خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الملحن الكويتي يوسف المهنا .. النغم الأصيل !!

. أعلام الموسيقى العربية

الملحن يوسف المهنا أحد أبرز الفنانين الكويتيين الذين أثرت اسهاماتهم في ترسيخ دعائم الحركة الغنائية في الكويت والخليج. رفد الساحة الفنيّة بألحانه المنوعة (العاطفية والوطنية والرياضية والدينية) التي أدتها أصوات نجوم الأغنية الكويتية خصوصاً والعربية عموماً، وما زال يعطي الطرب الأصيل من خبرته ودرايته.  إنهأحد أهم عناصر الإبداع والتميّز في الأغنية الكويتية، ورحلته مع الموسيقى تحمل الكثير من الإنجازات والتفوق. 

ولد يوسف يعقوب المهنا في الكويت سنة 1940، وعاش طفولة مرحة داخل أسرة تقليدية بين المرقاب والشامية.  وتلقى دروسه الابتدائية والمتوسطة في حولي.  كان في هذه الفترة يستمع لأغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.  وعشق آلة العود فتعلم أصول عزفها على يد الموسيقي المصري محمد حسن صالح. 

بعد أن أكمل المرحلة المتوسطة، سافر إلى القاهرة لدراسة الموسيقى وهناك نال في سنة 1970 الدبلوم من معهد الموسيقى العربية.  ومن هناك أيضاً بدأ يتعاون مع عشرات المطربين العرب والخليجيين حتى غدا علامة نجاح لأي لحن يقدمه.

ولنرجع قليلاً إلى الوراء لنشهد انطلاقة هذا المبدع في رحلته الفنية عام 1962، وكانت تلك الانطلاقة من إذاعة الكويتالتي كانت تهتم في حينه بتقديم الأغنية الكويتية الحديثة وتسجيلها باستقطاب عناصر كويتية موهوبة في مجالات الغناء والتلحين والتأليف والعزف.  وفي تلك الآونة، شكلت الإذاعة فرقة موسيقية كبيرة بهدف النهوض بالأغنية الكويتية وتطورها.

وللمطرب عبد المحسن المهنا دوراً مركزياً في انطلاقة شقيقه يوسف في الفن.  وعبد المحسن أكبر من يوسف سناً وكان اسمه رائجاً في عالم الغناء.  وإلى جانب هذا الأخير، وقفت شخصيات فنية أخرى وراء تكوين شخصية يوسف الموسيقية وتشجيعه على سلوك طريق الفن، ومن هؤلاء نذكر: الفنان صالح الحريبي، والموسيقي محمد حسن صالح، والفنان محمد عفيفي الذي كان يدرّسه العزف في المساء، والموسيقي حسن عبد المطلب الذي كان يدرّس في المعهد التجاري الموسيقي، وصديقه محمد الصقعبي الذي كان يتعلم آنذاك العزف على العود، والفنان أحمد علي الذي كان له دور كبير في إقامة مركز موسيقي في الإذاعة لتعليم الفنانين العزف والتدوين الموسيقي.

وللدلالة على دور هذه الشخصيات في مسار يوسف المهنا الفني، نتوقف عند أحدهم وهو الفنان صالح الحريبي.  في أحد الأيام، زار هذا الأخير يوسف المهنا في منزله في حولي، وصادف ذلك خبر في إحدى الصحف المحلية عن الحريبي مفاده: ظهور صوت جديد يغني للمرة الأولى في مدرسته بمنطقة كيفان. ولأن الحريبي يعرف أن يوسف المهنا يعزف على العود فقد طلب إليه أن يعزف له، فأسمعه يوسف لحناً جميلا حديثاً وكلمات جديدة. أعجب صالح بها، فسأله: هل هذا لحنك؟ رد عليه المهنا: إنه لحني وكلماتي، فقال الحريبي: «أريد هذه الأغنية»، وحفظها في اليوم نفسه وأخبر المهنا أنه سيسجلها في الإذاعة.  كانت تلك اللحظات بالنسبة إلى يوسف المهنا بمنزلة حلم.  وفي اليوم الثاني اصطحبه الحريبي إلى الإذاعة.  البداية كانت عند المسؤول عن قسم الموسيقى في الإذاعة الكويتية القديمة آنذاك، فعلم أن لدى المهنا لحناً عاطفياً وآخر وطنياً فقرأهما وحولهما إلى الفنان نجيب رزق الله الذي طلب إلى المهنا أن يسمعه اللحن، فعزف وغنى «ليش بس يعني».  نال يوسف إعجاب رزق الله الذي قال له: «وكمان صبا؟»، دلالة على صعوبة هذا المقام وإمكاناته الفنية المحصورة في مكان معين.  أضاف رزق الله: «أنت الآن ملحن، لكن عليك أن تعدني بتطوير قدراتك في العزف على أيدي أساتذة».  وكان لهذه التوصية أهمية في مسيرة يوسف المهنا، خصوصاً بعدما لمس نجيب رزق الله موهبته في التلحين.

دخل يوسف المهنا الأستوديو بثقة لتسجيل أول لحن له بعدما أعلمه نجيب رزق الله أنه مجاز كملحن، وتابع بروفات الفرقة ووقف في الوسط يعزف، اعتقاداً منه بأنه سيبقى في الأستديو، لكن عندما حان موعد التسجيل، طُلب إليه الانتقال إلى غرفة المراقبة لمشاركة مهندس الصوت في الإشراف على التسجيل.

عاد يوسف المهنا إلى منزله حاملا معه أحلامه وآماله وانتظر إذاعة الأغنية عند الواحدة بعد الظهر، كما قيل له، وراح يتابع الوقت دقيقة بدقيقة إلى أن سمع صوت المذيعة تغريد الحسيني تعلن ولادة مطرب جديد هو صالح الحريبي وملحن ومؤلف جديد هو يوسف المهنا.  انتابته فرحة كبيرة لا حدود لها ممزوجة بالخوف، لا سيما أن الأغنية جاءت ثمرة تشجيع المسؤولين والموسيقيين له وللمواهب الغنائية الكويتية الجديدة.  ويعد لحن أغنية «ليش بس بعتني» الذي غناه المطرب صالح الحريبي عام ١٩٦٢ بوابة دخول يوسف المهنا رحلة الإبداع والتفوق وباكورة تقديم العديد من الأعمال الأخرى لاحقاً.

جرب يوسف المهنا حظه في التأليف والتلحين لكنه ما لبث أن تخلى عن التأليف وركز اهتمامه بالتلحين. ولم يتوقف يوسف المهنا عند إتقان العزف بل تجاوز ذلك إلى التعلم من الفنانين الشعبيين إيقاعات الفنون الشعبية الأصيلة بمساعدة صديقه الفنان غنام الديكان.  وكانا يقصدان الفرق الشعبية الكويتية المعروفة والفرق العربية المقيمة في الكويت.  وقد سجل يوسف المهنا الكثير من أعمال هذه الفرق وتحاور مطولاً مع أعضائها.  وفي هذا دلالة على أنه فنان أصيل تدربت أذنه على سماع التراث الغنائي المتوارث، وخاصة السامري والخماري. 

لحن المهنا في مسيرته الناجحة أكثر من خمسمائة أغنية، من أشهرها: «حلفت عمري» بصوت حسين جاسم، و«وداعية» بصوت عبد الكريم عبد القادر، و«أبعاد» و«في الجو غيم» بصوت محمد عبده، و«عوافي» و«مع ريح الهوى مسافر» و«الله أمر» بصوت شقيقه الأكبر عبد المحسن المهنا، و«ترى الليل» و«يا أهل الهوى» بصوت مصطفى أحمد، و«بكل لغات العالم» بصوت نادية مصطفى، و«متلف الروح» و«برق تلالا» و«سرى البارق» بصوت عبد المحسن.  كما لحن الكثير من السامريات وأقربها إلى قلبه «ترى الليل» للفنان محمد عبده.

ويوسف المهنا أحد أوائل الفنانين الذين انضموا إلى جمعية الفنانين الكويتيين. فعمل بنشاط وكان مسؤولاً عن لجنة الحفلات التي كانت العمود الفقري لدور الجمعية داخل الكويت وخارجها، وما زال عضواً فيها إلى الآن.  كما شارك في تحرير الصفحة الرياضية في مجلة «عالم الفن» الصادرة عن الجمعية في بدايات صدورها واستمر في ذلك أعواماً عدة.  ولا غرو في ذلك فيوسف كان عضواً في نادي القادسية الرياضي وهو من مشجعي النادي ومحب للرياضة عموماً والمنتخب الكويتي خصوصاً.

وغنى مطربون أغاني رياضية ناجحة من تلحينه من بينها: «أوه يا الأزرق» غناء عبد المحسن المهنا وغريد الشاطئ؛ و«يا متكتك» غناء عبد المحسن المهنا وغريد الشاطئ ومحمد البلوشي؛ و«هيدوه» غناء عبد الكريم عبد القادر وعبد المحسن المهنا وغريد الشاطئ.  وناظم كلمات هذه الأغنيات الشاعر عبد اللطيف البناي.  كذلك لحن يوسف المهنا أكثر من أغنية رياضية لنادي القادسية الرياضي ولأندية أخرى.  وبمناسبة فوز منتخب الكويت بدورة الخليج الثانية لكرة القدم التي أقيمت في مملكة البحرين سنة 1986، أطلق أغنية هي الأسرع ضمن الأغنية الرياضية، إذ سُجلت يوم السبت وصورت يوم الأحد وأذيعت يوم الإثنين، شارك فيها المطربون: غريد الشاطئ، وعبد المحسن المهنا، ومحمد البلوشي، وعهود الرويشد.

منحت تلك الفترة يوسف المهنا ثقافة موسيقية شعبية، فتشبع بالإيقاعات والفنون حتى أصبحت جزءاً من فنه الذي يمارسه يومياً.

وكان يوسف المهنا أيضاً عضواً في فرقة «مسرح الخليج العربي» وشارك في أنشطتها المختلفة، من بينها وضع موسيقى وأغانٍ لمسرحيات من إخراج صقر الرشود وهي: «ضاع الديك»، و«بحمدون المحطة»، و«شياطين ليلة الجمعة» التي لحن فيها اللوحة الختامية من كلمات عبد العزيز السريع، وقد عرضت هذه المسرحية سنة 1973.

كذلك لحن أغاني مسرحية الأطفال «ا- ب – ت» من إخراج منصور المنصور وكلمات فايق عبد الجليل، سُجلت في القاهرة سنة 1980.

كانت علاقة يوسف المهنا بالشاعر مبارك الحديبي مميزة فشكل معه ومع شقيقه عبد المحسن المهنا ثلاثياً ناجحاً قدم للمكتبة الغنائية التلفزيونية والإذاعية أغاني عاطفية ما زالت تذاع إلى اليوم نظراً إلى تميّزها بالأداء الطيب والكلمات الشعبية الجميلة والألحان الكويتية الأصيلة، ومن تلك الأغاني سامرية بعنوان «واجهت خلي».

قد يكون الثنائي يوسف وعبد المحسن المهنا أكثر شهرة من شقيقهما ماجد المهنا، إذ عرفا منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، واجتمعا في أغانٍ عاطفية ووطنية ورياضية عدة. لكن شهرة شقيقهما الثالث ماجد المهنا بدأت في منتصف سبعينيات القرن الماضي عندما غنى عبد المحسن المهنا أغنية من ألحان أخيه يوسف المهنا كتبها ماجدوحملت عنوان «طير يا طير المودة»، يقول مطلعها:

طير يا طير الموده

قبل ما عمري يتعدى

بلغ أشواقي وسلامي

للذي ما جاني رده

كشفت هذه الأغنية عن موهبة ماجد المهنا في عالم الشعر الغنائي، وكانت انطلاقته الحقيقية في مجال كتابة الشعر إذ برز في عدد من الأعمال الغنائية سواء الوطنية أو الرياضية وحتى أغاني الأطفال.

كوّن يوسف المهنا ثلاثياً ناجحاً مع شقيقيه الأكبر عبد المحسن والأصغر ماجد، فكان الأخير مؤلفاً ويوسف ملحناً وعبد المحسن مغنياً، ونعم ذواقة الفن الكويتي كثيراً بما قدمه الأشقاء الثلاثة من أعمال تميزت بالجودة والإتقان.  ومن الأعمال التي شارك فيها الثلاثي المهنا أوبريت «الكويت دائماً» ضمن برنامج تلفزيوني قدمته المذيعة المعروفة أمينة الشراح لحنه يوسف المهنا، وشارك في كتابة كلماته إلى جانب ماجد المهنا كل من يوسف ناصر ويعقوب السبيعيوأحمد الشرقاوي، وغناه كل من: عبد المحسن المهنا، مصطفى أحمد، صالح الحريبي، غريد الشاطئ، سليمان الملا، محمد المسباح، عبد الله الشحمان، فيصل الزنكوي، فيصل السعد، ابراهيم القطان، عادل البشير، وجاسم سنان. كذلك شاركت في الأوبريت الفنانات نوال وهدى حسينوشقيقتها سحر، فضلاً عن فرقة «الجوهرة». وعلق عليه الراحل حمد السعيدان، وأخرجه الفنان بدر المضف وانتجه تلفزيون الكويت سنة 1988.

في وقت لاحق، كُرم الفنان عبد المحسن المهنا ضمن مهرجان القرين الثقافي، إذ خصه المهرجان  في ختامه بليلة «يوسف المهنا» التي أعدت وقدمت بشكل يليق بمشواره الفني.

إن ما أنجزه يوسف المهنا في مجال الأغنية جدير بالاهتمام ويحتاج إلى دراسات معمقة من الباحثين وأهل الاختصاص تبيّن إضافاته في مجال الأغنية.  كما لحن مقدمات موسيقية لأعمال درامية تلفزيونية، وكان مشاركاً متميزاً في احتفالات العيد الوطني ليس في الكويت فحسب، بل أيضاً في عدد من دول مجلس تعاون الخليج.

تعاون مع معظم مطربي الكويت والخليج وساهم في إطلاق العديد من الأسماء العربية الشابة التي سرعان ما أخذت مكانتها وتميزها في سماء الأغنية العربية. ومن هؤلاء الذين ساهم في صنع نجوميتهم المطربة المغربية أسماء المنور وغيرها كثيرون.  له ألحان جميلة وخالدة ولعل أغنية "حلفت عمري" التي كتب كلماتها الشاعر الغنائي ماجد سلطان وغناها المطرب حسين جاسم هي أحد أجمل ألحان المهنا، وتقول كلماتها:

حَلفت عمري ما أشوف صورة

ملامح فيها من رسمك

حَلفت إني ما افتح يوم

كتاب يحمل معاني اسمك

وبمسح كل رسالة حب

ولا خلي أثر في القلب أبد منك

حلفت أحرق بنار الحب

كل ذكرى تناديني

وكل كلمة أحس إنها

في بُعدي لك تواسيني

وكل صورة تذكرني بهواك ولا تصحيني

وبحرق كل صورة حب

ولا أخلي أثر بالقلب

ولا أخلي أثر بالقلب أبد منك

زامل المهنا الكثير من الفنانين وجالس الكبار منهم، أـمثال: عوض دوخي (1932-1979) وشادي الخليج (1939- ) وأحمد الزنجباري (1917-1977).  قدوته في الفن محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي ومحمد الموجي، والأخير أطلق عليه لقب "موجي الخليج". 

كُرم يوسف المهنا في مناسبات عديدة ومن أبرزها مهرجان "أوسكار للأغنية المصورة والفيديو – 2010" الذي أقيم في مدينة الإسكندرية بمناسبة اختيارها عاصمة للسياحة العربية، فنال درع المهرجان.

الملحن القدير يوسف المهنا اسم عريق يستحق ما وصل إليه من شهرة على جميع المستويات الفنية، كما يستحق كل مظاهر التكريم والتقدير كواحد من أعلام الفن في دولة الكويت.  لقد أسهم بشكل كبير في تطوير اللحن الكويتي والنهوض بالأغنية الكويتية منذ ما يقارب نصف قرن.

المصدر: بتصرف عن مجموعة مقالات في صحف كويتية