إسماعييل حسن مجدد الأغنية السودانية

. أعلام الموسيقى العربية

حيدر محمد علي

 

ولد اسماعيل حسن عند ضفاف النيل الشمالية في قرية أم درق في العام 1927م. والدته الحاجة "حد الزين" كانت تجيد كتابة الشعر، التحق بالخلوة والكتاب وأكمل تعليمه الابتدائي ما بين كورتي والدويم، وسافر الى مصر ودرس في معهد مشتهر الزراعي بالقاهرة.  كان والده يعمل في خفر السواحل بمنطقة الأسكندرية ويمتهن التجارة.

عمل خبيرا زراعياً بوزارة الزراعة، وبالإصلاح الزراعي في النيل الأزرق.

أثار الفتى انتباه من هم حوله بحي السجانة الذي كان منطقة سكنه في خمسينيات القرن العشرين وظل كذلك حتى وفاته.

شكل شعره حالة من الاهتمام بمن هم حوله في فترة منتصف الخمسينيات وحينها لم يكن يفكر في جعله شعراً غنائياً حتى العام 1957م.

حين ظهر الفنان محمد وردي التقاه بواسطة خليل أحمد وعلي ميرغني، فانفتحت شلالات أغنيات ما زالت تعطر وجدان السودانيين والأفارقة، ووصلت ثمرة تعاونهما لاثنتي عشرة أغنية فكانت "بيني وبينك والأيام" و"لو بهمسة" بعد "أيه خاف من الله" وغيرها.

تغنى له فنانون آخرون بعدد من الأغنيات (أمثلة: محمد ميرغني، أحمد فرح، عبد العزيز داود، التاج مصطفى).

جاء شعره بثورة في مجال الفن فلقد كان أول من يخاطب المحبوب بعنف:

غلطة كانت غرامي ليك

ياخسارة دموعي فيك

وواجه نقدا من كبار شعراء الحقبة، وكانت بينهم مساجلات  في الصحف.
كان عضو اتحاد أدباء السودان، وعضو اتحاد شعراء الأغنية، وعضو اتحاد الفنانين، وعضو اتحاد الشعراء.  وكان مشهوداً له بالنشاط الاجتماعي والثقافي والحضور الإعلامي البارز.

له ثلاثة دواوين:

-      "ليالي الريف" - شركة إعلانات الخرطوم، 1973

-      "خواطر إنسان" - القاهرة (د. ت)

-      «حد الزين" – الخرطوم، 1975

-      "ريحة التراب"

ونشرت قصائده في كثير من الصحف والمجلات، مثل: مجلة الإذاعة، ومجلة الخرطوم، والرأي العام، والصحافة، والسودان الجديد، والأيام، وله عدة دواوين من الأغاني العامية.

شاعر وجداني النزعة، اشتهر بقصائده العاطفية، وتغنيه بالوطن، وبالريف السوداني، وبرع في النظم بالعامي والفصيح.  ويمتاز بارتقائه بالشعر العامي إلى مستوى الفصيح لجمال أسلوبه، وحسن اختياره لألفاظه، وبديع صوره الفنية، خاصة في قصائده الوجدانية.  ويمتاز أيضاً بوصف الطبيعة، بصفة خاصة في جمال السودان، وربطه الوثيق بين الإنسان، والطبيعة، والأرض والوطن، بحيث استحالت أناشيده الوطنية إلى إبداعات فنية، يتقبلها الناس بشغف تلقائي، واشتهرت أغنيته:

بلادي أنا
بلاد ناسا في أول شئ
مواريثهم كتاب الله 
وخيل مشدود
وسيف مسنون حداه درع
وتقاقيبهم تسرج الليل مع الحيران
وشيخا في الخلاوي ورع
وكم نخلات تهبهب فوق جروف الساب
وبقرة حلوبة تتضرع وليها ضرع 
وساقية تصحّي الليل مع الفجراوى..
يبكى الليل ويدلق في جداولو دمع
يخدر في بلادي سلام..
خدرة شاربي موية النيل..
تزرع في البوادي زرع
بلادي أنا بتشيل الناس وكل الناس
وساع بخيرها لينا يسع
وتدفق مياه النيل علي الوديان
بياض الفضة في وهج الهجير بتشع
بلادي سهول ،،بلادي حقول
بلادي الجنة للشـافوها ،أو للبرة بيها سمع 
بلادي أنا بلاد ناساً تكرم الضيف
وحتى الطير يجيها جيعان
ومن أطراف تقيها شبع

توفي إسماعيل حسن في الخرطوم عام 1982م رحمه الله رحمة واسعة.

المصدر: جريدة آخر لحظة السودانية

الأغنية الخليجية بين الأمس واليوم

عبد الله الميسان

لو تتبعنا التسلسل التاريخي للأغنية الخليجية الحديثة منذ بدايتها في ستينيات القرن الماضي فإننا نجد أنها مرت بعدة مراحل، فإذا كانت الأغنية الخليجية قد بدأت تقريباً في الستينيات، ونمت في ثلاثة أرباع عقد السبعينيات، وازدهرت في أواخر السبعينيات، ونضجت في عقد الثمانينيات، واستمرت كذلك حتى منتصف التسعينيات. ثم بدأت في النصف الثاني من التسعينيات تتراجع قليلا مع زيادة الإنتاج الغنائي بظهور الفضائيات التي جرت معها أيضا الفيديو كليب حتى وصلنا عام 2000م، ومن بعد ذلك بدأت وتيرة التراجع تزداد حتى وصلنا إلى أسوإ مراحل الأغنية الخليجية في نظري في السنوات العشر الأخيرة.

لماذا كانت الأغنية الخليجية في أواخر السبعينيات وطوال عقد الثمانينيات متألقة ومزدهرة فنياً؟  وكانت الأغاني الجميلة لا حصر لها؟  ولماذا هبطت الأغنية بعد ذلك هبوطاً مريعاً؟ حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن من تدنٍّ في مستوى الكلمات وضعف في الألحان وسوء في الأداء.

من الصعب أن تحصر الأغاني الجميلة والأعمال الخالدة في أواخر السبعينيات والثمانينيات إلى منتصف التسعينيات لكثرة الأغاني الجميلة.  فهناك عشرات بل مئات الروائع الغنائية. خذ على سبيل المثال: "وردك يا زارع الورد" لطلال مداح، أو "لنا الله" لمحمد عبده، أو "آه يا الأسمر يا زين" لعبد الكريم عبد القادر، أو "يا ناعم العود" لحسين جاسم، أو "كلما كنت بقربي" لخالد الشيخ، أو "بنلتقي" لعلي عبدالكريم، أو "يا ناس احبه" لعلي عبد الستار، أو "رحلتي" لعبد الله الرويشد، أو "ما انسا"" لنبيل شعيل، الخ.  وهذه نماذج بسيطة لأغاني جميلة ظهرت خلال أكثر من عشر سنوات تمثل أوج تطور الغناء في الخليج العربي، وغيرها عشرات، بل مئات الأغاني الخليجية الخالدة التي ظهرت في أواخر السبعينيات مرورا بالثمانينيات سواء كانت أغاني طربية أو أغاني خفيفة أغاني أو عاطفية أو غير ذلك.

بينما الآن لو فتحت الإذاعة من الصباح وحتى المساء واستمعت لـ 100 أغنية من أغاني السنوات الخمس الأخيرة بالكاد، فستعجب بأغنية أو أغنيتين.  حتى الإعجاب سيكون نسبيا وليس مطلقا. بمعنى انك قد تعجب إلى حد ما بالكلمات ولن تعجب باللحن أو الأداء أو قد تعجب بالأداء ولا تعجب بالكلمات واللحن.

الأغاني العادية أو التافهة إن صح التعبير هي الأغاني التي تتربع على قمة الأغاني اليوم ويتداولها الناس وتبث في الإذاعات وتغنى في الحفلات والمناسبات، وبلهجة الوسط الغنائي، لم تكن لتحصل على كل هذه الشهرة والمكانة لو أنها ظهرت في الثمانينيات لكثرة الأغاني الجميلة، بل كان سيكتب لها النسيان ولن يلتفت إليها احد. أما الأغاني القديمة فالإعجاب بها شامل لكل مكوناتها لحنا وكلمات وأداءً.

الأغاني القديمة تتجاوز حدود الزمن. أي أنها تبقى تغنى وتسمع وتبقى محفوظة عقودا من الزمن،  فالأغنية القديمة تدوم وتعمر طويلا في الذاكرة الجمعية. بينما الأغاني الجديدة هي أغانٍ ذات صلاحية محدودة جداً، سريعة في كتابتها وفي تلحينها وفي غنائها وفي مدة بقائها في ذاكرة الجمهور.  فأغنية "لنا الله" لمحمد عبده، مثلاً، عمرها اقترب من نصف قرن وما زالت تغنى في الحفلات والمناسبات وكأنها أغنية جديدة، ومثلها أغنية "أبكي على ما جرا لي يا هلي" أو أغنية "يا ناعم العود" وغيرها كثير من الأغاني.

المطرب القديم، ولقلة عدد المطربين في ذلك الوقت، المرتبط بقلة الإنتاج كان يعمر طويلا في الساحة الغنائية حتى يأتي مطرب آخر ويزيحه من المشهد. أما المطرب الجديد فلا يمكث طويلا، فالمطربون يتوالدون يومياً فلا يبقى أحدهم طويلا في ذاكرة الجمهور لأنه أتى مطرب جديد وأزاحه.

المقارنة بين مكونات الأغنية الخليجية القديمة والأغنية الخليجية الجديدة في هذه العناصر الثلاث تظهر الفرق الهائل:

العنصر الأول الكلمات: الأغنية في السابق يكتبها شعراء كبار يمتلكون الموهبة والثقافة، يصوغون الكلمة بإحساس عالٍ جدا من أمثال خالد الفيصل وبدر بن عبد المحسن وعيسى بن راشد وعبد اللطيف البناي وإبراهيم خفاجي وبدر بورسلي وفايق عبد الجليل الخ. كلمات مستواها رفيع جدا مليئة بالمعاني والمضامين والصور الفنية الجميلة. من يكتب قصائد اليوم، هم أرباع وأنصاف شعراء. أفسدوا الغناء بكلماتهم المتدنية وهبطوا بالذوق إلى الحضيض. كلمات الأغنية الجديدة كلمات عادية مباشرة بل أحيانا تصل إلى حد التفاهة لا تحمل في طياتها صورا شعرية مبتكرة ولا خيالا ولا إحساسا. مجرد صف كلام. أو هي شخابيط على الورق.

العنصر الثاني اللحن: اللحن في الأغنية القديمة، تشعر أن اللحن كان صادرا بعد معاناة، ونجد أنه مناسب جدا للأغنية. لأن الملحن نفسه يمتلك الموهبة والثقافة الموسيقية وهو مؤهل أكاديميا.  يضع اللحن المناسب للأغنية المناسبة للمطرب المناسب بالمقاس. أما الآن فاللحن جاهز والكلمات توضع على مقاس اللحن وربما لا تناسب المطرب. ملحنون متواضعون فنياً هبطوا بالفن والذوق الجمالي. أين الملحنون الكبار الموهوبون والمثقفون موسيقياً من مثل عمر كدرس وعدنان خوج وسراج عمر والشهري ويوسف المهنا وأنور عبد الله وعبد الرب إدريس الخ؟

العنصر الثالث الأداء: لما كانت الكلمات متدنية واللحن ضعيفا وكيفما اتفق كان من الطبيعي أن يكون الأداء سيئا وليس معبرا.  فماذا بمقدور المطرب أن يفعل إذا كانت العناصر الأخرى لا تساعده على النجاح. فمهما كان صوته جميلا فالصوت وحده لا يكفي إذا كانت الكلمات واللحن لا يرتقيان للمستوى الفني المطلوب أو الحد الأدنى على الأقل.

ظهور الفضائيات نقطة تحول في الفن جرت معها الفيديو كليب والمسابقات الغنائية وبالتالي خرج للساحة عدد مهول من المطربين.  

من الطبيعي أنك لو قمت بفرزهم فربما ستخرج منهم بعدد بسيط يستحقون أن يطلق عليهم "فنانون". أما البقية فمن الممكن أن يصلحوا لأي شيء إلا الغناء. لا موهبة ولا صوت ولا ثقافة ولا إحساس ولا حضور الخ. لكن دائماً الكثرة تقلل من الجودة.

في الماضي لم يكن يسمح بخروج أغنية إلا بعد أن تجاز كلماتها ولحنها وصوت الفنان الذي يؤديها من خلال لجنة للنصوص والألحان والأصوات.  لو استمرت هذه اللجنة قائمة إلى الآن لربما نِصف المطربين في الساحة الآن لن يستطيعوا تجاوز عتبة الإذاعة أو التلفزيون، ولكنهم ولغياب هذه اللجنة باتوا نجوما في سماء الأغنية يوازون نجومية طلال مداح ومحمد عبده وعبد الكريم عبد القادر والجميري الخ. ولهم شعبية وجماهيرية لا يستحقونها بالطبع. وإن كان الشاعر والملحن هما الأساس في الأغنية ثم يأتي بعدهما دور الفنان.

عوامل أخرى ساهمت في هبوط الأغنية الخليجية:

-      الفضائيات وشركات الإنتاج وبيد أصحابها رأس المال وبالتالي فهم يفرضون نمطا معينا من الأغاني لا سيما الأغاني الشبابية للحصول على المال لأنهم يتعاملون بعقلية ربحية بحت.  ويوجد سبب مهم وهو تدني مستوى الكلمة

-      دخول الفيديو كليب أثر سلباً على الغناء لأنه أدى إلى الاهتمام بالعنصر البصري على حساب جودة النص

-      للموزع الموسيقي دور

-      تحول الفن إلى بزنس

-      غياب النقد الحقيقي. الخ.

المصدر : صحيفة الأحساء نيوز