إطلالة على كتاب الدكتور محمود قطاط

. اصدارات موسيقية

"موسيقات العالم العربي الإسلامي ـ دليل ببليوغرافي وديسكوغرافي مقاربة تحليلية ونقدية"

 

                                                                                               عبد العزيز ابن عبد الجليل

 

تغمر الباحثَ الموسيقيّ المهتمَّ مشاعرُ جياشةٌ من الفرح وهو يتصفح الكتاب الذي وضعه الدكتور محمود قطاط بعنوان : موسيقات العالم العربي الإسلامي ـ دليل ببليوغرافي وديــسكوغرافي ـ مقاربة تحليلية ونقدية. وهو صادر باللغة الفرنسية عن دار الأنس بباريس في عام 2004.

والكتاب ـ كما ورد في مقدمة الناشر ـ فريد في نوعه سواء فيما نشر باللغة الفرنسية أو غيرها، وقد جاء ليَلمّ جماع ما كتب حول الموسيقى باللغة العربية أو بغيرها كالفرنسية والإنجليزية والألمانية والإسبانية، وما دُوِّنَ من الموسيقى المغاربية الأندلسية العالمة أو الشعبية ، مثلما جاء ليضع بين يدي الباحث المهتم دراسات تحليلية حول المخطوطات العربية، وجلّها مما يشق الوقوف عليه بالنسبة للقارئ الفرنسي خاصة .

 يضم الكتاب 463 صفحة ، مهّد له المؤلف بمقدمة أبان فيها أن الفكر الموسيقي العربي الإسلامي انتقل إلينا على مر العصور من خلال مؤلفات شديدة التنوع ، فإلى جانب المؤلفات المتخصصة يلاحَظ كيف كان فن الموسيقى مرتبطا بلائحة عريضة من كتب الأدب، والشعر، والتاريخ، والجغرافيا، وعلوم الكونيات، والطب، واللاهوت، والتصوف، والفقه.

وتتجلى أهمية " الدليل " في أنه ـ إضافة إلى العناية باستعراض أسماء الكتب ـ يقدم شروحا وتعليقات حولها من شأنها أن تفيد الهاوي والموسيقي والباحث  والطالب والموَثق ، ومن هنا يقوى الأمل ـ لدى المؤلف ـ في أن يقيم البرهان على ما يَدْحَض الأحكام والإسقاطات المغلوطة التي ما فتئت تتردد حتى في أوساط المؤرخين والموسيقوليجيين والأنتروبولوجيين عن الموسيقى العربية والمغربية ، هذه الموسيقى التي ما تزال ـ حسب ج. بيرك ـ في حاجة إلى "الكشف عنها ".

والمؤلف إذ يعلن رغبته في أن يستحضر القارئ ما بلغه ماضي تراثنا الموسيقي العربي من مجد، فهو يقيم الدليل على أن هذا التراث ما انفك إلى اليوم من خلال مظاهره المتعددة محافظا على عمق تماسكه التقني والفني ؛ وليس مُهِمّاٌ في غمرة هذا الإنجاز المخترق للقوميات أن يكون الفارابي أو ابن سينا وابن رشد والميموني عربا أو أتراكا أُو فرْسا أو يهودا، وإنما المهم هو إدراك أن هؤلاء العباقرة امتلكوا وسيلة للتعبير الشمولي بفضل روحانية الإسلام التي تتجاوز الحدود الإقليمية ، ثم بفضل أدوات ذات أساس لغوي هو اللغة العربية ؛ فعلى على هاتين الدعامتين ارتكزت الحضارة العربية الإسلامية من الشرق إلى الغرب، وحولهما التحمت تشكيلة مدهشة من الشعوب ذات الأصول والتقاليد المتباينة في بوتقة روحية وثقافية جديدة ، وإن أولئك الأعلام هم الذين سيسجلون باستمرار تطور الحركة العلمية والفنية لهذه الحضارة بأكثر من 650 عنوان، أدركنا منها 360 من خلال ما يربو على 1265 مخطوط .

قسم المؤلف كتابه إلى فصلين وملحق . وفي الفصل الأول الذي يحتل بمفرده 156 صفحة (21 ـ 176) يستعرض الكتب المصنفة باللغة العربية بدءاٌ من القرن الثاني هـ/ الثامن م إلى اليوم، منطلقا من أسماء المؤلفين مرتبة وفق الترتيب الأبجدي للحروف اللاتينية. وقد انصب اهتمام المؤلف على التحليل النقدي  للمصنفات الأقل شهرة والتي يصعب الوقوف عليها باعتبارها مراجع ذات أهمية كبرى لمعرفة تشكل الفكر الموسيقي الخاص بالعالم العربي الإسلامي.

أما الفصل الثاني فيتضمن لائحة المؤلفات المصنفة باللغات الأجنبية. وهي تحتل من الكتاب 134 صفحة (177 ـ 311) . وأما الملحق فهو يختص بجرد المعاجم ودائرات المعارف والدوريات والفهارس المتخصصة التي عنيت بالموسيقى العربية الإسلامية . ويأتي ـ بعد الملحق ـ دليل عام بأسماء المؤلفين مرتبة على نحو يُيَسّر السبيل أمام الباحث.

ويختم المؤلف كتابه بفصل هام خصه بالتوثيق الصوتي للتراث الموسيقي المغاربي، فيصنف الوثائق الصوتية انطلاقا من دور الإنتاج . وقد اجتهد في جرد التسجيلات المرتبطة بالتراث الكلاسيكي في المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا ، دونما إغفال للتسجيلات الشعبية بصنفيها الديني والدنيوي ، وكذا بعض الإبداعات المعاصرة .

وحتى يتسنى للباحث القيام بدراسات مقارنة يضيف المؤلف تسجيلات مختارة من التراث الفرنسي والإسباني القروسطي.

هذه إطلالة سريعة على كتاب "موسيقات العالم العربي الإسلامي" للدكتور محمود قطاط، وهي لا تغني الباحث المتخصص ـ قطعا ـ عن قراءته وتدبر مضامينه، وإنما قصارى مطمحها أن تنبه إلى أهميته، وأن تهيب المهتمين بالرجوع إليه والاستفادة منه.  ومجمل القول فإن هذا الكتاب يأتي ليكلّل العمل الرائع الذي أنجزه الدكتور قطاط عام 2000 تحت اسم  " الموسيقى العربية الإسلامية ـ بصمة المغرب ".  ومن هنا فإن تنويهنا ينسحب على الكتابين معا باعتبارهما يشكلان ـ معا ـ إنجازا متكاملا ومتلاحم الحلقات، وهو إنجاز رائد في هذا المضمار، نعتقد جازمين أنه يستوفي شروط البحث العلمي الدقيق، ويؤهل صاحبه ليكون جديرا بالاعتبار حفيا بالتقدير.