الباحث الموسيقي زكريا يوسف ودوره في تحقيق وشرح مخطوطات الموسيقى العربية

. أعلام الموسيقى العربية

بقلم الباحث الموسيقي مهيمن ابراهيم الجزراوي[1]

يعد الباحث الموسيقي (زكريا يوسف) احد الباحثين المرموقين ، ومن الرواد الاوائل في مجال البحث الموسيقي الاكاديمي في العراق المعاصر ، الذي ترك بصماته على مسيرة الحركة العلمية ، ورفد المكتبة الموسيقية بعدد زاخر من المؤلفات القيمة ، ومن المؤسف حقاً تشتت اعماله التي طواها النسيان ، وعلى وجه الخصوص مؤلفاته المخطوطة التي لم يتم طبعها ونشرها حتى الآن ، من خلال دراسة سيرته الذاتية والفنية وتوثيق مسيرتها المتزامنة مع مسيرة تطور البحث العلمي الموسيقي في العراق لفترة ترنوا إلى نصف قرن من الزمن ، وتسليط الضوء على هذا الباحث المغمور الذي فنى حياته بجمع مخطوطات الموسيقى العربية المتناثرة في مختلف مكتبات دول العالم وعمل على تحقيقها وشرحها ونشرها.

ولادته وتعليمه:

ولد الباحث زكريا يوسف في محافظة نينوى – مدينة الموصل – عام 1911م. واسمه الكامل هو (زكريا يوسف توماشي) غير انه كان معروفا بـ (زكريا يوسف) في الاوساط الثقافية والموسيقية. وكان هاويا للموسيقى شغوفا بها منذ نشأته ، فتتلمذ على حب الموسيقى وسماعها. وفي السادسة من عمره (اي في العام 1917م) دخل مدرسة شمعون الصفا الابتدائية في الموصل (وكانت تابعة للكنيسة الكلدانية وتديرها مجموعة من الراهبات) ، وفي احد الايام طلب الاستاذ جميل نوري (وهو معلم الموسيقى والأناشيد في المدرسة) من تلاميذه تشكيل فرقة طلابية موسيقية ، فكان زكريا أول من لبّى النداء بدوافع حبه للموسيقى يشاركه في ذلك زميله الموسيقي المعروف الاستاذ سعيد شابو (الموصل 1910م – بغداد 1995). وكان ذلك قبل أن ينهي دراسته الابتدائية ، أي بعمر عشر سنوات تقريبا. وتعلم في تلك الفرقة الموسيقية الصغيرة العزف على الآلات الموسيقية الهوائية ، ومن ثم اصبح هذا التلميذ الصغير عازفا على آلتي الترومبيت والترمبون النحاسية الهوائية في فرقة المدرسة النحاسية ، وكانت المشاركة مع تلك الفرقة هي نقطة البداية مع الموسيقى.

السفر من مدينة الموصل الى بغداد:

في عام 1926م تخرج من مدرسة شمعون الصفا وحصل على الشهادة الابتدائية. عندها سعى معلم الموسيقى والأناشيد الاستاذ جميل نوري ومدير المدرسة لانتقاله الى بغداد. فترك زكريا يوسف الموصل من اجل تكملة دراسته في العاصمة بغداد ، ودخل دار المعلمين الابتدائية ، لاربع سنوات وهي سنوات الدراسة في الدار ، ودرس النشيد على يد الاستاذ نوري ثابت (مدرس الرياضة والنشيد في الدار وهو صاحب جريدة حبزبوز المشهورة). وأثناء دراسته في الدار شكل فرقة موسيقية غنائية اطلق عليها (فرقة دار المعلمين الابتدائية) ، التي تتألف من (سعيد شابو على آلة الترومبيت ، لويس فرنسيس على آلة الآلتو ، وزكريا يوسف على آلة الترمبون ، ويعقوب عبد المسيح على آلة الكونترباص ، وخليل حنا على آلة الباريتون).

في العام 1929م حصل على شهادة دار المعلمين الابتدائية ، وبعد تخرجه جاء وقت العمل ، وهموم الحياة الاخرى ، لكن هذا وان ابعد الهاوي الموسيقي الشاب عن دراسة الموسيقى اكاديميا الا ان الهواية اتخذت مسارا اخر ، وهي الدراسة النظرية ، وبدأت الكتب والمصادر الموسيقية تأخذ كل وقته. في نفس الوقت كان زكريا قد تعلم العزف على آلة الكمان في بغداد بصورة شخصية على يد الملحن والموسيقار العراقي البارع صالح الكويتي(الكويت 1903م – فلسطين 1986م) ، مما شجعه واعطاه دافعاً مضافاً للدخول في معهد الفنون الجميلة – قسم الموسيقى ، لدراسة آلة الكمان بصورة علمية ومنهجية.

في عام 1936م افتتح اول معهد للموسيقى في بغداد والذي اصبح فيما بعد – معهد الفنون الجميلة – وكانت هذه فرصته في الدراسة الموسيقية المنتظمة ، الا ان الطريق من الموصل الى بغداد ومن بغداد الى الموصل ، ابتلع من العمر ثمان سنوات ، فقد استمرت رحلة المساعي لقبوله في المعهد حتى عام 1944م ، حينها تحقق حلمه اخيرا وانتظم طالبا في معهد الفنون الجميلة – قسم الموسيقى – الدراسة المسائية – القسم الغربي لدراسة آلة الكمان ، وتتلمذ على يد الاستاذ الروماني الشهير (ساندو آلبو) ، وفي نفس الوقت كان يقوم بتدريس مادتي مبادئ الموسيقى النظرية وتاريخ الموسيقى العربية في القسم الشرقي للمعهد. لكنه لم يهتم بالعزف قدر اهتمامه بكيفية البحث في الموسيقى العربية.

ويخبرنا الاستاذ باسم حنا بطرس عن الباحث زكريا يوسف بقوله (عرفته في عام 1945م معلما في مدرسة الطاهرة الابتدائية في بغداد حيث كنت تلميذا في الصف الخامس الابتدائي آنذاك ، وهو يحمل آلة الكمان معه ليقود إنشادنا للاناشيد المدرسية ، مفتتحا فترة اصطفاف التلاميذ مع تحية العلم ، بلحن السلام الملكي العراقي).

في عام 1951م تخرج من معهد الفنون الجميلة – قسم الموسيقى – القسم الغربي بدرجة امتياز ليصبح معيدا في نفس المعهد ، ومدرسا ومعاونا لرئيس القسم الشرقي آنذاك الموسيقي المعروف الشيخ علي الدرويش (حلب 1884م – حلب 1952م) ، وبحكم تقدم الشيخ في السن فقد ترك لمعاونه الشاب ، بعض مسؤولياته. وفي نفس العام شارك زكريا يوسف كباحث موسيقي والقى محاضرة موسيقية في المعهد الثقافي البريطاني ببغداد مساء يوم الاثنين المصادف 16/4/1951م.

المصدر: موقع الناقد العراقي الألكتروني

 


[1] يفتقد المجمع العربي للموسيقى الأستاذ المساعد في كلية الفنون الجميلة في العراق السيد مهيمن ابراهيم الجزراوي كاتب هذه المقالة. فقد توفي بتاريخ 25/8/2017 جراء حادث سيارة مؤسف. كانت للمرحوم الجزراوي مشاركات علمية فاعلة في ملتقى المؤرخين الموسيقيين العرب الأول (2014) والثاني (2015) اللذين نظمهما المجمع العربي للموسيقى بالتعاون مع مركز عمان للموسيقى التقليدية . لروحه الطاهرة الراحة الأبدية ولعائلته وأصدقائه الصبر والسلوان.