الصورة المشوّهة للمرأة في الأغنية العربية

. مقالات

حميد زناز

يبدو الحبّ على أنغام الأغنية العربية وصفا ساذجا لجسد المرأة أو بعض الاستحضار الفقير لرغبات حسية فقيرة. أما التغني بالجمال فهو مجرد سرد إيحائي مراهق لبعض تفاصيل جسم الأنثى.

تخلق الأغنية العربية لدى المستمع واقعا غراميا افتراضيا لا يمتّ لحياته بصلة. و تنشر تصورا مناقضا للحب الإنساني الحقيقي و العلاقات الطبيعية بين الرجل والمرأة. ففي الأغلب الأعم تشوّه هذه الأغنية علاقة الحب بينهما وتقدم صورة عن العشق مبهمة مغلوطة ومختلفة تماما عما يحصل على أرض واقع الشبق. فبدل أن تعبّر الأغنية عن علاقة الحب إنسانيا، نجدها تحت ضغط الأنا الأعلى أو الذات الجماعية، تكاد تمسخ تلك العلاقة بين الذكر والأنثى وتضفي عليها طابعا دلاليا أسطوريا بل ومرضيا في بعض الأحيان. وهي نظرة للحب غارقة في  الخيال والمازوشية يخيّل للمستمع أن المغنّي يحاول إشراكه في وليمة استلذاذ بالاضطهاد والحرمان لا بالألحان. وهذا التصور للحب والجنس كثيرا ما يختصر المرأة إلى مجرد دمية ينتظر منها بل من واجبها أن تكون جميلة ومجردة من كل بعد شخصي واجتماعي وسياسي.

إن المرأة التي تُشبّهها كلمات الأغنيات بالغزالة والحمامة والوردة وغيرها من الأوصاف النباتية والحيوانية لا ترتقي إلا نادرا في الأغنية إلى مرتبة الزوجة الحبيبة الإنسانة، بكل ما تحمل هذه الكلمات من حنان ومساواة وانفتاح.

 

الغارق أساسا في ثقافة ذكورية صارمة

لا يغنّي الفنان  العربي هيامه لزوجته وأمّ أولاده وإنما يشيد بالمرأة-الحلم، مثالية الجسد التي تنتظره في جمهورية الحب الأفلاطونية. ولا تخرج الأغنية النسائية عن هذا المنطق إلا في أحيان قليلة. ومن الغريب أن تجترّ المغنيات نفس المواضيع الذكورية مرسّخة بصورة غريبة صورة المرأة الماكرة، المبهمة، الخائنة. تلك الصورة التي روّجتها الأغنية الرجالية منذ عشرات السنين والتي تقدم المرأة أيضا على أنها لغز تكتنفه الأسرار. وبديهيا، فإن المجتمعات التي تتجاهل حقوق المرأة ومساواتها مع رفيقها الرجل كثيرا ما تعوّض ذلك وهميا بالتظاهر بتقديس الأنوثة وادعاء صيانتها والحفاظ على شرفها.. الخ. وهكذا تتحول إلى صنم للمضغ. ونتيجة لذلك التأثير السلبي الذي خلفته الأغنية في النفوس تعكّرت وتشوّهت العلاقة بين الشبان والشابات، ومن هنا تلك النظرات الجائعة المصوّبة نحو أجساد النساء في الشوارع وفي كل مكان.

لا تكاد تخلو أغنية عربية من النحيب على غياب المحبوبة أو المحبوب أو خيانته، على الحب المستحيل، على الخيبة..  فكأن الفنان يستلذ بالألم وجلد الذات العاشقة. فهل العاطفة هي مرارة ودموع وأحزان؟

لا يمكن لثقافة أخرى غير العربية أن تنجب أم كلثوم، فأغاني مطربة كل العرب تعبّر عن أزمتهم الغرامية والجنسية وقساوة مجتمعهم تجاه المحبين وقيوده الخانقة.  لقد حلم ملايين المحبين معها طلبا -بوعي أو دون وعي- لتجاور العطل الإيروسي المزمن الذي يكابدون. صرخات وآهات عطشى لحب ملموس تطلقها أم كلثوم بدل الملايين من المحرومين منه. لم تكن كوكب الشرق مجرد مطربة وإنما كانت الناطق الرسمي باسم الحب الممنوع والمقموع. لقد بكت الحب الضائع نصف قرن مكان كل لعرب.

 

حميد زناز - كاتب جزائري مقيم في فرنسا

.