خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

قراءة في كتاب "آلة العود العربي بين دقة العلم وأسرار الفن

. اصدارات موسيقية

 

 

قراءة في كتاب "آلة العود العربي بين دقة العلم وأسرار الفن                                                                              

 تتمة                                                              

عبد العزيز بن عبد الجليل

         نواصل في هذه الورقة حديثنا عن الكتاب الذي أصدره الدكتور محمود قطاط عام 2006 حول آلة العود .

        الباب الثاني: وهو تحت عنوان " اكتمال آلة العود في رحاب الحضارة العربية الإسلامية "، ويغطي من الكتاب تسعين صفحة. مهد له المؤلف بمدخل استعرض فيه مراحل تطور صناعة العود في سياق " وحدة جمالية متكاملة تستوعب على مر العصورمختلف الأنماط الفنية المكونة لتراث الشعوب الإسلامية المنتشرة على رقعة هائلة الامتداد ".

         وقد تحقق تطور صناعة العود بدءاٌ من ظهور الإسلام في القرن السابع ، وذلك في مواكبة التطور الحاصل في حركة تنظير الموسيقى العربية كركن من أركان العلوم النظرية وعنصر هام في منظومة علوم التعاليم الأربعة ، وبذلك خلص إلى أن يصبح ـ بحق ـ قاعدة ضرورية وأساسية لفهم النظرية الموسيقية العربية، ودراسةِ أبعادها الفيزيائية والفلسفية والفلكية، الأمر الذي يفسر العناية الكبرى التي حظي بها عند الفلاسفة والمنظرين على مستويات صناعة أجزائه وتسوية أوتاره.

         وتأتي بعد المدخل أربعة فصول:

        ـ الفصل الأول بعنوان " آلة العود من خلال المصادر المكتوبة "، وفيه تناول المؤلف بتفصيل ما جد في صناعة العود بالعواصم الكبرى للعالم الإسلامي كبغداد وقرطبة، مع تشخيص ما وصلت إليه آلة العود في ظل المدارس المتلاحقة للموسيقى العربية (المدرسة العودية ـ المدرسة الإبداعية ـ المدرسة المنهجية). وقد وقف المؤلف طويلا عند قياسات العود، وخصوصيات أجزائه،ونوعية أخشابه، وأوتاره، وعددها، ومادتها، وأسمائها، ودساتينها، ومواضع شدها، وتباين عددها بحسب المدارس؛ ثم انتقل إلى موضوع ذي أهمية قصوى في تاريخ تطور صناعة العود، ويتعلق بالإفصاح عن نغماته وتحديد طبقاتها عن طريق استخدام الأبجدية العربية، بدءاٌ من حرف الألف الذي هو مطلق الوتر، وانتهاء بحرف اللام المساوي لدرجة الجواب، وذلك عبر تدرج لوني " كروماتيك " يتألف سلمه من اثنتي عشرة نغمة من فئة نصف الطنين .

         وقد ختم المؤلف هذا الفصل ببيان مواقع الضرب، وكيفياته، وعلاقة الموسيقى بنظرية التأثير النفسي .

         ـ ويأتي الفصل الثاني بعنوان " تنوع الوتريات من فصيلة العود " فيتجه نظر المؤلف إلى أصناف الآلات الوترية ذات الشبه بالعود كالطنبور بنوعيه الميزاني والخراساني، أو التي هي من فصيلة العود كالشاهرود، والقوبوز، والقيثارة الأندلسية، والعود المغاربي.

         ـ ويتلو ذلك الفصل الثالث من الباب الثاني ، وهو عبارة عن عمل ميداني جاد اتجهت فيه عناية المؤلف إلى مكانة آلة العود في النقوش الجدارية  والرسوم  والمنمنمات وما تزخر به من شواهد ناطقة بمكانة الفنون في الحضارة الإسلامية.

         ـ في الفصل الرابع من الكتاب، وهو بعنوان " انتشار آلة العود في الحضارات الغربية والشرقية " يورد المؤلف قصة انتقال العود العربي إلى البلاد الأوروبية، وما نتج عن ذلك من تأثير في طريقة العزف يتجلى خاصة في تحديد مواضع النغم المثبتة بواسطة الدساتين بعد أن كانت طريقتهم في العزف مقتصرة على الوتريات المفتوحة.وقد استقصى ملامح حضور العود في الموسيقى الأوروبية ، وأبرزها: الاحتفاظ باسمه العربي في سائر اللغات الأوروبية، ومحاكاة رقبته في جزئياتها، وفي طريقة العزف عليها، وتزيين المؤلفات الأوروبية بمنمنمات تمثل مشاهد عربية الملامح، إضافة إلى الرسوم الجدارية أو المدرجة في بعض الكتب، والتي تمثل حفاوة كبرى بهذه الآلة ككتاب " أناشيد مريم العذراء ".

          وقد عرض المؤلف لما عرفه العود في أوروبا بدءاٌ من النصف الثاني من القرن الخامس عشر من تغييرات تَرُومُ توسيع إمكانياته، وهي تغييرات مست جوانب متعددة كطريقة العزف، وعدد الأوتار، وطريقة التسوية، كما أفضت ـ من جهة ـ إلى ظهور أنواع شتى من العيدان، من بينها عود عصر النهضة، والتيوربا، والكيتاروني، ومن جهة ثانية ـ إلى بروز آلات متفرعة عنه كالماندولينة، والماندول، والسيستر .        

           الباب الثالث: يختص موضوع هذا الباب بآلة العود في الموسيقى العربية الحديثة؛ وهو يشغل إحدى وثلاثين صفحة موزعة بين فصلين: الثوابت، والمتغيرات.

          ـ يتحدث المؤلف في الفصل الأول عن الثوابت التي استمرت آلة العود محافظة عليها، والتي لم يطرأ عليها تغيير جوهري على مدى أكثر من ثلاثة قرون بالرغم من فترات الركود التي اعترضت مسيرته. وقد أسهب في بسط هذه الثوابت من خلال ثلاثة أصناف تقليدية للعود العربي هي: العود المشرقي، والعود المغاربي، والعود بالجزيرة العربية.

          وتشكل مضامين هذا الفصل ـ بمفرده ـ حصيلة توثيقية علمية وفنية هي من الأهمية بمكان ، أعتقد أنها تطلبت من المؤلف جهدا كبيرا، يدل على هذا ثراء المعلومات التي ساقها بخصوص آلة العود في مختلف أصنافه الثلاثة، وما اتسمت به من دقة فيوصف خصوصياته، وضبط مقاسات أخشابه وملاويه، وقياسات أوتاره، وبيان طرق ترتيبها وتركيبها وتسويتها، وخاصيات ضربها. وتزداد هذه المعلومات دقة ووضوحا من خلال الجداول البيانية وصور العود العربي في أصنافه الثلاثة.

      ـ أما الفصل الثاني من الباب الثالث فيتطرق لموضوع المتغيرات والابتكارات التي طرأت على العود في العصر الحديث . والمؤلف هنا يؤكد أن جل هذه التغيرات بقيت محدودة في الذراع والصندوق المجوف والأوتار ، وكذا في بعض النواحي المتعلقة بالصناعة. وقد لخص حصيلة التغيرات الطارئة في المجالات المحددة ، وخلص إلى حقيقة أن آلة العود استمرت في العصر الحديث تتبوأ مركز الصدارة بفضل التثاقف الإيجابي الذي حصل منذ عشرينيات القرن الماضي بين المدرستين العربية والتركية؛ وذلك هو ما أفرز ظهور طبقة متميزة من العازفين منحت آلة العود إمكانيات جديدة بفضل ما ابتدعوه من مناهج وأساليب في تسوية الأوتار وتطعيمها بما يسمح بتوسيع مداها الصوتي ، وكذا استغلال أصابع اليد الأربعة، واستخدام وضعياتها المختلفة ...

        وقد ختم الدكتور محمود قطاط مؤلفه القيم بملحق هو عبارة عن رسومات بيانية لأوضاع العزف على العود، وأخرى لطرق تسوياته؛ وهي ـ في مجملها ـ حرية بأن تشكل دليلا عمليا لمن يرغب في معرفة أسرار هذه الآلة، ومتاحا لمن يبغي المزيد من سبر أغوارها.