تأثير العولمة والهوية والحداثة على الموسيقى العربية

. مقالات

د. إلياس بودن – تونس

ما فتئت الفنون العربية الإسلاميّة تتعرّض لعديد التأثيرات الأجنبيّة عن المنطقة العربيّة ومجالاتها، وفي هذا الإطار تعدّ الموسيقى العربيّة إحدى أهم الميادين التي وسمت الثقافة العربية وطبعتها بطابعهاالخصوصي منذ أقدم العصور، مثلما أكدت على ذلك مجمل المصادر والمراجع التاريخية التي درست مسار  الموسيقى العربية،  ففي الجزيرة ثم في سوريا وفي العراق، عرف مسار الموسيقى العربية عدة تأثيرات منالعالم الفارسي والبيزنطي وقد أثمرت جميعها أدبا موسيقيا لا يزال إلى اليوم يمثل مرجعيات لأصالةالموسيقى العربية رغم عديد التأثيرات التي طرأت عليه من المجال الفارسي خاصة منذ القرن الثالث والرابعالهجريين.

لقد طرحت تلك التأثيرات مسألة هامة من المسائل الثقافية ألا وهي مسألة الخصوصيات المحليةوالجهوية التي انعكست على الابتكار الموسيقي في المشرق والمغرب العربيين منذ اختلاف إسحاقالموصلي وزرياب، فبدأت منذ ذلك الاختلاف تتجلى صور الممارسة الموسيقية المختلفة في كل منالمنطقتين العربيتين ولا سيما في مستوى استخدام الطبوع والمقامات في الألحان العربية.  ففي حين اختصت الموسيقى المشرقية بالمقامات الشرقية الأساسية والفرعية، تميزت الموسيقى الأندلسية والمغاربية باستخدامها للطبوع المغاربية ذات الخصوصيات المحلية والجهوية.

وفي العصور الحديثة وخاصة منذ القرن التاسع عشر، أضحت مسألة الهوية الثقافية هدفا للتياراتالأجنبية الوافدة مع الغربيين المستقرين في المشرق والمغرب العربيين، ورغم بعض التأثيرات العثمانيةوالتركية هنا وهناك فقد أصبحت الموسيقى العربية مجالا هاما من مجالات الحفاظ على الهوية القوميةوالتراث الفني، وأسهم المؤتمر الأول للموسيقى العربية المنعقد في القاهرة سنة 1932 بتوثيق جانب هاممن القوالب الموسيقية العربية التقليدية والمعاصرة آنذاك.  وفي هذا المؤتمر ومن خلال التقاء الموسيقيين والمسؤولين على القطاع الموسيقي في المشرق والمغرب العربيين، طرحت مسألة التقليد والتجديد في الموسيقى العربية على عدة مستوياتمنها حفظ التراث الموسيقي القومي، والتعليم الموسيقي الكتابي والشفاهي، والآلات الموسيقيةومدى قدرتها على الحفاظ على الهوية ودعمها بإضفاء بعض الأجراس الموسيقية الحديثة وإدماجها فيأجراس الآلات التقليدية.

في منتصف القرن العشرين ومع استقلال جل البلدان العربية من الاستعمار الأجنبي باتت الهوية الفنية وتجديدها مسألة ملحة على الموسيقيين العرب، لا سيما مع التيار الحداثي الذي بدأ يترسخ في مصر سواءعلى مستوى الممارسة أو على مستوى التنظير، وما كاد القرن العشرون يوشك على نهايته حتى ظهر الجدلحول الحداثة الموسيقية العربية، ففي حين تقبلها البعض من النقاد والباحثين على كونها من سنن الرقيوالتقدم وبخاصة في ما يتعلق بالأغنية وسبل تأليفها وأدائها، ذهب عدد آخر من الباحثين والمنظرين إلى القولبضرورة المحافظة على التراث الغنائي والموسيقي وإحياء القوالب الغنائية التقليدية المتقنة منها والشعبية.  وفي هذا السياق لعبت القدود الحلبية في الشام دورا طليعيا في مواكبة الحداثة الغنائية العربية.  فعلى الرغممن تراجع القالبين التقليديين الموشح والقصيدة، استطاعت تلك القدود أن تترسخ في المشهد الفني الشرقي وبخاصة في سوريا وبصفة أخص عن طريق المطرب صباح فخري، بل أنّ هذا القالب عبّر عن صمودالهوية الفنية العربية تجاه العولمة الثقافية التي شهدتها المنطقة العربية منذ أواخر ثمانينيات القرنالماضي وحيث تفشت مظاهر الانفتاح على العالم الفني الغربي، وعملت وسائل الاتصال المتطورة ولا سيما الوسائل السمعية البصرية والشبكات الإعلامية الحديثة على التغلغل في لب المجتمعات العربية وبث مكاسبهاوإحداثياتها في الثقافة العربية الأصيلة.

هكذا، وطوال ثلاثة عقود، تصدرت قيم الحداثة مجمل الممارسات الموسيقية العربية في العصر الراهن، وقد كثر الجدل حول مسألة الاقتباس من الثقافات المجاورة والبعيدة عن النطاق العربي.  وفي خضم ذلك الجدل ظهرت عدة تيارات موسيقية في الساحة العربية اختلفت فيما بينها في مفاهيم الحداثة، ومن أبرزتلك التيارات تيار التجديد الذي شدد على ضرورة القطيعة مع الممارسة الفنية التوليدية.  لقد أدمج هذا التيارسواء في القوالب الغنائية والموسيقية المستخدمة أو كذلك في الآلات المرافقة للأداء الغنائي، عديد التغيراتالتي آلت إلى تجاوز التراث زمنيا وهيكليا.

ومما لا شك فيه أن التغيرات السياسية والفكرية الطارئة منذ بداية الألفية الجديدة، انعكست سلبا علىالهوية الثقافية.  وقد راجت مع تلك التغيرات فكرة التراث العالمي أو الثقافة الإنسانية مما جعل الإبداع الفنييكاد ينحصر في نمط واحد، وهذا ما أطلق عليه العولمة الثقافية.  إن هذه العولمة وضعت شعارا لها "تشابهالهويات" أو بالأحرى "هوية ثقافية عالمية تتضمن كل الهويات الفنية"، وفي ذلك لا شك خطر وأي خطر علىالهوية الثقافية العربية التي تتميز بسمات خاصة بها تميّزها عن بقية الهويات في العالم.     

لقد انعكس تيار العولمة الثقافية على الموسيقى العربية انعكاسا سلبيا حيث كثرت الاقتباسات فيالأنماط والآلات الموسيقية ما عزل الموسيقى العربية عن عناصر هويتها الخصوصية، وأصبحالتجانس الموسيقي إحد أهم علامات الموسيقى "الحداثية" العربية.  لكن هذا التجانس الذي أصاب جلموسيقات الشعوب أدى بلا شك إلى تناقص في الابتكار الموسيقي وتشابه في العروض الموسيقية شكلاًومضموناً ولا سيما في البلدان العربية التي عرفت منذ أواسط القرن العشرين تجانس الاستخدام المقامي مماجعل الأغاني والأعمال الموسيقية عامة تتشابه فيما بينها في بلاد عربية وأخرى -- نذكر على سبيل المثالتلحين أغلب أغاني الفيديو كليب بنفس المقام وهو مقام الكردي، وكأننا بملحني تلك الأغاني الهابطة غيرقادرين على التلحين في المقامات الأخرى.  وحتى في حال اختلاف بعض هذه الأغاني، فإنه عادة ما يكون ممثلا للثقافةالموسيقية الغربية ما يجعله يسقط في فخ النقل السلبي أو كذلك في فخ التلفيق عوضا عن التوفيق المنطقيوالرشيد بين الثقافتين المختلفتين من جميع النواحي الشكلية والضمنية.       

 


قائمة المراجع والمصادر

بشّة (سمير)، الهوية والأصالة في الموسيقى العربية: إشكاليات وقراءات، مراجعة وتصدير منيرالسعيداني، السلسلة الموسيقية، تونس، منشورات كارم الشريف، 2012، 228 ص.

بوعوني (الأزهر)، القاموس النقدي للهويات الثقافية واستراتيجيات التنمية بتونس، تصدير الأزهربوعوني وزير التعليم العالي والبحث العلمي بدعم من معهد الجماليات والفنون والتكنولوجيات، باريس، جامعة باريس بانتيون السربون، تونس، جامعة تونس، المخبر الوطني للبحث في الثقافة والتكنولوجياتالحديثة والتنمية، 2007، 191 ص.

بوقربة (عبد المجيد)، الحداثة والتراث " الحداثة بوصفها إعادة تأسيس جديد للتراث، ط.1، بيروت، لبنان، الطليعة للطباعة والنشر، 1993، 127 ص.

الجابري (محمد عابد)، التراث والحداثة "دراسات ومناقشات"، ط.1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1991، 386 ص.

خضر (مصطفى)، الحداثة كسؤال الهوية "بعض الملاحظات حول مشروع الحداثة العربية"، ط.1، سوريا، اتحاد الكتاب العرب، 272 ص.

الخوري (بولس)، "التحوّل الثقافي"، النهضة العربية والموسيقى خيار التجديد المتأصّل، المجمع العربي للموسيقى، عمّان، الأردن، 2003، صص. 119-124.

قطاط (محمود)، التجديد في الخلق الموسيقي العربي المعاصر، ملتقى خميس الترنان، الانتاجالموسيقي العربي قديما وحديثا، تونس، الدار التونسية للنشر، 1984، صص. 27-106.

الملاح (محمد علي)، "أثر العولمة على الهوية الموسيقية العربية"، القاهرة، مكتبة دار النّور، 2013.

مجموعة مؤلّفين: هدرش (محمود)، النخيلي (زاهر)، الهيشري (رضا)، بن نصير (حلمي)، رهانات الثقافة والثنمية في تونس في مطلع القرن XXI مقاربات وبحوث ميدانية في الواقع والتحديات، إشراف وتقديم محمد زين العابدين. بدعم من معهد جماليات الفنون المعاصرة، باريس، جامعة باريس1، بانتيون السوربون والمركز الوطني للبحوث العلمية، مارس 2006، 209 ص.

مجموعة مؤلفين، الموسيقى العربية: أسئلة الأصالة والتجديد، سلسة كتب المستقبل العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2004، 188 ص.

الورتاني (عزيز)، "قراءة في علاقة الموسيقى العربية المعاصرة بمفهوم التراث والحداثة"، مجلّة الموسيقى العربيّة (الالكترونية)، عمّان، الأردن، المجمع العربيللموسيقى، جامعة الدول العربية، 2013.

"تحوّلات العولمة وأثرها على الموسيقى"، كتاب من تأليف البريطاني سايمون ماندي، ترجمة د. سمحة الخولي، مجلّة الموسيقى العربيّة (الألكترونية)، عمّان، الأردن، المجمع العربيللموسيقى، جامعة الدول العربية، 2013.       

"الموسيقى العربية وعصر العولمة: قراءة في بحوث المؤتمر السادس عشر للمجمع العربيللموسيقى، دمشق، مارس 2000"، مجلّة الموسيقى العربيّة، العدد 18، عمّان، الأردن، المجمع العربيللموسيقى، جامعة الدول العربية، 2000، صص. 18- 23.    

MANSOUR,(Sabiha), « Letextemusical  andalou  entre  tradition  et modernité»,in:HorizonsMaghrébins,n 47,Toulouse,Pressesuniversitairesdu Mirail,2002,pp. 36-39.

 

LeDictionnaireInternationaldesPolitiquesdeDéveloppementCulturel, préfaceP.LazharBoouni,Tunis,Ministèrede l’EnseignementSupérieuret la Recherche Scientifique, Université de Tunis, imp.Signes,janvier2007, 206p.

 

 

.