خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

يوسف المنيلاوي مطرب النهضة العربية"، رصيد ضخم يرى النور

. اصدارات موسيقية

عناية جابر

يحاول كتاب: «يوسف المنيلاوي مطرب النهضة العربية، عصره وفنّه"، الصادر عن دار الساقي، كتابة فريدريك لاغرانج ومحسن صوَّه ومصطفى سعيد، التعريف بالشيخ يوسف خفاجة المنيلاوي، هذا الفنان العظيم المنسي من فناني النهضة، وبسيرته الشخصية والفنية، وإنارة جوانب من عصره، والمدرسة الفنية التي اندرجت فيها تجربته وعُدّ بحق أحد ممثليها البارزين، وتقصّي خصائص فنه وملامح مذهبه الجمالي.

معدّو كتاب «يوسف المنيلاوي» لم يتخطوا حد المحاولة كما هو شأن أي عمل فكري أو أدبي أو ثقافي يدعي لنفسه قدراً من الجد، وأول شروط الجد التواضع العلمي، ناهيك أنهم حين إقدموا على هذا العمل وتصدوا له، التزموا بحدود وعوائق ذاتية وموضوعية.

ويكتب فريدريك لاغرانج ومحسن صوّه ومصطفى سعيد، أن من العوائق الذاتية والموضوعية التي ارتهنوا لها: حدود إمكاناتهم ومعارفهم، فهي معارف وإمكانات متفاوتة فيما بينهم، لم يؤتوا منها مقادير متساوية. ومن العوائق أيضا عدم تمكنهم رغم الجهد الجبار المبذول، من الحصول على جميع أسطوانات المنيلاوي التي سجلها لشركة «سمع الملوك»، فضلاً عن أن بعض الأسطوانات التي حصلوا عليها، لم تكن في حالة جيدة.

هي حالة شبه عذرية تلك التي يوجد عليها هذا الحقل من حقول البحث، وبالتالي عدم استحكام مناهج البحث فيه إن لم نقل عدم وجود تلك المناهج أصلاً وعدم استقرار الجهاز المصطلحي والمفهومي، وفوق كل ذلك قلة الدراسات التطبيقية الجادة لأعمال الغناء العربي عامة، وأعمال مدرسة النهضة بوجه الخصوص، مما كان يمكن استلهام مناهجه ومفاهيمه والاستعانة بمصطلحاته وأسلوب التناول فيه.

 

مكتبة دراسات موسيقية

غاية كتّاب هذا البحث القيّم، أن تصير لدينا مكتبة عربية متخصصة في النقد الفني والدراسات الموسيقية الموجهة للجمهور الواسع من المثقفين عدا الباحثين والدارسين، خصوصاً أنه يأتي في الذكرى المائوية لوفاة المنيلاوي، وهم إذ يحتفلون بهذا العمل، يرجون أن تتلوه أعمال أخرى كثيرة، وأن يكون فاتحة حياة جديدة لتراثنا الموسيقي.

ومؤسسة التوثيق والبحث الصادر عنها الكتاب، وهي المعنية بالموسيقى العربية، اعتزمت نشر عينات من رصيدنا التراثي الغزير ووضعه بين يدي المستمع العربي، نشراً علمياً أو على الأقل ثقافيا لا تجارياً، مع ما تتسم به التجارة في الكثير من الأحيان من بؤس في بلادنا.

يشير الكتاب إلى أن الرصيدين الموسيقيين الأوروبي والعثماني لا يزالان حيّين يرزقان يتداول الناس موادهما مطبوعة على الأقراص المضغوطة ويتعهدها الموسيقيون بالعزف والأداء، والباحثون بالدراسة والتمحيص رغم كثرة الأنماط الموسيقية الجديدة وبينها ما هو تقني وما هو معدني وما هو الكتروني، وقد حفظ بفضل الطباعة، ثم الوسائط الرقمية الحاسوبية والشبكية، غير أن رصيدنا الموسيقي والغنائي المسجل في أوائل القرن العشرين قد انفرد بمآل لا نظير له في تاريخ الشعوب الحديث ولا شبيه له في التاريخ العربي سوى المصير الذي آلت إليه آلاف الكتب التي أحرقت إثر كل انقلاب من الانقلابات السياسية والعقائدية المختلفة التي حفل بها التاريخ العربي الإسلامي.

نتاجنا الموسيقي المسجل قد بات مهدداً بدوره، وهي كارثة جعل من الوعي الحاد بحجمها، دافعاً لإنشاء مؤسسة متخصصة تعنى بجمع مواد الموسيقى العربية المتقنة القديمة المسجلة على مختلف الوسائط، لاسيما الأسطوانة وحفظها وترقيمها (نقلها إلى وسائط رقمية) وتبويبها ودراستها وتعميمها لانتشالها من الضياع.

 

موسيقى النهضة

أسباب اختيار مادة العمل الحالي هي تقديم عينة من «موسيقى النهضة» المصرية لما لتلك الموسيقى من قيمة كمية ونوعية، منها ما ينحصر في نتاج المنيلاوي المسجل على أسطوانات بين شركتين اثنتين، شركة سمع الملوك، وشركة غرامافون، والاكتفاء ببعض العينات الجيدة.  والكتاب مقسّم إلى قسمين، خصص أولهما للتعريف بعصر المنيلاوي الذي هو عصر النهضة وبالموسيقى التي طبعته وخصائصها وظروف تطورها وملابسات إنتاجها واستهلاكها، وبالمنيلاوي نفسه وسيرته الشخصية والفنية. أما القسم الثاني ففيه تقصٍ لمعالم فنه وسمات من مذهبه الجمالي، مع استعراض لتلك المعالم والسمات فحصاً وتحليلاً.

راعى الكتاب اختيارات جعلها ممثلة لأهم القوالب من دور وقصيدة وموال، كما أورد الكتّاب في آخر الكتاب كشفاً بأسطوانات المنيلاوي إلى النصوص الكاملة لكلمات القطع المنشورة ضمن هذه الأقراص.

ويرى رئيس مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية كمال كريم قصّار في مقدمته القيمة أن إخراج ذلك الرصيد الضخم للمنيلاوي من دائرة الظل التي زج به فيها بدعوى كونه رصيداً قديماً متحفياً ميتاً عفا عنه الزمن وولى عهده، ليتبوأ مكانته في دائرة الضوء بصفته رصيداً كلاسيكيا أصيلا قابلا للإحياء سواء عن طريق أدائه بصورة تحترم جمالياته الخاصة، أم باعتباره مرجعاً أساسياً لا غنى عنه لمن لا يريد من المنتجين والمستهلكين معاً الاكتفاء بلون «موسيقي» واحد منسوخ بل ممسوخ مسخاً من بعض أشكال الموسيقى الترفيهية الغربية التي هي أكثر أشكال الموسيقى ابتذالاً حتى بين أهلها، ملفّعة بدعاوى الجدة والحداثة والخفة والسرعة والعالمية.

 

الكتّاب بلمحة موجزة:

     ـ فريدريك لاغرانج: باحث وأستاذ جامعي فرنسي، متخصص في مجال الموسيقى المصرية في عصر النهضة، يعمل أستاذاً مساعداً للأدب العربي في جامعة باريس ـ السوربون، وله العديد من الأبحاث في الأدب القديم والمعاصر وعدة ترجمات منشورة

     ـ  محسن صوّه، تونسي حصل على شهادات عليا في الترجمة واللغة والآداب العربية، واشترك سنة 2005 في تأسيس منتدى «زمان الوصل للموسيقى الكلاسيكية الشرقية"، وهو لا يزال يشرف على إدارته إلى اليوم.

     ـ  مصطفى سعيد، موسيقي وباحث في علم الموسيقى، مصري شغل عدة مناصب للتدريس. أسس مجموعة «أصيل» سنة 2003، صدرت له عدة أعمال موسيقية وشارك في العديد من المؤتمرات والحفلات والمهرجانات محلياً ودولياً كما وضع موسيقى عدد من المسرحيات والأفلام والبرامج، وهو مدير مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية. هذه الخبرات عملت بشغف في الكتاب الماثل بين أيدينا على الإضاءة على عالم الشيخ يوسف المنيلاوي كفاتحة لأعمال لاحقة، ومن كونه عَلَماً ذا مكانة بين أهل عصره ودقائق سيرته الفنية، بل عَلَم موسيقى النهضة المصرية بامتياز.

المصدر : جريدة الحياة