كامل الشناوي صاحب أهم أغاني غناها عمالقة الغناء

. أعلام الموسيقى العربية

محمد حمد البشيت

الراحل كامل الشناوي، كاتب وشاعر رقيق المشاعر، صاغ لنا " فن" القصيدة والمقالة في آن، إناء ينضح بالعذوبة والجمال، كان لا يكفيه نبض الشعر الذي يقوله، بل يحب أن ينتقل نبضه إلى قلوب الآخرين، فبشعره يغني ويبكي ويرقص بصدق موسيقي، مترنما بأعذب الكلمات ما بين القصيدة والمقالة، ملتزما بإنسانيته ونبضات قلبه مثلما هو التزامه بحماسه الصادق بمقالاته الساخرة!!

هذا الشاعر الضخم يحمل بين جوانحه قلباً ذا عاطفة صادقة في كل ما يكتبه من شعر، كان يضحك دائما ويطلق النكات على أصدقائه حتى أصبحوا يطلقون عليه الشاعر الساخر!فقد كانت سخريته حديث أصدقائه ومحبيه وتشيع الفرحة والبهجة في قلوب جلسائه من الوسط الثقافي الذي كان يعيش فيه.

كامل الشناوي الشاعر الملهم:

كانت القصيدة عصية المنال عليه عند كتابتها ولكنه سرعان ما يطوعها وتستحوذ على كل مشاعره، فعندما يفرغ من كتابة قصيدته يحس أنها هي التي اختطفته وليس هو الذي فك رموزها فأصبحت طوع بنانه.  كل قصيدة يكتبها كان يعتبرها قصة حب جديدة، تلمس من صدق عاطفته طهارة الإنسانية وكرامته، فهو كريم بماله بخيل بكرامته، ينفق كل مرتبه الشهري ويستدين على مرتبه لكي ينفق، ولكنه لا يمكن أن يتنازل عن المس بكرامته، حتى ولو كانت حبيبته، فهو يعتبر كرامة الإنسان فوق كل مكان وزمان، ويمقت بشدة امتهان كرامة أي كان من الناس.

من أبرز صفات كامل الشناوي خفة دمه وبشاشته، وقد أشتهر بمرحه ودعابته وسخريته اللاذعة، وسرعة بديهته في نظم الشعر.  هو شاعر وكاتب وصحفي، ولكنه كسول في كل ذلك، فهو المقل في الكتابة والشعر، والعشق كان يأخذه إلى عالم آخر، وإن حزن فلديه من الخيال والموهبة والقدرة ما يمكنه أن يكون من أعظم شعراء عصره.

وكانت هواية كامل الشناوي احتضان المواهب الجديدة وتشجيعها والأخذ بيدها إلى الأمام، ويتحمس لها ويكثر من الإشادة بها، فقد كانت له وقفات مشهودة مع الفنانين عبد الحليم حافظ وبليغ حمدي، وغيرهم الكثير.

محب للجمال في الطبيعة والفن والأخلاق، والمرأة وإن كانت الأخيرة قد أصابته في مقتل، وقد كتب قصيدته الشهيرة بها "لا تكذبي" قصيدة حقيقية ليست من نسج الخيال، فهناك من أصدقائه من هو شاهد على هذه الواقعة الحقيقية، كان من بينهم عملاق الصحافة المصرية الكاتب الصحفي مصطفى أمين، والكاتب الساخر أحمد رجب، ويعرفون لمن كتبها الشناوي ولمن باح بها في بداية النظم، فحين كتبها كامل كان يكتبها وهو يبكي والدموع حبيسة محاجره، يكاد أن يختنق بصوته وأن يختفي مع الكلمات:

لا تكذبي        إني رأيتكما معا

فدعي البكاء    فقد كرهت الأدمعا

هذا الشاعر الرقيق كان ذميما ولا يختار إلا ذوات النصيب الوافر من الجمال، أمنيته الاستحواذ عليه والجري وراءه بشتى الطرق، وقد يصل إليه بعد أن يأخذ منه العناء والمشقة كل جهده، فنستثمر منه كل ذلك بثمرة القصيدة الرائعة، التي ما إن ينتهي من كتابتها ويقرأها على سامعيه حتى تسري سريان النار في الهشيم.  كثيرة هي قصائده الجميلة، أحسب إنني اطلعت على ديوانيه "كامل الشناوي" و"لا تكذبي" فلست هنا بصدد إعداد دراسة عن شعره، ولكنها كلمة أسطرها عن هذا الشاعر الرقيق الذي يعرفه الكل من خلال قصيدته "لا تكذبي" التي جابت الأفاق حينما شدا بها – عبد الحليم حافظ ، وسمعها الموسيقار محمد عبد الوهاب، فأطلق عليها "إني ضبطتكما معا".

كل قصة حب لكامل الشناوي كانت قصيدة. فقد كانت القصيدة عنده أشبه بـ "محضر" استجواب كقوله:

حبيبها لست وحدك

حبيبها أنا قبلك

وربما جئت بعدك

وربما كنت مثلك!!

استمر عذاب الحب يطارده وقد أعلن ذلك مرارا وتكرارا أمام أصدقائه الخلص، حيثما ينتهي من قصة حب فاشلة إلا ويقع في قصة حب أشد فشلا منها، ولعل مرد ذلك هو الذي خلق لنا الكثير من قصائد الشناوي، في صولاته ومغامراته العاطفية، والتي لم تخفف من روعة شكوكه وتشاؤمه. من كل قصة حب جديدة يكون هو في نهايتها الضحية.

فبرغم العذابات القاسية، والنار التي يكتوي بها من حبيبته التي هجرته فهو يكره الخنوع ولا يحب الخضوع أنفه شامخ وكرامته لا تسمح له أن يجعل حبيبته تمرغ أنفه بالتراب، أنه يكره الهوان ولا يود أن يكون أسيره بل أسير اعتزازه بنفسه وكبريائه، أسمعه يقول:

يا كبريائي

لقد كلفتني خطرا

فيه المنايا مطلات بأنياب!!

تمرد الليل

لا أغفو به أبدا

حتى أرى الفجر مسفوحا على بابي!!

الشناوي الذي يتضور جوعا من الحب والحنان وينشده عند الغانيات، تأبى نفسه وكبرياؤه أن ينزل إلى الحضيض، وأن يسلم عقله لغانية تلعب به كيفما تشاء، فهو كالذئب الحذر الذي يود الإيقاع بفريسته، دون أن توقع به لكي تعبث بقلبه، فقد جعل عقله وعاطفته في مأمن بعيداً عن ألاعيب فتيات قصائده وأحابيلهن!

ولكنه في حالة حب وحرب طالما القصيدة مشتعلة وفي طور التكوين، فهو يثأر من الغادرة التي جعلته يتضور حبا وحنانا .. يثير الغبار حولها، راجما إياها بقصيدة سرعان ما تتناقلها الصحافة، دون الإتيان على ذكر عن  من تكون القصيدة، وإن كان بعض من أصدقائه يعرفون ذلك جيدا، إلا أن القصيدة التي افتضح أمرها هي "لا تكذبي" فقيل إنها تلك المطربة التي قيل عنها إنها كانت تشفق عليه ولم تكن تحبه فهو الرجل الضخم وهي الصغيرة التي تشكل عنده الرقم الصفر وهو الواحد.

يتألم ويتوجع ويعقد العزم على أن لا يقترب من الحب مرة ثانية، وما إن تغادره آلامه وأسقامه حتى يعود مجددا لما كان عليه من قبل، لا يستطيع العيش إلا أن يكون في كبد العاصفة ثم يستكن ويكتب عن الحب الذي أضناه وحطمه، يكتب أشعاره ومقالاته على صفحات الأخبار المصرية، التي بها جل أصحابه، فقد كتب ذات مرة يقول: "لم يعد بيننا ما يغري بأن أخدعك أو تخدعيني، فقد خرجت من حياة نفسي. لا تدهشي فالحياة التي أحياها اليوم لا يربطني بها إلا ما يربط الناس بحياتهم من أمل ويأس، أو راحة وعذاب. إنها حياة لا أتحرك فيها، ولكن أتمدد كجثة وهي لا تضمني بين أحضانها ولكن تكفنني كالكفن، في استطاعتي الآن فقط أن أصارحك بحقيقة قصتي معك: لقد خدعتني وخدعتك، خدعتني بكذبك الذكي، وخدعتك بصدقي الغبي، ظللت سنوات أتوهم أنك تحبينني، تجرين وراءك قلبي الأبله ومشاعري الحمقاء، وخلال تلك السنين كنت أنتزع من نفسي خلجاتها وأقدمها لك في آهة، دمعة، كلمة، قصيدة، وقد دفعك إيمانك بصدق عاطفتي إلى أن تمارسي حقوق حواء بقدرة وجدارة، فغدرت بوفائي وضحكت من دموعي".

وجاءه أحد أصدقائه وهو يقول له يا كامل، إن المطربة الكبيرة علمت بآلامك وعذابك، فقالت إن كامل الشناوي مسكين قد دمرته الغيرة!

وصدرت "أخبار اليوم" في اليوم التالي وهي تحمل مقالة كامل الشناوي، إليها!!

"صدقيني إذا قلت لك إنني لست مسكينا، ربما كنت كذلك لو أنني استسلمت للوهم الذي علقني بك ولكنني قاومته ورفضت ، وجعلت من كبريائي حصنا يحميني منك، ومن قلبي، ولا شيء يقوى أن يدمرني لأنني أحيا، مادمت أحيا، فإن العواصف التي تهب من حولي لا تزيدني إلا قوة على مواجهة الأعاصير، إنني لست كثيبا من الرمل تبدده حفنة من الهواء، ولكنني جبل لا أبالي العاصفة، بل أحتفي بها وبدلا من أن تزمجر في الفضاء أجعلها تغني من خلال صخوري، وليس صحيحا أنني أغار من أي إنسان تعرفينه، فالغيرة لا تكون إلا ممن تحبينهم وقد عرفت بالتجربة أنك لم تحبِ إلا ذاتاً واحدة، لا أستطيع أن أغار منها لأنها مختبئة في ثيابك.  إنك تحبين نفسك وتغارين ممن يشاركك حبها بل إنك تناصبينهم العداء ومن أجل ذلك عاملتني كما لو كنت عدوك الطبيعي، أحببتك فكرهتني، قدمت اليك قلبي، فطعنته بخنجر مسموم".

يقول عنه شقيقه الشاعر مأمون الشناوي:

"الكتابة عن شقيقي وصديقي، عن شعره ومغامراته تحتاج إلى البحث والتقصي، لا أستطيع أن أفيه حقه في هذه المقالة العاجلة عنه، ولكن لو فتشنا في الكتب التي ألفها أصحابه في فنون الأدب لا بد أن نحصل على ضالتنا من بين سطور هذه الكتب، فضلا عما يرويها عنه صديقاه الصحفيان الكبيران مصطفى أمين وأحمد رجب، فالحديث والكتابة منهما عنه لا تمل، فقد كان مكتبه في الصحيفة "الأخبار" التي يعمل فيها أشبه بالمقهى البلدي، إنه مزدحم بالناس ويتحدث الجميع ويتناقشون ويلتفون حول كامل الشناوي في صخب عنيف، وكان كامل الشناوي يبدو بين الجميع سعيدا بهذا الحشد الهائل من الأصدقاء والأحبة فكان يعرفهم ويعرف كيف يحبهم وكيف يكتشف ما فيهم من خير وجمال وأخطاء، ذلك لأنه يتغنى بالجمال ويتفنن بالسخرية وقد حافظ – كامل - على بابه مفتوحا طيلة عمره وعلى طريقته الريفية التي تحب الحياة في النور تحت أشعة الشمس تحت سقف السماء مباشرة.

كان مقهى الفيشاوي هو الشاهد الآخر على عاشق الليل وشاعر الحب والجمال كامل الشناوي. يقرأ فيه الشعر على أصدقاءه ويلقي بسخريته اللاذعة عليهم، ويتأمل ويناقش حتى مطلع الفجر، وكانت هذه المسامرات عنده أفضل من كتابة قصيدة خلف أبواب مغلقة، لذلك كان شعره الجميل ينساب لقلوب عشاقه، فكانت من أسمى وأعذب القصائد الجميلة التي قيلت في الحب والجمال، كانت قصائده بعيدة عن الخلاعة والمجون، كان ذواقة للجمال إذا مرت به تثير طربه ونشوته، بعيدا عن الإثارة للحواس، فهذه ليست في حسبانه، يتغني بالجمال فيسكبه شعرا عفيفا ينتشي به، يقرأه على سامعيه لا يرتجي الشهرة والمال، ورغم ذلك فالشهرة جاءته جاثية عند ركبتيه، فقد شاع صيته في أرجاء المعمور وحلقت بالآفاق، فكان يكتب القصيدة وهو في مكتبه في "أخبار اليوم" أو في المقهى وتقرأ في اليوم التالي في الإسكندرية وكافة المحافظات المصري، بحري وقبلي، وتقرأ في عواصم عربية كثيرة،

ولم تكن حياته الوظيفية أفضل مما هو عليه في بذخ وتبذير بل كان يستدين على مرتبه الضئيل ليواصل بذخه وتبذيره، كان يعيش ليومه دون حساب للغد.

وإذ أطلت عليكم مقالتي هذه عن كامل الشناوي فأحسبني أنني أتيت على ذكر شقيقه الشاعر الكبير مأمون الشناوي، شاعر الألف وخمسمائة قصيدة، كانت من روائع القصائد الغنائية التي تغنى بها عمالقة الطرب المصري العربي من أمثال أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ،وغيرهما

فقد غنت أم كلثوم لمأمون الشناوي"دارت الأيام" لحن – محمد عبدالوهاب- و"بعيد عنك حياتي عذاب" و"أنساك ده كلام" و"كل ليله" وغيرها الكثير.

ولكن حدثت جفوة واختلاف بينه وبين أم كلثوم حينما طلبت إليه (أي إلى مأمون الشناوي)، أن يكتب قصيدة لتكون من لحن رياض السنباطي، فقدم لها "الربيع" فطلبت إليه تعديل شطر، فرفض وقدمها لـ "فريد الأطرش" كانت وجهة نظره أن التعديل يقتل القصيدة جملة وتفصيلا.

ولوحظ على كامل الشناوي، وهو في أواخر عمره، تردده على "المقابر" فيقول عنه مصطفى أمين، في كتابه "مسائل شخصيه" فوجئت به يتردد على المقابر، ولم تكن هذه عادته، وسألته ماذا حدث، فابتسم ابتسامة حزينة وقال: أريد أن أتعود على الجو الذي سأبقى فيه إلى الأبد، فمات كامل الشناوي، في مستشفى الدكتور عبد الله الكاتب في أول شهر ديسمبر عام 1965م، وكان حول سريره ثلة من أحبائه وأصدقائه الخلص، وكأنه يقرأ طالعه في قصيدته بديوانه قبل وفاته ذلك اليوم وهو يقول:

إذا مت فابكوني وقولوا لقد قضى               شهيد حياة عاثر الحظ شاكيا

وما لحده إلا جوانح قد حوت                    شعورا من الأشجان والحب داميا

رحم الله شاعرنا العربي الكبير، كامل الشناوي الذي بقيت آثاره، ومأثراته في الثقافة المصرية، بل العربية نابضة شاهدة على خلود قصائده الرومانسية الجميلة، ومنها المغناة ذات الطرب الأصيل!!

المصدر : جريدة الرياض السعودية