عبد الحي حلمي - إلى محيّاك نور البدر يعتذرُ

. مقالات

أسعد مخّول / لبنان

كثيراً ما يكون في دنيا الفنّ أكاديمي يلتزم بالأصول، ويحافظ على المبادئ، ويحيط بالأنغام من كلّ جانب ...  لكنّه لا يبلغ القلوب بيسر وسهولة. يقابله آخر، يترك العنان لأوتاره، ويبيح الفوضى لريشته، ويبعثر الحروف فوق صحيفته ...  ومع ذلك، فإنّه يمتلك مجامع تلك القلوب، وتُعقد في صالحه جلسات التّبرير والتّفسير، ويكون فنّه فوق الفنون، وفي هذا نقول: سبحان الله!

من هذه الدّائرة الفنيّة اخترت المطرب عبد الحي حلمي أحد بلابل مطالع القرن العشرين، واخترت من ثماره قصيدة: إلى محيّاك نور البدر يعتذرُ، مع أنّها ليست الأساس في أغانيه.

 

غناء أصيل بفعل الموهبة والتّمرّس

تلقّى عبد الحي (1857-1912) معارفه الموسيقيّة بشكل مباشر من خلال تعرّفه وعمله، مع فنّاني ذلك العصر: عبد الرّحيم المسلوب (1793-1928)، محمّد عثمان (1855-1900)، وعبده الحامولي (1843-1901)...، إلى أن استقرّ به الأمر مذهبجيّاً ناجحاً مع هذا الأخير، وهذا ما مكنّه من أن ينال موافقة نقابة الموسيقيّين في القاهرة، على أن ينطلق في نشاطه الخاص، ويكوّن تخته الموسيقى، ويلبّي الدّعوات بمفرده، بل امتدّ به الأمر ليكون من أوائل من سجّلوا أصواتهم على أسطونات (زونوفون 1906)، إلى جانب مطربي عصره: يوسف المنيلاوي (1850 - 1911)، وسلامة حجازي (1852-1917)، وإبراهيم القبّاني (1852-1927) ... ومن أوائل من أحيوا الحفلات الخاصّة والعامّة على السّواء، في بيوت الأعيان، وفي الحدائق (كحديقة الأزبكيّة التّي تمّ افتتاحها قبيل زمانه بفترة قصيرة)، ويعتبر بشكل عام بأنّه بلغ عرش الطّرب من خارج المدرسة الدّينيّة.

وبالعودة إلى لقاءاته الأولى مع الفنّانين الأساتذة، فإنّها كانت تتمّ في الصّالونات الكبيرة، خصوصاً صالون إسماعيل حافظ ناصر خاصة السّلطان في الإسكندرية،الذّي هو فنّان هاوٍ معروف وميسور (وهو والد الفنّانة بهيجة حافظ التّي قدّمت لاحقاً في العام 1936 فيلم ليلى بنت الصّحراء. وقد ورد في مجلّة الصّباح بتاريخ 30 نوفمبر 1934، أنّ بهيجة تولّت بطولة فيلم الضّحايا، وهو من الأفلام الناطقة الأولى في تلك الفترة. كما ورد عنها في مجلّة الكواكب، بتاريخ 16 يوليو 1968، ضمن مقال لصالح جودت: السيّدة بهيجة حافظ رائدة السّينما منذ 1938 تعيش في محنة قاسية في هذه الأيّام، فهي مريضة، منهارة، جائعة، طريحة الفراش، وقد فقدت إحدى عينيها الإبصار، والعين الأخرى توشك أن تلحق بأختها، وصوتها كذلك أصبح خافتاً مهدّداً بالصّمت، ويعالجها لوجه الله نفر من كبار الأطباء الإنسانيين، ويصفون لها الدّواء، ولكنها لا تجد ثمن ذلك الدّواء، وكانت وزارة الثّقافة قد خصّصت لها معاشاً قدره 30 جنيهاً، لكنّه هبط إلى 19، ثمّ إلى صفر...).

وعبد الحي حلمي من مواليد بني سويف في صعيد مصر، انطلق في حياة بسيطة وكانت دراسته الأولى مختصرة، مال إلى الغناء باكراً، وفي سبيل ذلك رحل إلى الإسكندرية للعمل في قصر إسماعيل حافظ، وقد عرف النجاح بسبب حلاوة صوته وطواعيّة حنجرته، وبسبب انسجامه مع مشاعره في غنائه، وقدرته على ابتداع الأساليب الجديدة والغريبة في الأداء، وقد بلغ اليسر والبحبوحة بفعل ذلك، فبدا تأنّقه، وكثرت نزواته، وزاد تبذيره، وتنوّع مزاجه، وطغى تدلّلـه بحيث بات يعرف بـ"فتى الفن المدلّل"، وقد استهلك حياته سريعاً، كما يقال، بسبب ذلك كلّه.

وكانت لعبد الحي رحلة فنيّة عامرة إلى بيروت ودمشق وإسطنبول في العام 1910.  ويروي سامي الشّوا في مذكّراته التّي نشرها فؤاد قصّاص (1966) أنّ الدّعوة إلى إسطنبول كانت من قبل أمينة إلهامي والدة الخديوي عبّاس، وبواسطة أحمد شوقي.  وقد تمنّع عبد الحي عن المشاركة في إحدى السهرات هناك بحجّة أنّه لا يغنّي في حضرة النّساء (على الرّغم ممّا هو معروف عنه من إعراض عن الغناء في حال غياب الوجوه الصّبيحة). وفي تلك السّهرة كانت المطربة التّركية المعروفة نصيب هي التّي بدأت الغناء، واختارت أن تطلق صوتها في طبقات عالية، وأجادت. كانت ردّة الفعل لدى عبد الحي أنّه اختار أن ينهي السّهرة على طريقته، حيث اصطحب شوقي والشّوا وبعض الأصحاب إلى مركب شراعي مستقرّ في البوسفور مقابل أحد القصور، وغنّى فيما غنّى هناك موّال قم في دجى اللّيل ترى بدر الجمال طالع كما لم يغنّه في حياته، وفق الشّوا، واستمرّت السّهرة إلى وقت لاحظ فيه شوقي، أنّ الأنوار قد أطفئت في القصر المقابل، فأشار إلى رفاقه بالقول: كفاية يا جماعة أفندينا عاوز ينام...

 

شخصية فنّية غريبة ومحبّبة

اتّسم الأداء الغنائي لعبد الحي بالميل إلى التّحرر من القواعد المعروفة، خصوصاً لجهة التّفلّت من الالتزام التّام بالتّركيبة اللحنيّة، والنّصّ أحياناً، ومن ذلك: 

  • إغفاله لأجزاء من اللّحن، وتوجيه جهده وتركيز اهتمامه على مقطعٍ ما يروق له، حيث يروح يعالجه، ويعيده، ويضفي عليه التّحليات، ويستمرّ يكرّره ويغنيه بالارتجالات والإضافات خصوصاً في المواويل (الفجر أهو لاح، يا حادي العين...)التي كانت خشبة النّجاة بالنسبة إليه من كل قيد فنّي، كما كانت السّبيل لبلوغ الإبداع والنّشوة الفنيّة، له ولجمهوره.

  • اتّكاله الواضح على التّخت المرافق له لجهة تحقيق مزاجيّته، إذ كان ذلك التّخت يعرف طبعه، ويتجاوب معه، ويحاول إضفاء الملامح الطّبيعيّة عليه، فكم من مرّة تركه يعزف ويعزف، وهو يؤجّل الغناء ويؤجّل، أو يُعرض عنه تماماً، خصوصاً إن لم يهتدِ في الحاضرين إلى وجوه صبيحة تُرضي نظره وتسرّ نفسه، ويمتدّ به ذلك إلى أن يغادر المكان، ويقيم حفلته في مكان آخر، ومن أبلغ ما قرأناه بخصوصه: إنّه كان ينادي اللّيل، ويستمرّ في ندائه، إلى أن يلتقي به، ويقبض عليه!

  • بالنسبة له، يعتبر المطرب أساس العمل الفنّي، وحلاوة الصّوت والانسجام العام مع روح اللّحن،هما بذلك الرّكيزتان الأُوليان.

  • خروجه في بعض الحالات على الوزن والإيقاع، حتّى في القصائد الموزونة الموقّعة والأدوار، بحكم ميله إلى التحرّر وإطلاق العنان لمفاجآته وخلجات نفسه، وكان لسان حاله يقول في ذلك: إنّني قادر على أن أُطرب من دون الالتزام التّام بالوزن، وللعبقري أن يخرج على الأصول أحياناً... إلّا أنّ ذلك عرّضه للانتقاد في زمانه، خصوصاً في ظلّ المنافسة المعروفة بين أهل الفنّ.

 

أثره وصدى فنّه

أول المتأثرين بفن عبد الحي حلمي، وتفاصيل حياته كاملة (خصوصاً لجهة البداية الموسرة الباذخة، والنهاية العاثرة المقفرة)، هو ابن شقيقته المطرب صالح خليل (1896-1962)، الّذي حمل كنيته بشكل رسمي، وعُرف في كلّ مكان وزمان باسم المطرب صالح عبد الحي. كما يحسب من ضمن المتأثّرين بفنه وطريقته في الغناء: المطرب زكي مراد (1880-1946) والد الفنّانة ليلى مراد (إلى جانب تأثّره أيضاً بالملحّن داود حسني 1870-1937).

وقد أحصى الباحث المصري حسين الدّجاني مئة واثني عشر تسجيلاً لعبد الحي حلمي من مخلتف الصّيغ الغنائيّة القديمة (قصيدة، موشّح، موّال، دور، طقطوقة...)، لدى الشّركات الّتي كانت معروفة آنذاك: زونوفون، غراموفون، أوديون، بيضافون...، أمّا في إحصاء الباحث المستشرق فريدريك لاغرانج فقد بلغت تسجيلاته حوالي مئتين.

 

بعض القصائد الّتي شدا بها

القصائد التي أنشدها بلغت حوالي ثلاثين، بعضها تم أداؤه بشكل موزون وموقّع، وبعضها بشكل مرسل وعلى طريقة المواويل. وهي جميعاً من الشّعر القديم، باستثناء واحدة حديثة إلى حدّ ما، وهي لصديقه أحمد شوقي.

معاني تلك القصائد تحسب أحياناً على المضمون الغزلي، وأحياناً أخرى على المضمون الوجداني والصّوفي. نذكر منها ، في نوعيها:

شكوت فقالت كلّ هذا تبرّماً بحبّي أراح الله قلبك من حبّي

وهي تنسب إلى أعرابي يشكو حبيبته، وهناك من يقول إنّها  للحسن بن زياد، وكان الحامولي قد غنّاها (مقام بياتي)، كما سجلها صالح عبد الحي لاحقاً.

يا ساقيّي أخمر في كؤوسكماأم في كؤوسكما همّ وتسهيدُ

وهي للمتنبّي (915-965)، من قصيدته المعروفة في هجاء كافور:

عيد بأيّة حال عدت يا عيدُبما مضى أم بأمر فيك تجديدُ

وهذه حالة نادرة من حالات غناء قصائد المتنبّي في مصر.

 

إلى محيّاك نور البدر يعتذرُوفي محبّتك العشاق قد عذروا

(مقام رست)، وهي لصفّي الدّين الحليّ.

 

أراك عصيّ الدّمع شيمتك الصّبرُأمّا للهوى نهي عليك ولا أمرُ

وهي لأبي فراس الحمداني (932-968)، كان الحامولي قد غنّاها (مقام بياتي)، وقد تكون من أكثر القصائد العربية مرافقة للمراحل الغنائيّة، ومن أكثرها عبوراً للحناجر.  ويرجّح أن تكون مرّت على ألسنة المغنّين والمغنيّات في عصور كثيرة سالفة، وكانت تُسبق أو تُختم باللازمة المصريّة التي سادت في عصر الطّرب: آه يانا ويش للعواذل عندنا...

وقد ارتبط بها عبد الحي حلمي كثيراً حين كان يعمل مع الحامولي، كما أن اختياره كان أوّل ما يقع على أسطوانتها كلّما اهتدى إلى آلة فونوغراف في مكان ما، وقد سجّلها بصوته مرّة ومرّتين وثلاثاً وأربعاً... ولدى أكثر من شركة أسطوانات، وفي إحدى تلك التّسجيلات مال إلى إنشادها بمقام الهُزام بديلاً عن مقام البياتي الذي عرفت به.

ولعبد الحي حلمي ميزته الخاصة في أدائه لـ " أراك عصيّ الدّمع"، خصوصاً حين يبدأها بـ أراك عصي... ويتوقّف، وبعد قليل يضيف مطمئنّاً: الدّمع. كما أنّه يتفنّن في إعادته لكلمة: نعم، عند:

نعم، أنا مشتاق وعندي لوعةولكنّ مثلي لا يذاع له سرّ

ولنا أن نتخيّل لو أنّ مطلع هذا البيت كان بصفته الأساس: بلى، أنا مشتاق...هل كانت بلى لتلبّي زخرفات مطربنا مثل نعم التّي يتلاعب بها متّكئاً على حرف الميم في نهايتها؟

ويحصي الموسيقى مصطفى سعيد منشدي القصيدة في مطالع القرن العشرين على الشّكل الآتي: يوسف المنيلاوي، عبد الحي حلمي، محمّد سليم، أبو العلا محمّد، زكي مراد، صالح عبد الحي، أمين حسنين، أم كلثوم، محمّد فريد، يوسف الرّشيدي... وقد وضع زكريّا أحمد لحناً جديداً لها في العام 1944، غنّته أم كلثوم ولم تسجّله.  كما أحبّ رياض السّنباطي أن يعود ويُصبغ عليها لحناً آخر تغنّت به المطربة وسجّلته في العام 1965، إلّا أنّ ذلك لم يلغِ صيغتها القديمة والرّاسخة والمعروفة.

 

عجبت لسعي الدّهر بيني وبينها فلمّا انتهى ما بيننا سكن الدّهرُ

وهي لأبي صخر الهُذلي، وكان الحامولي قد غنّاها (مقام بياتي)، كما عرفت لاحقاً بصوت كلّ من يوسف المنيلاوي ومنيرة المهديّة وزكي مراد وصالح عبد الحي... 

 

ته دلالاً فأنت أهل لذاكَوتحكّم فالحسن قد أعطاكَ

وهي لابن الفارض، عرفت لاحقاً بصوت الشّيخ علي محمود (مقام رست).

 

ألا في سبيل الله ما حلّ بي منكِ وصَبْرُك عنّي حين لا صبر لي عنكِ

وهي لابن أبي عينية (العصر العبّاسي)، وكان الحامولي قد غنّاها (مقام بياتي) ، كما عرفت لاحقاً بصوت كلّ من يوسف المنيلاوي وسيّد الصّفتي...

 

فتكات لحظك أم سيوف أبيكِوكؤوس خمر أم مراشف فيكِ

وهي لابن هانئ، وكان الحامولي قد غنّاها (مقام بياتي).

 

وقف الهوى بي حيث أنتِ فليس لي متأخَّر عنه ولا متقدَّمُ

(مقام بياتي)، وهي لأبي الشّيص.

 

لم يطل ليلي ولكن لم أنمْونفى عنّي الكرى طيفٌ ألمْ

وهي لبشّار بن برد، وكان الحامولي قد غنّاها (مقام بياتي).

 

عمري عليك تشوّقاً قضيّتهُوعزيز صبري في هواك أهنتهُ

(مقام رست) وهي لأحمد شوقي ، وقد سجّلها في العام 1908، وأتبعها بموّال: صبح الصّباح، على الأسطوانة نفسها.

 

أسرَتْ فؤاد المستهام عزيزةملكتْ قلوب العاشقتين بأسرها

ورد نص هذه القصيدة في كتاب الموسيقى الشّرقيّة والغناء العربي (1936) لقسطندي رزق، على أنّها لـ "آخر"، أي أنه اعتبر مؤلّفها مجهولاً، وكان الحامولي قدغنّاها (مقام بياتي)...

 

من المفترض أن تلك القصائد تمّ إنشادها في عهود سابقة، وكان من الشّائع أن يغنّي القصيدة الواحدة، أو الأغنية الواحدة، أكثر من مطرب أو مطربة، إذ كان الصّوت هو الأساس في الفن كما مرّ، بحيث أنّ اسم كلّ من الناظم والملحّن كان يضيع، إلاّ في بعض حالات الموشّحات، وفي الأدوار بمعظمها (دور الله يصون دولة حسنك على الدّوام من الزّوال، دور كنت فين والحبّ فين، دور قدّك أمير الأغصان، دور قدّ ما حبّك زعلان منك...)

 

إلى محيّاك نور البدر يعتذر

نص القصيدة كما وردت في كتاب مجموعة الأغاني الشّرقيّة لنجيب زيدان – تاريخ الكتاب غير معروف (مع إشارة بأنّها أُخذت عن الأسطوانة التي سجّلها عبد الحيلدى شركة غراموفون في العام 1908، ويستبعد كثيرون أن يكون أحد غيره قد سجّلها):

إلى محيّاك نـور البـدر يـعـتذرُوفي محبّتك العشاق قد عذروا

وجنّة الحسن فـي خديك طالـعةونار هجرك لا تُبقي ولا تذرُ

يا من يهـزّ دلالاً غــصن قامـتـهالغصن هذا فأين الظلّ والثّمرُ

خاطرت فيك بغالي النّفس أبذلهاإن النّفيس عليه يسهل الخطرُ

لما رأيت سواد الشَّعر منك بدا خضت الظّلام ولكن غرّني القمرُ

صدْر البيت الأول اعتُبر عنواناً للقصيدة وفق الكتاب المذكور، كما تمّ اعتماده بهذا الشّكل في كتاب فهرس الموسيقى والغناء العربي القديمين المسجّلين على أسطوانات، الصّادر عن دار الكتب والوثائق في مصر (1998).

 

صفيّ الدّين الحلّي

القصيدة هي لصفيّ الدّين الحليّ (1277-1339)، مع أن البعض يعيدها إلى محمّد الكنجي (1791-1866)، وقد يكون سبب هذا "الإشكال" أنّ لهذا الأخير قصيدة يقول في مطلعها:

يا رافلاً في رداء الحسن يفتخرُإلى محيّاك نور البدر يعتذرُ

ومن قصائد صفي الدّين، لحّن محمد عبد الوهّاب، وسجّل في العام 1944 قصيدة قالت، التي جاء في مطلعها:

قالت كحّلتَ الجفون بالوسنِقلتُ ارتقاباً لطيفك الحسنِ

ولحّن زكريّا أحمد لفائزة أحمد:

شكوتُ إليكِ الجوى                    فلم تُسعفي بالدّوا

فمذ طال عمر النّوى                   جعلت إليكِ الهوى

شفيعًا، فلم تُشفعي

ولحّن محمود صبح وغنّى:

لو صرتُ من سقمي شبيه سواكِ     ما اخترتُ من دون الأنام سواكِ

كما لحّن توفيق الباشا لاحقاً، قصيدة بصيغة موشّح:

عين حبّي أعيذها باللهما أوقعني في عشرتها إلّا هي

وهناك من ينسب إلى صفي الدّين الحلّي قصيدة مثل الغزال، التي غنّاها أبو العلا محمّد (1884 – 1927)، وسجّلتها أم كلثوم بلحنه في العام 1926، كما يأتي:

مثل الغزال نظرةً ولـفتةًمن ذا رآهـا مـرّة ولا افـتتـن

أحسن خلق الله خلقاً وفماًإن لم تكن أحق بالحسن فمن

في ثغرها وخدّها وشكلها الماء والخضرة والشّكل الحسن

وهذا النص مبني على نصّ للشّاعر الشّاب الظّريف (1263 – 1289)، الذي قال:

حـكى الغـزال مقــلةً ولـفـتةًمن ذا رآه مـقبلاً ولا افتـتــن

أحسن كلّ الناس وجهاً وفماًإن لم يكن أحقّ بالحسن فمن

في جسمه وصدغه وشكلهالماء  والخضرة والشّكل الحسن

وقد لفتت صناعة التجنيس اللفظي هنا، القاضي علاء الدين بن الأثير، كاتب سر السّلطان النّاصر قلاون، ففعل، وممّا جاء في قصيدته:

كم قد أفضنا من دموعٍ ودماًعلى رسـومٍ للدّيار ودمـن

شربت فيها لذة العيش حَسًاوما رأيت بعدها مرأى حسن...

من هنا الظّن بأنّه هو صاحب مثل الغزال.

 

قصيدةٌ في شكلين

في ديوان الحلّي الصّادر عن دار صادر في بيروت، وردت القصيدة تحت عنوان: اعتذار البدر، وضمّت ستة أبيات:

إلى محيّاك ضوء البـدر يعـتذرُوفي محبّتك العشّاق قد عذروا

وجنّة الحسن في خـديّك موثـقةونار حبّك لا تُـبـقـي ولا تــذرُ

يا من يـهـزّ دلالاً غصـن قامـتهالغصن هذا فأين الظلّ والـثّمـرُ

ما كنت أحسب أنّ الوصل ممتنعٌوأنّ وعـدك بـرق ما به مـطـرُ

خاطرت فيك بغالي النّفس أبذلهاإنّ الخطير عليه يسهل الخطرُ

لمّا رأيت ظلامَ اللّيل منـك بـداخضت الظّلام ولكن غرّني القمرُ

وقد استثنى المطرب منها البيت الرّابع.

والقصيدة مبنية على وزن البحر البسيط، وقد أنشدها عبد الحي بمقام الرّست، وبشكل مرسل، باستثناء اللّازمة الموسيقيّة - الافتتاحيّة (الدّولاب) التّي أتت موقّعة، والتي مهّدت للغناء.

رافق عبد الحي في أدائه كلّ من سامي الشّوا على الكمانجة، ومحمّد العقّاد على القانون، وهما الصّاحبان الطّبيعيّان لمطربي ذلك الزّمان ومطرباته، إلى جانب نخبة من العازفين.

بدت على المطرب في أدائه لهذه القصيدة حالة انسجام كلّي وخشوع لافت، وحالة تأمّليّة ووجدانّية خالصة، وقد شاركه القانون في ذلك، إذ أمضى فترة المرافقة في دندنات عميقة هادئة موصولة، على غير عادته في مرافقات أخرى يكون فيها مرافقاً مشاركاً مترجماً لا يهدأ ولا يترك للمطرب أن يجد نفسه في انتظار جملة موسيقيّة تأخرّت، أو تقسيمة لحنيّة تباطأ أداؤها.  والكمانجة هي الأخرى كان أداؤها مختصراً متهيّباً، باستثناء ما أعلنته في البداية من استهلال لا بدّ منه، وفي الختام من تقاسيم جميلة أعقبت اللّيالي التّي منّ بها المطرب، ثمّ أقفل القانون المجلس بعد ذلك، بنقرة واحدة صارمة، ساد بعدها الصّمت، وكانت النّهاية.

 

الطّرب أوّلاً والأصول ثانياً

لم يكتفِ عبد الحي حلمي بأن يغنّي قصيدته بشكل مرسل ومن دون إيقاع (مع أنّ الإيقاع في الغناء القديم كان ضروريّاً لتسمية القصيدة قصيدة، ولم يكن يكفي أن تكون منظومة باللّغة الفصحى لكي تسمّى كذلك)، إنّما انطلق يؤدّي الألفاظ كما يحلو لحنجرته، ويفرض على الحروف الانسجام اللّفظي الّذي يريحه، حتّى ولو أدّى به ذلك إلى طرح الحركات الإعرابية جانباً، وقد وافقه الحاضرون في ما فعل، ولسان حالهم يعلن: السّامعون يقولون أُطربنا!

صحيح أنّ الأداء تمّ في الأستوديو، أي لم يكن فوق مسرح، أو في حفلة عامرة، إنّما كان الحاضرون هؤلاء، على قلتهم قد حضروا للاستماع المبكّر، وقطاف البراعم الأولى من الأغنية الوليدة قبيل غيرهم، بدليل أنّ واحداً منهم، وقد استبدّ به الطّرب، والتأثّر، والانكسار، عند سماعه ونار هجرك لا تبقي ولا تذرُ، يصرخ متنهّداً صاغراً: يا غُلبي!

لم ينبرِ واحد من هؤلاء ليشير، مرّة واحدة، إلى المطرب المحلّق بأن يصوّب الإعراب في بعض المواقف، فلقد كانت السّلطنة النّغمية هي العليا، وكان على اللّغة أن تطيع المقام الموسيقي، وللمقام مقاله هنا، وقوله.

بدأ عبد الحي مهرجانه الخيالي بالقول: إلى محيّاك نور البدر يعتذرُ... بأن نصب كلمة نور بدلاً من أن يرفعها (وهي فاعل يعتذر)، وقد وجد أنّ الفتحة هي الأقرب لفظاً إلى الألف واللّام اللّذين يليانها، فانساب في إنشادها كما طاب له وحلا، ولو أنّ أحداً قال له: بل نقول نورُ، لغضب بالتّأكيد، وترك القاعة بعازفيها ومهندسي آلاتها وضيوفها، ومضى إلى غاية أخرى في مكان آخر كعادته في المواضع المشابهة. وأنا أتذكّر هنا ما حُكي عن قصيدة علي طه: الجندول التي سجّلها عبد الوهّاب في الأستوديو (في أربعينيات القرن الماضي)، بحضور بعض أصحابه من أهل الفن والأدب، والتي قال فيها: 

غير يوم لم يعد يذكر غيرهيوم أن قابلتَه أوّل مرّة 

فانتفض طه حسين (وكان بين الحاضرين) مصوّباً: قابلتُه... فتجاوب عبد الوهاب في الحال وهو يكرر البيت : يوم أن قابلتُه أوّل مرّة...

ولا بدّ من أن نذكر هنا أنّ اللغّويين يميلون إلى ضوء البدر، أكثر من ميلهم إلى نور البدر، وفي اعتبارهم أنّ النّور يُحسب على الشّمس، فيما البدر متلقّ لهذا النّور، وما يصدر عنه هو الضّوء ليس إلّا، لكنّ عبد الحي استبعد حرف الضّاد، واختار الحرف الأرقّ: النّون

وعند: وفي محّبتك العشّاق، يختار أن يلفظ العشّاق كما يأتي:إ ِلعشّاق، ويتابع ملبّياً هواه في القصيدة، بأن يستبدل طالعة في البيت الثاني بـ موثقة، ويمضي ليستبدل هجرك بـ حبّك في البيت نفسه، ويتحدّى الإعراب في: يا من يهزّ دلالاً غصنَ قامتهِ، بأن ينشدها كما يأتي:

يا من يهزّ دلالَ الغصنِ قامتُه الغصن هذا فأين الظلّ والثّمرُ

وفي البيت ما قبل الأخير يستبدل النّفيس بـ الخطير. أمّا في البيت الأخير، فيطيل التّدلّل والمناجاة مع حرف الميم في لمّا رأيت...وقد ذكّرتنا فتحيّة أحمد بذلك لاحقاً في قصيدة إبراهيم ميرزا وأبي العلا:

كم بعثنا مع النّسيم سلاماًللحبيب الجميل حيث أقامَ

كما ذكّرتنا به أيضاً أم كلثوم في قصيدة الأطلال لإبراهيم ناجي ورياض السّنباطي، عند كلمة: كم، في البيت القائل:

هل رأى الحبّ سكارى مثلنا كم بنينا من خيال حولنا

 

ويستبعد عبد الحيّ كلمة ظلام الشَّعر، ويضع مكانها سواد الشَّعر، متجنّباً المبالغة في كلمة ظلام، ومكتفياً بـ سواد، فالظّلام شامل مطلق، بينما السّواد فرع من فروعه، وأخفّ طغياناً منه. وقد تكون كلمة الظّلام أتت مرفوعة بدلاً من أن تأتي منصوبة، بعد أن سكّنها وأرفقها بواو العطف، فظهرت وكأنّ عليها إشارة الضّمّة.

 

إنّما في ذلك كلّه، أتى الطّرب سليماً موفوراً طاغياً، وكانت الطّير على رؤوس الجميع في قاعة التّسجيل آنذاك، واستمرّت على رؤوسنا، نحن أجيال المنصتين منذ 1908 حتّى الآن.

 

.