خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

محمد القصبجي .. الموسيقي العاشق لرتيبة الحفني

. اصدارات موسيقية

في السادس عشر من شهر أيلول سبتمبر 2013 غيب الموت د. رتيبة الحفني رئيس المجمع العربي للموسيقى وهي بلا شك اسم كبير في عالم الغناء الأوبرالي على المستوى الدولي واسم لامع في سماء الموسيقى العربية من خلال مسؤولياتها ومبادراتها المختلفة التي تحمل في ثناياها التنامي والاستدامة وعلى رأس هذه المبادرات مؤتمر ومهرجان الموسيقى العربية في دار الأوبرا المصرية.   ورتيبة الحفني شخصية إعلامية مرموقة في تقديم الموسيقى وتبسيطها للمستمعين والمشاهدين من كافة الأعمار.  ولهذه السيدة الجليلة رحمها الله مؤلفات عديدة منها الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته.  إلى جنات الخلد أيتها الأخت الفاضلة.

المحرر

 

لا تخطئ عيون الذين يشاهدون تسجيلات مصورة لمعظم أغنيات أم كلثوم ذلك العازف الجالس خلفها مباشرة قابضاً على عوده في حالة وجد وتوحد مع المطربة واللحن والاغنية.  إنه محمد القصبجي الذي أرادت أستاذة علوم الموسيقى رتيبة الحفني أن ترد له جميلا فألفت كتابا تؤرخ فيه لحياته ودوره في تطور الموسيقى العربية الحديثة واصفة اياه بأنه "ظاهرة موسيقية وحيدة" وانتقل الغناء بفضله من الطرب الخالص الى الطرب المعبر منذ لقائه بأم كلثوم في عشرينيات القرن الماضي.

وتقول المؤلفة ان كتابها "محمد القصبجي.. الموسيقي العاشق" يأتي وفاء "لاستاذي الفنان الكبير" الذي تلقت على يديه وهي طفلة مبادئ العزف على الة العود مشيرة الى أن تراثه الموسيقي "مازال حتى يومنا هذا يلعب دورا هاما في تشكيل ثقافتنا الموسيقية العربية" ورغم ذلك لم يأخذ حقه من الاهتمام في حياته أو بعد رحيله.

ترجع رتيبة الحفني ما تراه تجاهلاً للقصبجي (1892 – 1966) إلى أسباب منها شخصيته اذ لم يكن اجتماعياً بل كان يميل إلى العزلة إضافة الى عدم تمتعه بصوت جميل مثل زملائه الذين مارسوا الغناء إلى جانب التلحين فزادت شهرتهم كمطربين أيضا ومنهم سيد درويش (1892 – 1923) وزكريا أحمد (1896 - 1961) ورياض السنباطي (1906 – 1981).

وصدر الكتاب في القاهرة عن دار الشروق ويقع في 200 صفحة كبيرة القطع ومؤلفته هي ابنة رائد التربية الموسيقية في مصر الدكتور محمود أحمد الحفني (1898 – 1975) الذي سافر الى برلين عام 1920 لدراسة الطب فجذبته العلوم الموسيقية وتفرغ لها وحصل عام 1930 على درجة الدكتوراه عن بحث بعنوان "إبن سينا وتصانيفه الموسيقية".  ثم ألف كتبا منها "اسحق الموصلي" و"الموسيقى العربية وأعلامها من الجاهلية الى الاندلس" و"سيد درويش.. حياته واثار عبقريته" فضلا عن ترجمته كتاب "أشهر الاوبرات العالمية" لهنري سيمون وأبراهام فينوس.

وتقول المؤلفة إن في أعمال القصبجي صياغات موسيقية "لا أجد مثلها في أعمال غيره من الملحنين .. فيها أصالة وثراء لحنيين وتلويناً موسيقياً.  فمحمد القصبجي يعتبر بحق مدرسة موسيقية جديدة سابقة لعصرها" مشيرة الى أنه رغم غيرته على الموسيقى الشرقية العربية وعلمه بنظريات الموسيقى تأثر بألوان الموسيقى الغربية.  لكنها توضح أن ألحان القصبجي خاصة في أغنياته الأولى لأم كلثوم وبعض أغنيات أسمهان لم تكن اقتباسا من الموسيقى الغربية "كما فعل غيره من الملحنين وانما استعان فقط بنظرياتها وتقنياتها التي بنى عليها الكثير من الجمل الموسيقية في أغانيه".  وتتوقف أمام ميلاد لحن أغنية "الطيور" التي لحنها لاسمهان قائلة ان المكتبة الموسيقية لوالدتها وهي ألمانية الاصل كانت تضم مقطوعة عنوانها "غابات فيينا" من تأليف الموسيقي النمساوي يوهان شتراوس وغناء السوبرانو النمساوية كوليراتورا التي تقدم في نهايته استعرضا صوتيا تقلد فيه تغريد الطيور "بالاهات بينما تبادلها في الاداء آلة الفلوت" وأعجب القصبجي بالموسيقى والاداء.  وتضيف أن القصبجي بعد أن سمع المقطوعة أكثر من مرة تناول العود وعزف لحنا "مصريا أصيلا... كانت هذه الليلة مولد أغنية الطيور التي تعد من روائع ما لحن القصبجي على الاطلاق... مدخلاً تعدد الاصوات والتوزيع الموسيقي مراعياً عدم خروج اللحن عن هوية موسيقانا العربية."

وتقول الحفني إن كثيراً من الملحنين تأثروا بألحان القصبجي بداية من محمد عبد الوهاب (1901 – 1991) الذي تعلم العزف وأسرار الموسيقى على يديه مرورا بالسنباطي "في ألحانه الاولى" وصولا إلى محمد الموجي (1923 – 1995) الذي لحن نشيد الجلاء لأم كلثوم عام 1954 ووصفه عبد الوهاب بأنه "لحن قصبجي طراز 1954".


وتعتبر رتيبة الحفني لقاء القصبجي وأم كلثوم بداية التجديد في الغناء العربي إذ كان قبل ذلك عازفاً ماهراً على الة العود ومع "ظهور هذا الصوت الفريد تغير مسار القصبجي الفني حيث تفرغ له فأجاد وأبدع".  وتقول إن والده علي ابراهيم القصبجي كان منشداً دينياً وقارئاً للقرآن وعازفا على العود ويجيد التدوين الموسيقي كما لحن بعض الاغنيات لمطربين منهم عبده الحامولي (1841 – 1901) وصالح عبد الحي (1896 – 1962) ويوسف المنيلاوي (1850 – 1911) لكنه أراد إبعاد إبنه محمد عن عالم الموسيقى فاختار له تعليماً دينياً ثم التحق بمدرسة المعلمين وتأكد لأبيه أن الموسيقى اختياره وأنه يلقى استحساناً على أدائه فشجعه وأهداه عوداً وعلمه أصول التلحين عزفا وكتابة.

وتضيف الحفني أن والد مجمد القصبجي عارض تفرغه للفن وسعى لان يعمل مدرسا لكن القصبجي ادعى خلال الكشف الطبي أنه لا يرى بوضوح فرسب واستبعد.  وعلم أبوه بحيلته فاتفق مع المسؤولين على اعادة الكشف الطبي وفشلت حيلته في ادعاء ضعف البصر وعهد إليه عام 1915 بتدريس اللغة العربية والحساب والجغرافيا والتاريخ.  ووجد صيغة توفيقية فكان في الصباح مدرساً يرتدي الجبة والقفطان ويستبدل بهما البدلة والطربوش ليلاً ليتفرغ لحياته الفنية حتى استقال عام 1917 وتفرغ للموسيقى.