خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

قراءة في كتاب " آلة العود بين دقة العلم وأسرار الفن "

. اصدارات موسيقية

 

قراءة في كتاب " آلة العود بين دقة العلم وأسرار الفن "

عبد العزيز ابن عبد الجليل

 

أهداني صديقي الدكتور محمود قطاط ـ مشكورا ـ نسخة من كتابه " آلة العود بين دقة العلم وأسرار الفن"  وهو سفر جليل القدر، تَمَّ إصداره عام 2006  بعناية مركز عمان للموسيقى التقليدية في مسقط .

يحوي الكتاب مائتي صفحة من الحجم الكبير ، وهو يقوم على ثلاثة أبواب يشكل كل واحد منها بمفرده مبحثا حافلا بالمعلومات غنيا بالإفـادات مما يؤهـل الكتاب موقعا مرموقا من بين المؤلفات المرجعية التي لا غنى عنها لـمن يريد تعمـيق معارفه  عن آلة العود ، باحثا كان أو طالبا.

وأود ـ في البدء ـ أن أشد على يد الدكتور قطاط مهنِّئا إياه بما وُفِّق إليه من  إنجاز هو ـ بدون شك ـ ثمرة جهود لا إخال إلا أنها أخذت من وقته الكثير صرفه في استنطاق الوثائق المكتوبة، والأدلة الأثرية والنقوش الجدارية، وغير ذلك من الصور والمنمنمات .

الباب الأول : يغطي ثمانين صفحة تحدث فيها عن الأصول التاريخية لآلة العود. وهو موزع إلى ثلاثة فصول تناول المؤلف في أولها موقع هذه الآلة في المدنيات القديمة، وتطرق في ثانيها للآلة بين النظريتين المثالية والمادية وخص ثالث الفصول بما انتهى إليه من استنتاجات حول أصول آلة العود وخصائصها.

مهد المؤلف للباب الأول بمدخل عرض فيه لما تُرَوِّجُه الأبحاث التي أنجزها الغربيون خاصة، من تمجيد للأصول اليهودية والمسيحية القديمة، وتَفَرّد العبرانيون واليونان والرومان ـ دون غيرهم ـ بصناعة التاريخ الموسيقي، مع تهميش متعمّد لكل ما أنجزته الحضارات العربية والفارسية ونظيراتها من الممالك القديمة. وقد فنّد المؤلف هذه الادعاءات ، وكشف عن الدوافع الخفية التي تكمُن من ورائها والتي تَنِمُّ عن توجهات    عقائدية وإيديولوجية واهية تغذّيها نزعة الغرور والرغبة في تزييف الحقيقـة التاريخية.

ولتأكيد ما ذهب إليه المؤلف فهو يعود في مستهل الفصل الأول إلى الاستشهاد بما ذكره عدد من المفكرين الغربيين ، ثم إلـى الحـفريـات الحديثة الـتي أثـرت البحوث التاريخية بدلائل ملمـوسة تؤكد أن البذور الأولى للحضارة الإنسـانية الأم تعود إلى الألـف الرابع قبل الميلاد، مثلما تكشف النقاب على أنها عرفت ازدهارها ـ نشأة  وتطورا ـ فـيما يسمى"مثلث الحضارة القديمة " ، وموقعه جنوب الجزيرة العربية وأراضي الرافدين ووادي النيل وحتى شمال إفريقية ، إضافة إلى الهلال الخصيب ومنطقتي إيجة وغرب المتوسط .

وقد جرى بين ثقافات هذه المناطق تداخل وتشابه بفعل تعدد وتنوع العلاقات البشرية  الأمر الذي أفضى إلى إرساء الحضارة العربية الإسلامية التي أصبح مجال ما يطلق عليه فيها " الموسيقى الشرقية " يمتد من جنوب إسبانيا غربا إلى شرق وجنوب شرقي آسيا.

في الفصل الثاني من الباب الأول يعرض المؤلف لإشكالية صعوبة الوقوف على الإبداعات التي حققها الإنسان القديم وكذا الآلات الموسيقية التي استخدمها، وذلك لغياب التدوين والتسجيل واندثار المصنوعات اليدوية العتيقة. ولذلك انطلقت  بحـوث في التحليل والاستنتاج النظري توصلت إلى طرح فرضيات متباينة في تفسير الظاهـرة الموسيقية كان أبرزَها تلك المعتمدة على القصص والأساطير، والتي تراوح بين النظرية المثالية باعتبار هذه الظاهرة هبة الآلهة والشخوص الأسطورية، والنظرية المادية باعتبارها نتاج لمحاكاة    لأصوات الطبيعة . وفي سياق البعد الأسطوري تأتي الحكايات التي ارتبطت عند العرب قديما بنشأة العود وتردد صداها في الشعر العربي ، أو التي تحكى عن فيثاغورس،أو حول  صناعة الفارابي لآلة العود .

وبعيدا عن البعد الأسطوري الذي يفتقر إلى الموضوعية تأتي كشوفات التنقيبات الأثرية ودراسات علم الآثار لتغيرمن نظرتنا للموسيقى عموما، ومن ضمنها خاصة تاريخ  آلة العود. وفي هذا الصدد يستعرض المؤلف المراحل الثلاث لتطور علم الآثار الموسيقي بدءاٌ بالمرحلة الوصفية التي انطلقت في منتصف القرن التاسع عشر ثم المرحلة التأسيسية لعلم آثار الموسيقى التي كانت بداياتها في ثلاثينيات القرن العشرين، وانتقالا إلى المرحلة الثالثة بدءاٌ من مستهل ستينيات القرن العشرين، وهي مرحلة متـقدمة فـي البحث تتوخـى المنهج العلمي الدقيق ، وتستفيد من الدراسات اللغوية المقارنة، وتهتم  بالنواحي التاريخية وإعادة تركيب بعض الآلات.

وقد ركز المؤلف على الآثار والوِجادات الموسيقية التي كشفت عنها الحفريات في  بلاد أشور وبابل ومقبرة أور الملكية بالعراق ومدافن طيبة في مصر، مقتصرا على آلة  العود وأهم ما ورد في شأنها بالنسبة للمدنيات القديمة، وهي: وادي الرافدين، ووادي النيل والعصر اليوناني، والعصر الروماني والبيزنطي، وبلاد فارس، وجزيرة العرب وآسيا الشرقية.

وبخصوص جزيرة العرب نقل المؤلف ما ذهب إليه الباحثون من القول بأن الشعوب التي شكلت أُمم البابليين والأشوريين والفينيقيين وغير هؤلاء من تلك التي شكلت حضارات  بلاد الرافدين والهلال الخصيب والحوض الشرقي للبحر المتوسط إنما هي من نازحي جنوب  الجزيرة العربية.  ومن أجل إغناء معارفنا بخصوص آلة العود يقترح المؤلف أن يوجه الجهد  من خلال وسيلتين اثنتين هما:

·        التنقيب المكثف عن الآثار الدفينة

·        استنطاق الشعر الجاهلي وما توفره المعاجم اللغوية

 

ويأتي الفصل الثالث من الباب الأول ليقدم جملة من الاستنتاجات حول أصول آلات  العود و خصائصها  بنوعيها ( عائلة الطنبور وعائلة العود )، فيرسم جدولا يحدد فيه مناطق  ظهور كل نوع وفتراته الزمانية، وذلك اعتمادا على الشواهد الأثرية المتوفرة حاليا وعلى  الدراسات التي تناولتها.

وللكلام عن الكتاب تتمة.