خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

النص الغنائي في المغرب بين بناء الدولة وتمجيد السلطة للدكتور محمد شقير

. اصدارات موسيقية

 

مراجعة د. سعاد أنقار

النص الغنائي في المغرب بين بناء الدولة وتمجيد السلطة كتاب قيّم صادر عن إفريقيا الشرق سنة 2012.  يضاف هذا الكتاب إلى قائمة المؤلفات ذات الصلة بالموسيقى المغربية باختلاف أنواعها وقوالبها. وإذ يركز المؤلِّف الدكتور محمد شقير على نوع موسيقي بعينه هو الأغنية الوطنية فإنه يتناولها بالدرس والتحليل من وجهتي اللحن الموسيقي والنص الشعري.وكما يتبين من عنوان الكتاب فإن النصيب الأوفر من جهد المؤلف يتوجه إلى "النص الشعري" للأغنية الوطنية المغربية كما يتبدى من خلال بعض التحليلات البلاغية للنصوص الشعرية ومن خلال النصوص الغنائية المتنوعة التي أوردها الكاتب في مؤلفه.ويمكن القول إن موضوعات الشق الثاني سبق أن عالجتها كتب مؤلفين مغاربة آخرين،  أخص  بالذكر كتاب "الأناشيد الوطنية المغربية ودروها في حركة التحرير" لعبد العزيز ابن عبد الجليل الذي خصص قسما مهما منه للتدوين الموسيقي لعدد من النصوص الوطنية الغنائية التي راجت خلال فترة الاحتلال الأجنبي لبلادنا والتي مازال الكثير منها خالدا إلى يومنا هذا.

ينقسم الكتاب إلى قسمين، كل قسم منهما يضم ثلاثة فصول. يقدم القسم الأول المعنون بـ"النص الغنائي وبناء الدولة في المغرب" الظروف المتعلقة بالأغنية الوطنية خلال عهد الحماية وفترة مُلك محمد الخامس. فمن خلال فصل يحمل عنوان "النص الغنائي وتبلور الشعور الوطني" قدم الكاتب نصوصا غنائية ضُمنت في قوالب من قبيل العيطة، والملحونكان لها دور واضح في الإشادة بالمقاومة المسلحةومواجهة الاستعمارين الفرنسي والإسباني،  مثلما كان لها دور في التغني بالحركة الوطنية المدافعة عن الوطن، والمجسِّدة للتلاحم بين مختلف مناطقه.  بعد ذلك انتقل المؤلف محمد شقير إلى مرحلة حكم  الملك الراحل الحسن الثاني ليسرد  في فصل معنون بـ "النص الغنائي وترسيخ مقومات الدولة" قصص وظروف تأليف عدد من الأغاني، كان من أهمها ظروف نظم كلمات النشيد الوطني المغربي، وأغاني أخرى ترمي إلى ترسيخ مؤسسات الدولة من خلال التغني بالمؤسستين الملكية والعسكرية، ومن خلال الولاء الشخصي للملك، ثم الولاء السياسي للوطن. أما في الفصل الأخير من هذا القسم "النص الغنائي وتقوية الروح الوطنية" فقد عرض فيه الكاتب لائحة من الأغاني التي عُدت بمثابة آليات للتعبئة الجماهيرية. وفي الأخير ندد المؤلف بتراجع الأغنية الوطنية في عصرنا الحالي رغم محاولات بعض الفنانين التغني بحب الوطن وجماله من خلال فرق حديثة ظهرت في الساحة الفنية أخيرا.

وانتقل الكاتب في القسم الثاني من الكتاب المعنون بـ"النص الغنائي وتكريس السلطة في المغرب" إلى الحديث عن دور الأغنية الوطنية في بناء مؤسسات الدولة من خلال فصل أول معنون بـ "النص الغنائي وتمجيد السلطة" خاصة في عهد الحسن الثاني الذي أولاها اهتماما كبيرا بوصفها أداة للدعاية السياسة من خلال المنجزات والمشاريع الكبرى التي تحـققت في عهده. وتطرق الفصل الثاني "النص الغنائي ومعارضة السلطة" إلى الصعوبات التي واجهت المعارضة في التعبير من خلال احتكار السلطة لوسائل الاتصال العمومي، وعَرض الفصلُ بعض الأناشيد النضالية التي تغنى بها بعض الفنانين المحسوبين على المعارضة اليسارية والأصولية. أما الفصل الثالث "النص الغنائي بين الاحتجاج والاحتواء" فقد تحدث فيه المولف عن  الأغنية الغيوانية بوصفها تعبيرا احتجاجيا عن مظاهر الظلم والتسلط، حيث لاقت أغاني مجموعة ناس الغيوان من خلال موضوعات أغانيها رواجا وقبولا من قِبل الأوساط الشعبية. كما تطرق فيه إلى أغنية الراپـ  بوصفها إبداعا حديثا يختلف شكلا عن الأغاني القديمة، ويعبر عن روح التمرد الذي يستشعره شباب الأحياء الشعبية. كما أنها تُسخَّـر لتشجيع الشباب على المشاركة في الحياة السياسية. وقد برزت في هذا السياق مجموعات مثل كازاكرو، والفناير، وهوبا وغيرها. وينهي الكاتب هذا الفصل بالحديث عن المهرجانات الموسيقية والسهرات الفنية والحفلات التي وُظفت أداة للتخفيف من مظاهر الاحتقان والاحتجاج. وقد كثُرت تلك المهرجانات منذ سبعينيات القرن العشرين وعُممت في كثير من المدن المغربية، وعرف بعضها صيتا وإقبالا جماهيريا واسعا، حتى أصبحت أداة سياسية وثقافية أحيطت بكل أنواع الدعم المالي والأمني والإعلامي.

وإزاء تركيز الكاتب على الكلمة في الأغنية بوصفها أداة تُرسل خطابات ورسائل تُوظَّف للاحتجاج والاحتواء معا، فإننا نتساءل عن طبيعة الموسيقى الآلية في تلك الأغاني. أي الموسيقى المجردة من الكلمات. وفي هذا السياق يمكن القول إنها لغة غير مباشرة يصعب التغلغل في مضامينها، ومع ذلك كان منتظرا من المؤلف إعطاؤها التحليل الموسيقي الذي تستحقه.  والمعروف أن موسيقيين غربيين سبق لهم أن عبروا عن آرائهم في حكام وفي ثورات عديدة عن طريق الموسيقى الآلية غير المصاحبة بالكلمة. مثال ذلك السمفونية الثالثة المعنونة بـ"البطولة" للودفيغ فان بيتهوفن التي أهداها في أول الأمر إلى نابوليون بونابارت إعجابا ببطولاته في الحروب الفرنسية وثوراتها، آملا أن يضع نابليون أسس المساواة بين شعوب العالم. لكن بيتهوفن عاد ومزق إهداءه بعدما علم بتنصيب نابليون نفسه إمبراطورا على الفرنسيين. نتيجة لذلك نجد أنفسنا إزاء سؤال منهجي جديد: كيف نستطيع أن نحلل الخطاب الموسيقي الصرف للأغنية المغربية؟  وهل توجد مقطوعات موسيقية مغربية غير مصاحبة بالكلمات تندرج في الإطارين الوطني والسياسي؟

تتبادر إلى ذهني مقطوعات "تحية العرش" لعبد القادر الراشدي، و"فرحة الشعب" لأحمد الشجعي، و"رقصة بلادي" للجيلالي بلمهدي. وكلها مقطوعات يتجلى من خلال عناوينها التغني بأحاسيس وطنية.  ونستطيع أن نسترسل في تعداد بعض من المقطوعات الموسيقية غير المصاحبة بالكلمة لنتلمس فيها ملامح وطنية عديدة. لكن الأمر في مجال التحليل الموسيقي ليس بالهين. لذا لا مناص من القول إن الأمر يحتاج إلى بحث وتنقيب عميقين.

كانت تلك بعض التساؤلات والأفكار التي وردت في خاطري وأنا بصدد قراءة كتاب "النص الغنائي في المغرب بين بناء الدولة وتمجيد السلطة".  وأرى أن أهمية هذا المؤلَّف تضاف إلى جهود كتاب مغاربة آخرين أدلوا بدلوهم في هذا الموضوع، أعني مثلا سلسلة المقالات التي نشرت في جريدة الشمال بعنوان "دور الأناشيد المغربية في الإشعاع الفكري النضالي" لمحمد الحبيب الخراز، وسلسلة أخرى في نفس الجريدة كتبها المرحوم عبد الصمد العشاب بـعنوان "قراءة في الأناشيد الوطنية: عرض وتحليل".  إضافة إلى كثير من الدراسات والمقالات المتميزة التي وردت ضمن قائمة مراجع كتاب "النص الغنائي بالمغرب بين بناء الدولة وتمجيد السلطة".