المُطرب البحَّار سالم راشد الصوري: فنان "صوت" من عُمان

. أعلام الموسيقى العربية

بقلم رالف كيليوس

 

اشتهر سالم راشد الصوري، مغني "الصَّوت" وعازف العُود العُماني، بلقب "المطرب البحَّار"، كما اشتهر لتطويره لونًا موسيقيًا فريدًا مُستوحى من مصادر موسيقية متعددة في الشرق الأوسط والهند.

لم يستطع أي شيء أن يثني هذا الفنان عن الغناء حتى تهديد أخيه له بسلاح في أحد المواقف. فقد رفضت عائلة سالم بشدة انخراطه في مجال الموسيقى، مما دفعه إلى الإبحار بعيدًا، فسافر مع السفن التجارية إلى موانئ عديدة في شرق إفريقيا والهند وفي أنحاء الشرق الأوسط.

ويمكن اعتبار الأسلوب الذي طورّه الصوري خلال أسفاره بمثابة بوتقة جمع فيها الخليط الثقافي والتاريخ الطويل للتجارة عبر الخليج والمحيط الهندي.

ماذا عن تأثير سالم راشد الصوري على الساحة الموسيقية للخليج؟

من خلال تسجيلاته الموسيقية وشهادات أبنائه، يمكننا نسج خيوط قصته الشيقة وفهم كيف وصل إلى مكانته على الساحة الفنية.

 

صور و"صوت" الخليج

وُلد المغني وعازف العُود سالم راشد الصوري ومات في مدينة صور بعُمان، وكانت ولادته سنة 1910 ووفاته سنة 1979، إلا أنه أمضى معظم حياته في الهند والبحرين والكويت.

 صورة: سالم راشد الصوري في المطار حوالي ١٩٦٠ (الصورة مأخوذة بالإذن من خالدالصوري).

ومع أنه بدأ بغناء الميدان، وهو لونٌ من الشعر الغنائي المعروف في منطقة صور بعُمان، فإنه كان يصاحب هذا الغناء بمزمار القربة. واشتهر بأسلوبه المميّز في فن "الصَّوت".  والصوت الخليجي هو أحد الألوان الموسيقية التقليدية، نشأ في المدينة وتغنّى به بشكلٍ رئيسي الموسيقيون في البحرين والكويت، وكان له شعبية في جميع أنحاء المنطقة. وساهم الصوري بشكل كبير في تطوّره.

كانت صور، محل ميلاده كما ذكرنا، أحد أهم موانئ التجارة العربية التي تربط عُمان باليمن وشرق إفريقيا وزنجبار والهند وموانئ أخرى عبر سواحل الخليج.  ومع أن الموسيقى العُمانية لم يكن لها تأثيرً واضحً على أسلوب سالم راشد الموسيقي، إلا أن صور لا تزال تعتبر إلى اليوم مركزًا مهمًا للموسيقى العُمانية التقليدية.

 

المطرب البحَّار

في صور اتجه سالم إلى العمل في السفن التجارية مما أتاح له الفرصة لزيارة المدن الساحلية في اليمن والكويت والبحرين والهند وشرق إفريقيا. وتعلَّم في هذه الفترة موسيقى الصَّوت بينما كان يستمع لتسجيلات المغني عبد اللطيف الكويتي (١٩٠١/١٩٠٤-١٩٧٥) ومن خلال تواصله مع موسيقيين آخرين في المنطقة. ونظرًا لأسفاره الكثيرة، سرعان ما أصبح معروفًا باسم "المطرب البحَّار".

ذكرنا آنفاً بأن عائلة الصوري لم توافق على اتجاهه للموسيقى، ما دفعه إلى الهرب من نطاق سلطتهم متجهاً إلى الهند، فأقام هناك في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين. وحسب رواية ابنه، سعيد سالم علي الصوري، "فإنه ترك صور وهو يمتلك صوتًا حسنًا، ولكنه لم يكن يعرف كيف يغني". وخلال أسفاره تطورت موسيقاه، وفي عدن (وكانت في ذلك الوقت جزءًا من المحمية البريطانية، وهي الآن جزءٌ من اليمن) رأى الصوري العود للمرة الأولى في حياته وتعلم كذلك العزف عليه.

 

 

عمِل وسيطًا في بومباي

في بومباي، أضاف سليم كلمة "الصوري" إلى اسمه كنايةً عن مجيئه من مدينة صور بعُمان. وعاش في منطقة الميناء بالمدينة، وعمل بدايةً "كمراقب مراجل" في سفينة بخارية قبل أن يصبح بعد ذلك وسيطًا ومترجمًا، حيث كان يساعد التجَّار العرب في شراء البضائع في بومباي ونقلها إلى سفنهم.

وسرعان ما أصبح "المطرب البحَّار" مشهورًا كمغني "صوت" بارع. وكان جمهوره بالأساس من المجتمعات التي تتحدث العربية، وكان العديد منهم من عُمان واليمن ويعيشون في بومباي. وكان معظم من تعلم سالم راشد الصوري على أيديهم من موسيقيي شبه الجزيرة العربية، وبخاصةً اليمنين منهم، ولكنه درس أيضًا الموسيقى الهندية.

صورة: سالم راشد الصوري يعزف مع طبّال وعازف كمان في بومباي، ١٩٦٧. (الصورة مأخوذة  بالإذن من خالد الصوري.)

سجَّل الصوري اثنتي عشرة أسطوانة سيلك (٧٨ لفة في الدقيقة) مع شركة HMVفي ثلاثينيات القرن العشرين، وبِيعت الواحدة بحوالي ٥٠ روبية هندية. وقد حققت هذه الأسطوانات نجاحًا كبيرًا على المستوى التجاري، خاصةً بين السكان العرب في بومباي، لا بل وبين الهنود أيضًا.  ويرجع ذلك جزئيًا إلى استخدام الصوري للغة الأردية في بعض أغانيه.

وفي سنة ١٩٤٣ تزوج الصوري بامرأة هندية كانت أمها من مدينة بهاتكال بولاية كارناتاكا بجنوب الهند. وقد أقام في هذه المدينة الساحلية الصغيرة عددٌ كبيرٌ من المسلمين المنتمين لمنطقة "نواية"، وهم في الأغلب أحفاد البحَّارة العرب الذين تزوجوا من نساءٍ هنديات واستقروا في هذه البلدة الساحلية الصغيرة.

 

العودة إلى نقطة البداية: البحرين وعُمان

في أواخر أربعينيات القرن العشرين، وبسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، أو كما جاء على لسان ابنه، "غادر الصوري إلى البحرين بسبب الظروف غير المواتية للأجانب في دولة الهند المستقلة حديثًا بشكل عام .  وفي البحرين أصبح فنانًا مستقلاً يُقبل عليه الجميع. ومع بداية ستينيات القرن العشرين، أنشأ شركة إنتاج موسيقية خاصة به، "سالم فون"، وأنتج تسجيلات على نطاقٍ واسع في المنطقة مع مطربين أمثال عبد اللطيف الكويتي ومحمود الكويتي.

ولكن نظرًا لأن اسطوانات الصوري الفونوغرافية لم تكن تلائم سوى الغراموفون، فإن ظهور أسطوانات الفينيل (٤٥ لفة في الدقيقة) في بداية ستينيات قرن العشرين أثَّر على عمله إلى حدٍّ كبير. وبعد تفاقم المشاكل المادية عاد الصوري إلى عُمان في ١٩٧١.  هناك غينّه السلطان قابوس بن سعيد آل سعيد مستشارًا للشؤون الثقافية. وأثناء شغله لهذا المنصب قدم أغاني تمدح السلطان وأسرته، وكانت تُذاع على نطاقٍ واسع في المحطات التلفزيونية والإذاعية العُمانية التي كانت في حينه حديثة التأسيس.

وهكذا نلاحظ بأن حياة الصوري أتمت دورة كاملة حين عاد إلى نقطة البداية في عُمان. الصحيح أن الصوري بدأ حياته رحَّالة وبحَّار، ومع الوقت عكست موسيقاه صورة التبادل الثقافي الذي استمر لقرونٍ في منطقة المحيط الهندي وشبه الجزيرة العربية، لقد قام هذا الفنان ببثَّ نتاج هذا الخليط إلى قطاعٍ عريض من الجمهور في السنوات الأولى لظهور وسائل الإعلام العامة. وعند وفاته سنة ١٩٧٩ كان الصوري قد أصبح رمزًا مهمًا بالنسبة للشعب العُماني بسبب مساهمته في تطوير "صوت" الخليج.

يرتكز هذا المقال على مقابلةٍ مع سعيد سالم على الصوري، نجل سالم راشد الصوري، أجراها الباحث والمسجِّل إدوارد فوكس في ٢١ نوفمبر ١٩٩٠، وعلى مراسلات تلتها عبر البريد الإلكتروني بين كاتب المقال وسعيد.  ويُعدّ سعيد سالم الصوري أيضًا موسيقياً ومغنّياً متعدد المواهب. وقد وُلد سنة ١٩٥٤ وتلقى تعليمه الأساسي في البحرين، وهو يعيش حاليًا في عُمان حيث انتقل إلى هناك مع والده ووالدته عندما كان في سن الثامنة عشرة. وقام بدراسة الموسيقى في مصر من ١٩٧٥ إلى ١٩٧٨.