنا حالات خاصة بنا نعرفها لا موسيقيا، فإن موسيقى مجموعة من البشر تتميز عن غيرها بنفس الطرق التي يتميز بها أفراد المجموعة. وبلغة أبسط يمكن أن نقول: إن الموسيقى وسط ما تعكس خصائص هذا الوسط أو أن الموسيقى انعكاس صوتي لطبيعة أو مزاج صانعيها.

لنرى إن كانت الأمثلة تدعم الافتراض بوجود علاقة بين طبيعة الموسيقى الفولكلورية وبين طبيعة الشعب الذي صنعها. وسأقتصر هنا على المرور السريع بأمثلة ثلاثة لأنواع ثلاثة من الموسيقى. وتستخدم موسيقى المتصوفين الإيرانيين عددا قليلا من الآلات يوحي بالخصوصية لا الاحتفالية في الطقس الموسيقي. هذه الآلات نادرا ما تعزف مع بعضها، فالحالة التي تنقلها هادئة وتأملية، وهذا ما يؤكده غياب الإيقاع الواضح. الإيقاع عنصر موسيقي مرتبط بالرقص والنبض والانفعال لذلك نجده غائبا في الأغلبية العظمى من أنواع الموسيقى الدينية كالتراتيل الغريغورية الكنسية التي يختفي فيها الإيقاع وتتكرر الفواصل الصامتة. لكنه حاضر بشدة في الموسيقى الصوفية التركية وبعض الموسيقى الصوفية العربية فهي التي تبنت استخدام الرقص والحركة في العبادة.

تتميز الموسيقى الصوفية الإيرانية كذلك باستخدام نبرة الغناء الرخيمة التي تعكس الهدوء والوقار في نفوس صانعيها المتصوفين. ولكن الهدوء وغياب الإيقاع ليسا من سمات الموسيقى الدينية كلها. فأغاني تبجيل الإله الخاصة ببعض الشعوب الإفريقية مثل قبائل أقزام غابات الايتوري (Ituri) الإفريقية، تتميز بالمرح الجاد والروح الجماعية. إنها شعوب أكثر عفوية وانفعالية من غيرها. وتظهر هذه الانفعالية في نبرة الصوت الحادة التي نجدها غير شائعة في الأغاني الصوفية. أقزام الايتوري وبحكم قسوة ظروفهم المعيشية يتميزون باعتمادهم الشديد على بعضهم وبنظام جماعي متين. ينعكس ذلك في موسيقاهم من خلال سيطرة الغناء الجماعي. فإذا ورد غناء منفرد نجده متبوعا بترديد جماعي يذكر بالنظام القيادي المتبع لدى هذه القبائل. تتميز موسيقى الايتوري كأصحابها بالعفوية فيغلب الارتجال لديهم على نظام الحياة والموسيقى معا.

وإذا اعتبرنا التكرار أبسط أنواع النظام فإن لموسيقى الايتوري من النظام أقله، إذ أن تكرار اللحن هو النوع الوحيد من الترابط ووحدة القالب الذي نصادفه فيها. موسيقى الايتوري موسيقى شعب مرح.  لكن مرحه ليس صاخبا إنما هو مرح طقسي جاد. ورغم وجود الإيقاعات الغنية والمركبة، نجد أن الغناء لا يسوده صخب مهرجاني وأصوات انفعالية، إنما تسوده الجدية. قد يعود ذلك إلى كون الايتوري يستخدمون الغناء كوسيلة للحماية من الأرواح الشريرة. بالمقارنة نجد أن مرح الموسيقى الجنوب أمريكية صاخب عابث لا يفاجئنا كونه ينتمي إلى أكثر شعوب العالم حبا في الاحتفالات والمرح. ولقد كانت قبائل الأبوريجيني (Aboriginal) الأوسترالية تعيش أنماطا بدائية من الحياة تعتمد فيها على الصيد وقطف الثمار ويستمر هذا النمط من الحياة في بعض مناطق القارة النائية حتى يومنا هذا. لذا نجد موسيقى سكان أوستراليا الأصليين بسيطة تستخدم آلات بدائية مصنوعة من مواد خام. وكون هذه القبائل شديدة التطير والإيمان بالغيبيات والاعتماد على السحر والشعوذة يجعل موسيقاها شديدة الغموض. فهي تنقل أجواء خاصة لكنها لا تحمل أفكارا أو جملا موسيقية، حتى أن الألحان فيها نادرة. آلة الديدجيريدو (Didgeridoo) كثيرة الاستخدام في الموسيقى الاوسترالية، وهي غير قادرة على إعطاء لحن أو حتى علامات موسيقية معينة؛ إنما تكتفي بإصدار صوت رخيم ويحصل التلاعب بهذا الصوت من خلال حركة الشفاه والتنفس. وتستمر مقطوعات طويلة على هذا الصوت الرخيم الذي يتكفل بإبعاد الأرواح الشريرة بحسب اعتقاد الأوستراليين الأصليين. فموسيقى الأبوريجيني تعتمد بشدة على التأثيرات الصوتية التي تحمل دلالات روحية معينة. لا يمكن حصر كافة الأدلة على تمثيل الموسيقى لطبائع وعادات الشعوب التي تنبع منها. فالموسيقى، أي موسيقى، مرآة لذهن صانعها.  والموسيقى الفولكلورية بصورة خاصة، انعكاس للوعي الجمعي لفئات من البشر يتميزون عن غيرهم وبحكم موقعهم وتاريخهم بسمات نسميها حضارتهم، خاصة أن الموسيقى التي تندرج تحت تصنيف الفلكلور هي ثمرة تراكم الممارسات الموسيقية العفوية للبسطاء من أهل المنطقة، وليست نتاج المختصين منهم.

.